في مجموعة قصصية صادرة عن دار «هاشيت أنطوان»، يظهر الكاتب قاسم مرواني معاناته السيكولوجوية الذاتية وليس «الغيرية»، بسبب فقدانه لحبيبته مارغريت، التي ترافقه بخطى سادرة حزينة متنقلة معه بين قصصه القصيرة التي تجسّد معالم شاحبة من هموم أبناء وطنه لبنان، باحتدام مرير وتوجّسٍ منفلت يكاد يبلغ الذروة في الخبايا المتوارية وراء جدران البيوت وفي الشوارع والأزقة الضيّقة وفي الحافلة وحتى على السرير.
يبدأ كلّ قصة قصيرة على حدة بمناجاة متخمة بالأسى لمارغريت التي غيّبها المرض، هي الظل الذي يستمدّ منه الوحي والتأمل.. كأن الحزن يتلحف بلازوردية أشجانه ويتلبّس وجهها الذي غاب، ولكنه سكنه كالشبح الأزلي.
يتناول الكاتب مشاكل حقيقية يستمدّها من صميم الواقع المتقلّب الذي يسود لبنان، من أزمة النازحين السوريين، إلى قضية العنصرية التي تطرح نفسها من خلال فتاة لبنانية ولدت لأمّ إفريقية تدعى أميرة وهي فائقة الجمال وعند حضورها للبنان يعاملها الجميع على أنّها خادمة بسبب لون بشرتها، وتصبح محطّ سخرية لدى صديقاتها في المدرسة، وموقع استغلال لدى الشبّان اللاهين. وينتقل في محطة أخرى إلى حكاية تطرح قضية الاغتراب الاضطراري للشبان عن وطنهم، الذي يخلّف جراحا تتقلب على موقد الجمر في قلوب أمهاتهم.. ثم يعرج إلى قصة الجندي الساذج الذي يساهم في اللاوعي واللاإرادة في قتل القائد أنطون سعادة، رغم أنه كتب له يوما قصيدة حيث التقت عيناه بعينيه وسط الحشد الهائل الذي يحيق بالأخير.. وحكاية السجناء الذين تنتفخ أعضاؤهم حسب جريمتهم، فالسارق تتضخم يده والواشي يصاب بورم في لسانه.. وقصته عن الشاب السارق وهو متزوج حديثا وأبٌ لطفلٍ يحمل إعاقة ذهنية، وقد أصبح قاتلا في ظلّ وضعٍ يفرض الخيانة والفساد على أبناء الوطن حيث القوي يأكل الضعيف.. والفقر يتمادى في طغيانه.
في كلّ قصة يودع الكاتب حبكة مرسومة بعناية يغزلها بنسيج الوجد والعزلة التي لا تبارح أفكاره.
الخيال يداعب الميتافيزيقيا الجريئة في معالجة السرد ويتلمّس طريقه بحذر في طريق وعرة، تتمزق أشواكها في قبضة القلم الذي يتعمق في خوضها. في كلّ قصة يودع الكاتب حبكة مرسومة بعناية يغزلها بنسيج الوجد والعزلة التي لا تبارح أفكاره. ولكن مارغريت تسيطر على الجوّ العام لجميع القصص في الكتاب.. هي الآمرة الناهية، الساكنة المسكونة، العاشقة المعشوقة، يفتك به غيابها ويثقله تجاهلها إياه بالموت. فنراه يترنم قائلا بنغمٍ كالأهزوجة الثكلى: « تتوه في الشوارع باحثا عن وجهها ولا تجده. وجهها المضيء انطفأ ولم يبقَ منه سوى وجه الرحيل القبيح لذلك الوجه ستبوح، وستحكي القصص. ستحكي الحكايات لتنام الصغيرة. ستسرد عليها ما لم يُتح لك عمرها القصير سرده. ستهدهد روحها بقصص عن أشخاص عاشوا حيوات مبتورة مثلها، وآخرين أهدت إليهم الأقدار أحلاما ملوّنة».
ثمّ نراه يلمّح بفضلها عليه، تلك المرأة المترفة بالأحاسيس المتدفقة الغامضة، حتى يكاد القارئ يراها كالنور الذي انشق صدر العدم لاستيعابه، وترنّح جبين القلم لاحتضانه، فيعزو إليها سرّ انهماكه في الكتابة، يناجيها بكبتٍ ويأس، يوهم نفسه بأنّها تنصت إليه وترنو لأفكاره المتركزة تحت إبط الغيم الأسود.. تلك الميلانخوليا أو السوداوية القاتمة التي تغلّف أفكاره رغم أهميتها، من خلال إشارات ترميزية، ونوبات حدادية، وقد عالج فرويد تلك النواحي المزاجية في ذات الفرد ولكنه لم يفرط في تشريح الأسباب التي تقترن بالكتابة لدى المبدع.
فنلمح في الكاتب الشعور بالذنب المفرط، رغم أنه لم يكن السبب في موت حبيبته وشقائه النفسي، وقد قال في هذا:» ببساطة يا مارغريت، لا خيار لديّ، أكتب أو أنتحر. أنا مجرّد هارب من موته وفي الكتابة تأجيل انتحاري إلى موعد آخر، إلى حين يخونني قلم، إلى حين يقتلني حنين». هنا يقترن السرد بالخواطر الشعرية النثرية التي تقحم نفسها لاشعوريّا في الجو الذاتي الذي غلّف به الكاتب محيطه.
«وجه مارغريت القبيح» تعبيرٌ عن معاناة دامسة قاسية في نفس الراوي تلهّى منها قليلا بانشغاله بهموم وطنه وقروحه، ولكنه كان يعود إليها صاغرا في نهاية المطاف.
٭ كاتبة لبنانية