فخر الدين فياض
ليس من السهل الكتابة عن رواية الأزهر الصحراوي، وهو الكاتب الذي حضر بقوة إلي العالم الروائي من خلال عمله الأول (وجهان لجثة واحدة) بحيث يكاد الأزهر في روايته هذه أن يشكل استثناءً بالنسبة للروائيين العرب: أن يبدأ من القمة في هذا الفن الجميل والغني والمعقد.
ليس في هذا القول أية مبالغة ـ حسب ظني ـ لكاتب استطاع أن ينجز (وجهان لجثة واحدة) وهي الرواية التي تمسك بالقاريء من تلابيبه، بحيث لا يستطيع التخلص منها، حتي وهو ينتهي من قراءة آخر جملة فيها، فإن طعم الرواية وطقسها يظلّ عابقاً داخل النفس طويلاً. مع التأكيد أن القارئ حتي حين يختلف مع الأزهر من حيث الرؤية و الفهم و التطلع نحو الواقع و عبره نحو المستقبل الوطني و القومي فإن هذا القارئ سيتمسك بالرواية كعمل أدبي جميل لا يستطيع أن يأخذ منها موقفاً سلبياً بحيث تظل عملاً حراً مستقلاً مجرداً وبعيداً عن الأيديولوجيات و الشعارات و الأهداف.
ومن المهم بمكان التنويه إلي أن رواية (وجهان لجثة واحدة) قد نالت المركز الأول عن الأعمال الروائية في جائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الأخيرة، وقد قامت دار (النايا) في سورية بطباعتها مؤخراً.
و إن كنت سأقتصر في الحديث علي عالم الرواية الفكري و السياسي فإني أحب أن أؤكد أن الرواية تمثل بناءً روائياً مدهشاً، بحيث تشعر أنها وصلت إلي حد الكمال من الناحية الفنية.
وليس من المبالغة ان نقول أن (وجهان لجثة واحدة) هي العمل الروائي الكبير الذي أتي بعد ربع قرن من رائعة (وليمة لأعشاب البحر) للروائي السوري حيدر حيدر، والروايتان تقتربان من الأعمال الملحمية الكبيرة في تاريخ الرواية العربية.
إلي الأصدقاء الذين فشلوا في تغيير أنفسهم.. قبل تغيير العالم!! يبدأ الأزهر الصحراوي روايته متشائماً و بعد (366) صفحة حاول خلالها نبش الواقع و تعرية قوي الظلم و الاضطهاد من أنظمة و أجهزة مخابرات و حركات أصولية يصل إلي الخاتمة و قد وصل بتشاؤمه حد التخمةففي الإهداء نقرأ ما يلي:( إلي أصدقائي الأعزاء.. الذين فشلوا في تغيير العالم.. و تغيير أنفسهم.
أهدي هذا العمل )والأصدقاء هنا هم رفاق دربه داخل الحزب الشيوعي التونسي.. الذي حاول من خلال تسليط الضوء علي آليات عمله التنظيمية وأهدافه السياسية، أن يوضح أن تغيير العالم ليس عملاً بسيطاً أو ساذجاً أو صبيانياً، وليس تجريباً أو نقلاً أو استيراداً أو محاولة تفصيل الواقع علي (قد) النظرية.. وأن العمل السياسي الحقيقي أبعد ما يكون عن (سرير بروكست) أو تغليف الواقع بغلالة حمراء لنري من خلاله أهدافنا وشعاراتنا البعيدة.
ليس الشيوعيون فحسب، وإنما هناك القوميون أيضاً وبساطتهم في معانقة إشكاليات الأمة، فضلاً عن قطيعتهم مع موضوعة الديموقراطية والحريات العامة، بوصفها إشكاليات مؤجلة، حتي تصل الرواية إلي التيارات الدينية السياسية التي تري الواقع من خلال رؤية ماضوية تعمل علي التغيير ضمن ما يسمي العودة إلي السلف الصالح، وهي محاولة فاشلة للهروب من إشكاليات العصر وضروراته.. إن لم تكن ضرباً من الفصام السياسي والفكري والمجتمعي.
هؤلاء أصدقاء الأزهر الصحراوي ـ علي ما يبدو ـ الذين لم يفشلوا في تغيير العالم فحسب وإنما فشلوا أيضاً في تغيير أنفسهم.
احتراق الطينتبدأ الرواية بفصل يحمل عنوان ( احتراق الطين) تتحدث من خلاله الرواية عن تجربة الاعتقال السياسي والتعذيب الذي يتعرض له المعتقل داخل زنازين وأقبية الأجهزة الأمنية.. ورغم أنه موضوع طرق مرات ومرات في الرواية العربية، فمنذ رواية (البصقة) للروائي المصري رفعت السعيد، ورواية ( شرق المتوسط) للروائي السعودي عبد الرحمن منيف، وأعمال نبيل سليمان.. وفي القصة القصيرةكذلك (ابراهيم صموئيل نموذجاً) وغير ذلك، إلا أنه علي ما يبدو سيظل موضوعاً مفتوحاً يحمل من الدهشة والغرابة الكثير.. خصوصاً أن تلك الأجهزة في حالة تطور دائم لجبروتها وتطوير مستمر لوسائلها في القهر والتعذيب والإذلال والخروج عن معايير الإنسان وحقوقه نحو تشييئه والتعامل معه بمعايير حيوانية.
يتعرض الأزهر الصحراوي ـ وهو السجين السياسي سابقاً والخارج منذ مدة ليست بعيدة من مصح نفسي ـ لشتي أنواع التعذيب والإذلال.. في سبيل أن يعترف بالجريمة المنسوبة إليه وهي الجريمة نفسها التي يواجه بها كل الناشطين ديموقراطياً وحقوقياً في العالم العربي: الإخلال بالأمن العام ومحاولة تغيير النظام بالقوة.
كانت جريمة المعتقل هي المشاركة في تظاهرة للتنديد بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وفضح المجازر الإسرائيلية داخل مخيمات المدنيين والعزل في غزة والضفة الغربية.. وتم اختطافه من المظاهرة إلي سجن للمخابرات.
الأزهر يصور الحالة النفسية للمعتقل داخل السجن بأنه وصل إلي الدرك الأسفل.. إزاء ما يتعرض له، بحيث لا يدع له شيئاً من الممانعة أو الرفض، إلي الحد الذي يتصوره القارئ أنه تحول إلي شخص فاقد لأي إحساس بعزته وكرامته.
وهو الموقف الذي يصدمنا ويطرح تساؤلاً تلقائياً: هل تعتبر هذه الأجهزة ـ بكل قسوتها وفاشيتها ربما ـ كلية القدرة، بحيث تستطيع تحويل هذا المعتقل ـ بكل ما يحمله من رفض ومعارضة وحلم بالتغييرـ من فرد إلي دودة لا حول لها ولا قوة؟! ويبدو هذا الموقف واضحاً، حيث يقدمون للمعتقل وجبة عشاء ملوثة بالفضلات.. فلا يتورع عن أكلها! رغم أنه يستطيع ألا يتناول الطعام ويبقي علي قيد الحياة شأنه شأن من يضرب عن الطعام لأسابيع.
في هذا الفصل (احتراق الطين) يقرأ المرء عن وسائل التعذيب التي تمارس علي المعتقل السياسي بأشكال يعجز عن تخيلها بدءاً من الكي والحرق والتمزيق لأعضائه التناسلية وصولاً إلي الكلب الإنكليزي ( الهيب هاب) الذي اعتاد علي نكاح المعتقلين، مروراً بلعبة القط الأسود والجرذ داخل كيس ضيق كانواً قد أدخلوا جسد المعتقل فيه.. فضلاً عن جلب صورة أخت أو زوجة أو ابنة المعتقل وإيهامه أنهم اغتصبوها.. في سبيل تحطيم معنوياته بسلاح الأخلاق القائم علي العادات والتقاليد والمحرمات الدينية. وقد يري المرء أن الإنسان حين يتعرض لكل هذه الأساليب، فمن الطبيعي أن يموت في داخله إحساسه بالرفض والمقاومة؟!
إلا أننا نري أن مهمة المثقف الأزلية والتي يجب عدم التنازل عنها، ليست فضح قبح الواقع فحسب وإنما التحريض علي مقاومته وتغييره. وهو الأمر الذي ابتعد عنه الأزهر الصحراوي بحيث فتح الباب علي مصراعيه نحو تبرير الاستكانة والتراجع.. وربما القبول بالذل واعتبار هذه الأنظمة أشبه بالقدر المكتوب علي هذه الشعوب.. ولا حول ولا قوة إلا بالله!! مدينة العكاكيز القصيرةالفصل الثاني من الرواية وقد حمل عنوان (مدينة العكاكيز القصيرة) يعتبر من المقاطع الروائية العظيمة في عالم الرواية العربية.
هو وصف تجريدي ليس لواقع الشعب في تونس فحسب، وإنما لواقع الشعوب العربية عامة، وربما لواقع شعوب العالم الثالث قاطبة، وهي الشعوب التي تعيش تحت وطأة الاستبداد من جهة ووطأة الفقر والحاجة من جهة ثانية.
مدينة العكاكيز القصيرة، هي مدينة يتخيلها الأزهر الصحراوي لشعب رأي خلاصه الوحيد أن يحني ظهره ويطأطئ رأسه، ويلبس المرء السترة بالمقلوب بعد أن يحكم وضع النظارة السوداء علي عينيه ويتكئ علي عكاز قصير بحيث يظل ظهره محنياً نحو الأرض دائماً.. وأبداً!! هو الحل لمواجهة الرياح العاتية التي ضربت المدينة ذات يوم، فاقتلعت البشر الذين يرفعون رؤوسهم وصدورهم.. بينما نجي من شرها من طأطأ رأسه وحني ظهره.. وبالتالي فلا حل أمامنا إلا بالظهر المحني علي عكاز قصير. هو توصيف تجريدي لحال الأمة وشعوبها.. والرياح العاتية تبدو عند الأزهر الصحراوي هي الأنظمة المستبدة وأساليبها.. وربما تبدو القوي العالمية وعلي رأسها أميركا التي تجتاح العالم ليس بالسيطرة السياسية والهيمنة الاقتصادية فحسب، وإنما عن طريق الغزو والاحتلال التقليدي أيضاً.
في مدينة العكاكيز القصيرة، حاكم يري خلاصه وخلاص نظامه في هذا الاختراع المدهش: عكاز قصير ونظارة سوداء وسترة تلبس بالمقلوب!! وبالتالي دعم الحاكم هذا الاختراع وعممه وحماه بالدستور والقوانين النافذة!! هل حقاً تحولت مدننا إلي مدن للعكاكيز القصيرة؟! هو سؤال لا بد أن يسأله القارئ وهو يختم هذا المقطع الروائي الجميل الذي سيظل درساً هاماً في العمل الروائي الحقيقي.
ســــارق الانتمـــــاءفي مقطع الرواية الثالث يعود الأزهر بالذاكرة نحو البدايات، الطفولة، الأم والأب، القرية الفقيرة والبسيطة حيث حدود العالم لا تتعدي حدود الضيع القريبة، عالم حافل بالطيبة والخير إلي جانب الجهل والإهمال.. وشيوع الخرافة والإيمان بالغيبيات والمعجزات.. لكنه مع ذلك ـ أي العالم ـ حافل أيضاً بالحلم والسر.. وربما التغيير أيضاً.
في طفولته يتعرف مصادفة علي الكتب الحمراء، تستهويه الأفكار والنوايا الطيبة لتغيير العالم نحو عدالة اجتماعية ـ اقتصادية تختلف كلياً عما يعيشه الناس آنذاك، ربما لم تقدم له تلك الكتب منظومة فكرية أو سياسية، ولكنها زرعت في داخله بذور النقمة علي الطغاة والمستغلين من جهة، وبذور الحب والانتماء للكادحين والفقراء ومعانقة قضاياهم وإشكالياتهم من جهة أخري.
في هذا المقطع يبين الأزهر بساطة الرؤية والتصور عند الشيوعيين الذين يجوبون تلك القري النائية بأفكار ووسائل تحريضية تبدو بعيدة عن فهم الناس ووعيهم، بحيث يبدو هذا السياسي الداعي إلي التغيير أشبه بمن يغني في الطاحونة.. فلا الآخرون يستمعون إليه ولا هو يسمعهم!! إلا أن الأزهر لا يشكك بنوايا هؤلاء وتفانيهم إزاء الناس وإشكالياتهم من خلال حكاية معلم المدرسة (عمار)الذي يعيد بناء مدرسة القرية بعد أن هدمها الطوفان ويتابع العملية التدريسية لأطفال الضيعة ولكافة المستويات التعليمية رافضاً أن يأخذ أي أجر مقابل عمله.
تورط جميل وكفاحي ـ كفاحهميتابع الأزهر سرده الروائي الجميل في هذين المقطعين، ليتحدث عن مرحلة التعليم الثانوي والنضالات الحزبية بين الطلاب دون أن يغيب عن ذاك السرد الخلافات المستمرة مع التيارات الأصولية.. وقد حوي هذان المقطعان الكثير من المفارقات الواقعية التي تعبر في كثير من الأحيان عن لا معقولية الواقع التي تتجاوز حدود الجدل والمعقول والمنطق.. لكن الملاحظة الهامة في هذا السياق أن ما كان يعيشه المغرب العربي آنذاك يكاد يتطابق مع سيرورة المشرق العربي، وهو الأمر الذي يبدو طبيعياً بالنسبة لشعب يحمل الموروث نفسه ويتعرض للثقافات المحلية والعالمية نفسها.. إن ما قدمه الأزهر الصحراوي عن مدارس تونس آنذاك لا يختلف عن مدارس القاهرة ودمشق وبغداد.. وهو الأمر الذي يجعل المرء في المشرق يقرأ تاريخه المحلي من خلال الرواية، رغماً عن بعض التفاصيل المختلفة هنا أو هناك. من ناحية ثانية، تبدو سيرورة الأحزاب الشيوعية العربية متماثلة في إخفاقاتها وانتصاراتها، ومتماثلة علي ما يبدو في حالة الفصام السياسي في رؤية الواقع العربي ـ الإسلامي وكيفية التأثير به.
انحــــدارات شتّــــــييخصص الأزهر الفصل الأخير من الرواية إلي ما بعد السجن، فالمعتقل يخرج بعد سنتين من السجن، يخشي الحرية ويخاف الناس إلي الحد الذي تنتابه الرغبة لأن يطلب من مدير السجن البقاء.. سجيناً!! يلخص الأزهر في المقطع التالي حالة المعتقل النفسية وانكساره الكلي بعد تجربة السجن: كنت خلال هذه المدة ـ فترة السجن ـ التي قضيتها هناك كالمقطوع من شجرة، تجاهلني أقاربي وتناساني الرفاق وحاولت أنا بدوري لحظة خروجي نسيان الجميع بل احتقارهم وأفرغت ذاكرتي منهم جميعاً وقلت لنفسي مواسياً: هذه محنتك وحدك فلتعشها كما يجب.. هذا السجن دخلته وهذا العذاب تحملته وهذا المستقبل الذي كنت تحلم به لم يبق منه سوي سواد رماده.. عايش محنتك أيها البدوي وكن لها خير عشير.
تماماً ما عاشه الأزهر بعد السجن هو عبارة عن رماد ومحنة وهزيمة حتي نقي العظام.. بحيث لم يبق من المناضل شيء يذكر.
تدبر عملاً في غسل الموتي مع امرأة قبيحة ونصف مجنونة.. ولهذا دلالة رمزية في غاية الأهمية بحيث حاول الأزهر تصوير واقع قوي الممانعة والرفض في العالم العربي أشبه بواقع غسل الموتي ووضع القطن في فتحات جسدهم ليس إلا!! الأمة ( أو الشعب) هناك من يقتلها يومياً والحلم الكبير بالتغيير والعدالة تحول إلي جثة.. ولا دور لمناضل مهزوم إلا تنظيف تلك الجثة وتلميعها.. قبل إرسالها إلي التراب.
قلت آنفاً، إن الرواية بدأت بإهداء متشائم ووصلت في خاتمتها إلي التشاؤم حد التخمة وهو ما يتضح في المقطع الأخير بعد أن تصل به الحال إلي ضرورة الزواج من تلك المرأة القبيحة الصلعاء نصف المجنونة التي تغسل الموتي معه:
قادتني قدماي إلي ساحة مقر اتحاد العمال، فسمعت هناك مجموعة تتجادل بانفعال وحماس، فهذا يقول: الضم حركة تصحيحية يعيد الصبي إلي أمه والفرع إلي أصله والصوت الآخر يقول: باختصار شديد أنت مع الضم، فأنت مع العراق والأمة والتاريخ، أنت ضد الضم فأنت ضد العراق والأمة والتاريخ. وسمعت آخرين يقولون بفرح وإعجاب: أربع ساعات فقط.. بلعها في أربع ساعات فقط.. هل هذه نزهة أم حرب؟.
انشغلت بجدالهم ونسيت نفسي ومكثت أتساءل قائلاً: عن أية حرب يتحدثون؛ أية حرب هذه التي اندلعت أخيراً ودامت أربع ساعات؟ تماماً وهو المعتقل قبل ثلاث سنوات بتهمة المشاركة في مظاهرة لمساندة الشعب الفلسطيني.. يصل بعد سنة تقريباً من خروجه من ذاك المعتقل ليكتشف بالمصادفة أن هناك حرباً ستغير وجه المنطقة العربية.. وربما غيرته، تدور رحاها في الخليج العربي.
وهنا يبدو المعتقل مهزوماً ومنكسراً ولم يعد له أية علاقة بما يحدث في هذا العالم الذي حلم يوماً ما بتغييره!! كاتب وصحافي من سورية