وجود المشترك بين الثورات لا يخفي خصوصيات تميز كل دولة

حجم الخط
0

الباحث الفلسطيني إبراهيم أبراش يصدر أول دراسة حول الثورات العربيةمنتصر حمادة هذا أول عمل في المجال التداولي المغربي وربما العربي الذي يتوقف بالنقد والتقييم عند فورة الثورات التي تشهدها العديد من الدول العربية منذ مطلع العام الجاري، ولو أنه توقف أساسا عند ثورتي تونس ومصر، بحكم أن تاريخ تحرير وتمهيد العمل مؤرخ في آذار/مارس 2011. نحن في ضيافة كتاب ‘الثورات العربية.. في عالم متغير: دراسة تحليلية’، وألفه الباحث الفلسطيني، الدكتور إبراهيم أبراش (وزير الثقافة الفلسطيني سابقا، والأستاذ الجامعي المتمرس في جامعة محمد الخامس بالرباط، قبل أن يصبح وزير الثقافة في الحكومة الفلسطينية الثالثة عشرة، ويقدم استقالته فيما بعد). وقد صدر العمل عن منشورات الزمن، ضمن سلسلة كتاب الجيب، العدد 55، عدد آب/اغسطس 2011. يؤطر إبراهيم مقدمة العمل بلائحة من الأسئلة الملحة، من قبيل الاستفسار عما إن كان ما جرى في تونس ومصر ثورة أنجزت أهدافها؟ هل ما يجرى في اليمن وليبيا والبحرين وسورية ثورات أم حروب أهلية أم هي ‘الفوضى الخلاقة’ الأمريكية؟ وهل بمجرد خروج الناس للشارع، وهروب الرئيس، أو تخليه عن السلطة يمكن القول إن الثورة حققت أهدافها؟ وماذا بالنسبة لتداعيات المد الثوري على القضية الفلسطينية وعلى الصراع في الشرق الأوسط بشكل عام؟ قبل أن يخلص إلى أن ما جرى في تونس ومصر، وما يختمر من أحداث وتطورات في أكثر من بلد عربي، يحتاج لقراءة موضوعية وعقلانية بعيدا عن العواطف والانفعالات، لأن الآتي من الأحداث هو الأهم والأصعب، وبه ستكتمل الصورة، بحيث يمكننا أن نتحدث عن ثورة شعبية ناجحة أو عن شيء آخر، بعد التدخل الخارجي، الغربي خصوصا في مجريات الثورة، ومع وجود مؤشرات لمحاولة الجماعات الإسلامية ركوب موجة الثورة وتوجيه الأمور لما يخدم سياساتهم بقبول ضمني من الغرب. يستدعي الأمر أيضا، يضيف الكاتب، استقراء ما يجري انطلاقا من فقه الثورة الذي تراكم عبر التاريخ ومن تجارب الشعوب الأخرى، لنضع ما يجرى في سياق التحولات التي شهدها العالم العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، وخصوصا محاولة الأنظمة التحايل على فقدان شرعيتها من خلال تبني أشكال من الديمقراطية الأبوية والموجهة تغرر بها الجماهير، بالإضافة إلى محاولات واشنطن تغيير الشرق الأوسط جغرافيا وسياسيا بما يتوافق مع مصالحها موظفة ما أطلق عليه مفكروها الإستراتيجيون سياسة ‘الفوضى الخلاقة’، وأحيانا يكون الحد الفاصل ما بين الثورة والفوضى الخلاقة خيط شعرة. كما يُحذر المؤلف من مخاطر ما بعد اندلاع الثورة، معتبرا أن ما ما يغيب عن ‘سيكولوجية الجماهير’ــ إذا استعرنا عنوانا لأحد أبرز مؤلفات عالم النفس الاجتماعي غوستاف لوبون ــ كون مجرد تغيير النظام لا يعني حدوث ثورة، لاعتبارات عدة، أهمها أن كل الثورات تمر بمرحلتين: 1 ــ مرحلة الهدم، حيث يتم اسقاط النظام القائم وهذه مرحلة تنتج فيها كل الثروات تقريبا؛ 2 ــ مرحلة بناء نظام وأوضاع جديدة تتوافق مع الأهداف المسطرة للثورة والوعود التي قدمها الثوار للشعب، وهي الأكثر صعوبة، وفي كثير من الأحيان تتعثر الثورة في بناء أوضاع جديدة أفضل من سابقتها، حيث يجلس الثوار على أنقاض ما هدموه ويتحولون إلى مستبدين جدد يستمرون في التغني بشعارات الثورة فيما الأوضاع الافتصادية والاجتماعية تزداد سوءا، مما يثير حنق الجماهير المتطلعة للتغيير، فتتلبد غيوم ثورة على (الثورة) ويبدأ الناس بالاحتجاج والخروج للشارع، فيواجههم قادة النظام (الثورة) بقمع أشد فتكا من قمع الأنظمة السابقة، حيث صفة الثورة التي يسمون أنفسهم بها، تعطيهم الحق من وجهة نظرهم، لاتهام معارضيهم بأنهم أعداء الشعب وأعداء الثورة وعملاء للاستعمار… إلخ.

كثيرة هي الدروس التي نتعلمها من الثورة التونسية والمصرية، يضيف أبراش، وكثيرة هي الرسائل التي أرسلتها، بعض هذه الدروس والرسائل أتت أكلها مباشرة مما نشاهده اليوم في كافة العالم العربي، من انتشار روح الثورة على الحكام، وكسر حاجز الخوف، وتجاوز ثقافة الخضوع، إلى التفاؤل بعالم عربي أفضل تسوده قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ولكن بعض الدروس والرسائل ما زالت خفية، وتحتاج إلى إيضاح، وستظهر أهميتها مع مرور الزمن، وبعد تراجع هوجة العاطفة والانفعال التي تسيطر على الجمهور.

على صعيد آخر، وهذه نقطة إشكالية أسالت الكثير من المداد لدى الأقلام العربية، وتستحق بعض التأمل والتدقيق، بالصيغة الواردة في هذا العمل الآني والهام، يخلص أبراش إلى أنه بالرغم من وجود خصوصيات تميز الشعوب العربية، وبالتالي سيرورة الثورة وصيرورتها، إلا أن قواسم مشتركة توجد بينها، وكلها بلغت رسائل مهمة تدفعنا للقول إن العالم العربي يشهد تحولات اجتماعية وسياسية وثقافية مهمة، ومن أهم الرسائل التي بلغتها الحالة الثورية العربية المعاصرة، لولا ــ بيت القصيد في إضافة أبراش ــ أن وجود المشترك المشار إليه بيد الدول العربية، لا يخفي وجود خصوصيات تميز كل دولة عن غيرها، وبالتالي فسيرورة الثورة وصيرورتها قد تأخذ مسارات مختلفة، ونعتقد أن المفاجأة والعفوية كانتا أهم ما يميز الثورة التونسية عن غيرها، وهو ما لم يتوافر في الثورات اللاحقة التي تم التخطيط والتهيئة لها، والتخطيط والتهيئة قد يكونان عنصرين سلبيين في الثورات الشعبية.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية