وثيقة الأسري الفلسطينية تقلق حماس وتضعها في مأزق بين المطرقة وسندان الاستفتاء الشعبي الذي يطالب به أبو مازن

حجم الخط
0

المهلة التي حددها الرئيس الفلسطيني خطوة ذكية جدا

اذا حكمنا علي الامور وفق رد قادة حماس المضطرب علي المهلة التي حددها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في نهاية الاسبوع الماضي ـ يتبين لنا أنه قام بخطوة ذكية جدا. ليست هناك مبالغة في القول ان الايام الاخيرة بالنسبة لابو مازن شهدت ظهور أول نجاحاته في صراع القوي ضد حكومة حماس منذ أن فازت في الانتخابات التشريعية.

أبو مازن اختار ميدان المعركة الأكثر ملاءمة له ـ المجال السياسي. من الواضح للجميع أن يد حماس هي العليا في كل المجالات الاخري التي تتعلق بأساليب الحكم في السلطة الفلسطينية. الجمهور في الضفة وغزة اختار حماس لانه مل فساد حكم فتح والفوضي التي تميز بها ـ وليس بسبب البرنامج السياسي الذي طرحته حماس. في الشارع الفلسطيني تحدثوا في السنوات الأخيرة عن أن حكم فتح يتميز بأربعة أمور وهي كلها تبدأ بحرف (ف) ـ فوضي، فساد، فِتنة، فلتان ـ وهذه التصقت بفتح التي يبدأ اسمها بحرف الفاء.

أبو مازن الذي يدرك ذلك لم يُقدم علي تحديد مهلة لحماس في المجال الداخلي. وكان سيُقدم علي ذلك لو اختار خوض الصراع مع حماس في مجال الصلاحيات الأمنية مثلا. إلا أنه لم يفعل، واستغل ما يُدعي بوثيقة الأسري التي وُقعت في سجن تلموند من قبل أمين سر حركة فتح مروان البرغوثي وممثلي حماس والفصائل الاخري. أبو مازن قال لحماس: أمامكم عشرة ايام (التي تنتهي في يوم الاحد القادم) لاعلامي بقبولكم هذه الوثيقة، وإلا فانني سأُنظم استفتاءا شعبيا حولها.

من الصعب جدا علي حماس أن تقبل الوثيقة. فجوهرها يقوم علي الاستعداد لاقامة دولة فلسطينية في حدود 1967، وهذا مخالف لميثاق حماس الذي يرفض وجود دولة اسرائيل، حتي ضمن هذه الحدود. ومن الناحية الاخري لا يمكن لحماس ايضا أن ترفض وثيقة السجناء علي الفور، سواء بسبب مضمونها المقبول علي الأغلبية الحاسمة من الفلسطينيين، وبالتأكيد علي كل الدول العربية، أو بسبب الموقعين عليها الذين هم أسري ذوو مكانة اعتبارية في الجمهور الفلسطيني الذي يعتبرهم أبطالا. ليس من المريح لحماس ايضا أن ترفض فكرة الاستفتاء الشعبي التي طرحها أبو مازن، ذلك لأن قادة حماس كانوا قد صرحوا قبل ايام قلائل بأنهم سيطرحون كل قرار سياسي هام علي الاستفتاء الشعبي. قادة حماس ردوا علي مهلة أبو مازن الأخيرة بصورة متلعثمة. رئيس الحكومة، اسماعيل هنية، قال ان من الواجب دراسة المسألة والجوانب القانونية للاستفتاء. قادة حماس في دمشق سارعوا الي رفض فكرة الوثيقة والاستفتاء الشعبي، وطالبوا بنقل المداولات مع أبو مازن الي الخارج (الخرطوم هي المكان المقترح) من اجل ان يتمكنوا هم ايضا من المشاركة فيها كما كانوا قد شاركوا في مداولات الهدنة في القاهرة قبل سنة ونصف. رد فعل عدنان عصفور، أحد قادة حماس في الضفة، كان نمطيا ومُعبرا عن بلبلة حماس: نحن نوافق علي 90 في المئة مما جاء في الوثيقة. نتيجة ذلك كانت أن الورقة الختامية للحوار الوطني الذي جري بين الفصائل الفلسطينية في الاسبوع الماضي قد تضمنت عبارة إن وثيقة الأسري يمكن أن تكون أساسا للاجماع الوطني. أبو مازن الذي طالب من خلال مهلته الانذارية بأن تكون وثيقة الأسري أساسا وحيدا للاتفاق ـ تنازل لحماس قليلا حتي يتيح الاستمرار في التفاوض في الايام القادمة.

من الصعب معرفة كيفية انتهاء الصراع الدائر بين الجانبين. الاعتقاد السائد هو أن حكومة حماس برئاسة اسماعيل هنية ستُقدم بعض التنازلات في المجال السياسي ـ أما أبو مازن وفتح فسيُقدمون تنازلات في المجالات الداخلية. ولكن من المحتمل جدا أن تواصل السياسة الفلسطينية تفاعلها العاصف حول الوثائق والمؤتمرات والوساطات والتسويات ـ التي تترافق مع العنف وتبادل اطلاق النار ـ كما شاهدنا حتي الآن.

داني روبنشتاينمحلل خبير في الشؤون الفلسطينية(هآرتس) 29/5/2006

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية