لا شك أن كثيرين حول العالم قد استغرقوا في التفكير العميق حول تسريبات ويكيليكس الأخيرة، ومضوا جميعاً في محاولة تصنيفهم لها متراوحين بين الخرق الأمني الكبير إلى المؤامرة الأمريكية الكبرى. لكنني وإن كنت أحدهم إلا أنني لم أستعجل الحكم على هذه الوثائق، وقد كنت محقاً في ذلك، لأن رأيي في الأمر قد تراوح بين الأمرين أحياناً كثيرة مع كل فوج من أفواج الوثائق المسربة التي كـُشف ولا زال يـُكشف عنها تباعاً حتى الآن.
موقع ويكيليكس أخذ شهرة تصاعدية عندما بدأ بنشر آلاف الوثائق المتعلقة أولاً بحرب الولايات المتحدة والناتو في أفغانستان، ثم اكتسب ثقة أكبر بعد أن نشر وثائق توثق لجرائم الولايات المتحدة وحلفائها في العراق ليصبح للموقع سمعة عالمية كمصدر للوثائق السرية المسربةن التي تظهر وتوثق جرائم الاحتلال الأمريكي في أفغانستان والعراق، ثم جاء الدور على نشر الوثائق الدبلوماسية السرية للخارجية الأمريكية وسفاراتها حول العالم، ليخلط أوراقاً كثيرة تجعل الحليم حيران. ومن منطلق كون السياسة لغة المصالح العملية، فمن الطبيعي أن يُطرح سؤال كبير وبعده علامات استفهام وتعجب كثيرة حول المستفيد الأكبر والأصغر إن وجد من نشر هكذا وثائق بهذا الكم الهائل، مع الأخذ بعين الاعتبار أننا كنا في السابق نثير ضجة كبيرة حول وثيقة مسربة هنا أو هناك ونشبعها تحليلاً واستفساراً حول مصدرها ومدى الوثوق بها، أما الآن فنحن أمام مئات الآف من الوثائق مجهولة المصدر.
أما عند الغوص عميقاً في بحر موسوعة التسريبات (ويكيليكس) سنجد واضحاً جلياً من هو المستفيد الظاهر ومن هو المستفيد المستتر؛ المستفيد الظاهر في رأيي هو الوحيد الذي عبر عن ارتياحه من نشر هذه الوثائق، بل وجد فيها ما يدعم وجهات نظره في القضايا الكبرى التي تناولتها الوثائق، وإليك بعض الجوانب التي استفادت منها (إسرائيل) المستفيد الأكبر:
أ) عدم تناول الوثائق الشأن الإسرائيلي رغم كونه في محور الأحداث والصراعات في العالم.
ب) إظهار صحة الإدعاءات الإسرائيلية بأن البرنامج النووي الإيراني يهدد المنطقة من خلال بيان مدى تطابق الموقف الرسمي العربي مع إسرائيل في هذا الشأن.
ج) زيادة الضغط السياسي على بعض الأطراف السياسية في المنطقة، من خلال إظهارها بمظهر المتعاون مع عدوه ضد أخيه، الأمر الذي وإن كان صحيحاً فلا يخرج عن سياق الابتزاز السياسي لتحقيق مزيد من التنازلات من هذه الأطراف، وعلى رأسها السلطة في رام الله ومصر.
أما المستفيد المستتر من هذه الوثائق، فهو في رأيي الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، فالوثائق وإن كان فيها إظهار لدبلوماسييها عبر العالم وكأنهم جواسيس وكتاب تقارير فهو لا يخرج عن حقيقة الواقع الدبلوماسي حول العالم حالياً، فالدول تستعين بسفارات بلادها لتقييم الأوضاع ونقل آراء الأطراف السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخل ذلك البلد، وليس في الأمر كثير إحراج مقارنة مع الفائدة السياسية العائدة من قول ما لا يمكن قوله في عالم السياسة؛ فالوثائق برأيي تمثل الآراء والاتهامات وأحياناً الحقائق وأحياناً أخرى الافتراءات التي تود الخارجية الأمريكية ترويجها ورمي الدول بها من غير تكلفة سياسية عليها، فهي مثلاً لا تستطيع اتهام رئيس الوزراء التركي أردوغان صراحةً بأنه إسلامي، ولكن ويكيليكس فعل ذلك وأضاف له اتهامات بالفساد للرجل الذي وقف ضد المستفيد الأكبر (إسرائيل). خلاصة القول، ان الخبرة الأمريكية الطويلة في عالم هوليوود كان لا بد أن تستثمر في فيلم واقعي يخدم المصالح الأمريكية، من خلال بطل استرالي يكسب ثقة العالم من خلال نشر فضائح الحروب الأمريكية على العراق وأفغانستان، ثم تحيك له الأيادي الخفية تهمة اغتصاب ومن ثم تعتقله وتغلق موقعه لتصنع منه بطل الحقيقة الذي تستطيع تمرير ما تشاء من أخبار ووثائق صحيحة وكاذبة من خلاله، لتضرب بها العالم في ما بينه وتخلط أوراق اللعبة الصغرى في الأقاليم لتجعل منها لعبة ً كبرى حول العالم لكنها لعبة ٌ بيد الكبار فقط.
ربحي خلفwww.wamdah.com