محمود القيعيلا يحتاج القارئ أو المتابع لأداء الإعلام المصري (صحفا وفضائيات) الآن كبير عناء ليستيقن أن هذا الإعلام سقط سقوطا مهينا في هوة الانحياز. فعندما تجعل إحدى الصحف الخاصة مانشيتها (فات الميعاد) تكون قد استبدلت بالمهنية الانحياز، وبالموضوعية الذاتية، ونصبت نفسها وصيا على الشعب.خسر الإعلام خسرانا مبينا عندما ابتعد عن رسالته السامية، وأصبح إعلاما تعبويا مسيسا، تصف ألسنتهم الكذب، لا يستهدف الحقيقة بقدر ما يستهدف خلق أجواء معينة يريدها لحاجة في نفس القائمين عليه.لا نبرئ أحدا من تجاوزات إعلامية قاتلة، في وقت لا يحتمل التجاوزات، ويتطلب أكبر قدر من المسؤولية وضبط النفس.كنا نتمنى أن نسمع أو نشاهد أو نقرأ اعتذارات عن أخطاء مهنية، ولكننا نراهم ـ إلا من رحم ربي- في غيهم يعمهون.نعلم يقينا أن مؤسسات كثيرة في الدولة كانت بحاجة ماسة إلى التطهر من رجس النظام البائد، وفي مقدمتها الإعلام.لم يكتف هؤلاء الإعلاميون بأنهم كانوا مطبلين لنظام مبارك الإجرامي، وبدلا من أن يتواروا خجلا، ارتدوا ثياب البطولة والثوار.هؤلاء الإعلاميون الذين تقاضوا ـ ولا يزالون- عشرات الألوف ، من حق الشعب الذي تعيش أغلبيته على أقل من دولارين في اليوم أن يسائلهم ويسائل من أعطاهم : من أين لكم هذا؟.الشعب المصري الأصيل يدفع الثمن دائما وأبدا في كل الأوقات، فبأمواله وممتلكاته تكونت طبقة رجال الأعمال، الذين أثروا ثراء فاحشا بين عشية وضحاها.وبأرضه وترابه يتاجر سماسرة الإعلام، ولا يكفون عن إشعال الحرائق.نعلم أن حكومات بعد الثورة ورثت تركة ثقيلة وسط أجواء سياسية واقتصادية واجتماعية ملتهبة، ولكن ستكون خطيئة ما بعدها خطيئة إذا حاولت هذه الحكومة او غيرها تصدير أزماتها إلى الشعب المسكين الذي لاقى ولا يزال الهوان.الحديث الآن عن رفع أسعار وفرض ضرائب جديدة بمثابة إشعال نيران جديدة لن تبقي ولن تذر.ابحثوا عن بدائل أخرى ولا تخضعوا لإملاءات صندوق النقد الدولي المجحفة، فمصر خزائنها لم ولن تنفد، حاسبوا المفسدين من الوزراء السابقين ومستشاريهم (الذين كان يصل دخلهم مئات الآلاف) والإعلاميين الذين تربحوا من اعمالهم غير المشروعة، وخلطوا العمل الصحافي بالعمل الإعلاني، ورجال الأعمال الذين نهبوا قوت الشعب، ومصوا دماءه دون شفقة أو رحمة، ولم يرقبوا فيه إلا ولا ذمة.أتذكر بيتا جميلا لأبي الطيب المتنبي يقول فيه:وجرم جره سفهاء قوم .. وحل بغير جارمه العذابالشعب المصري الأصيل ذاق العذاب والهوان سنين عددا، واستنشق هواء مسمما، وشرب مياها ملوثة، وأكل طعاما مسرطنا.مصائب كثيرة جرها سفاء القوم، وحل بالشعب المصري الطيب العذاب. ‘ كاتب مصري