وجوه انكار المحرقـة النازيـة…

حجم الخط
0

د. عزمي بشارة

وقعت المحرقة النازية ضد يهود أوروبا. وكان الفكر النازي الظلامي قد وضع نُصب عينيه تخليص أوروبا من اليهود، وبالتالي تحريرها من يهوديتها، أي من رأس المال البنكي مقابل رأس المال الصناعي، ومن الغدر والخيانة القومية وانعدام الوطنية والانحلال الأخلاقي القائم علي سوسة تنخر في عظام الشعب وأصالته ووطنيته، وتنشر مزاج ازدراء لقيمه وتراثه، هي سوسة من لا ينتمي اليه حقيقة وجوهراً، أي عرقياً، ويُصر علي الانتماء اليه لتلويثه. انها سوسة وجود اليهود في أوروبا، وتجلياته الرأسمالية والشيوعية والليبرالية، فمجرد وجودهم بموجب هذا التفكير الظلامي يُناقض نظرية نقاء الأعراق. وجودهم يُلوث ويُربك تسلسل الأعراق والحدود بينها بموجب تنظيرات (جوبنو) و(ألفرد روزنبرغ) وغيرهم. وقد التقت الرأسمالية المتأخرة المفروضة بقوة الدولة كتخطيط دولة مركزية بيروقراطية، مع القومية المتأخرة المتعصبة والاقصائية جداً، ومع تاريخ من اللاسامية الدينية يعود الي القرون الوسطي والحملات الصليبية التي هاجمت بلدات يهودية في وسط أوروبا في طريقها الي فلسطين والتي جمعت في نفيها الديني بين اليهود والمسلمين في الأندلس، وشكلت جزءا من هوية أوروبا ضد المحدد الخارجي للهوية، أي المسلمين، والمحدد الداخلي المتمثل باليهود. وقد حملت الرغبة النازية الشمولية الاستحواذية في ابادة اليهود بالاضافة الي هذا كله عناصر حداثية من الهندسة الاجتماعية الشمولية وعناصر من علوم البيولوجيا المكتشفة حديثاً مطبقة علي المجتمع، وعناصر من الداروينية الاجتماعية، ونظريات اشتراكية شعبوية رومانسية معادية للشيوعية وللاشتراكية الديموقراطية والليبرالية علي حد سواء باعتبارها غريبة عن روح الشعب. ولم يكن هذا النوع من الابادة الجماعية ممكناً دون فصل بين الموظف البيروقراطي وبين الفرد الخاص، وبين المهمة وتنفيذ الأوامر والأخلاق والرأي الشخصي. وجميعها من مميزات الادارة في جهاز الدولة الحديثة، كما لم يكن ذلك ممكناً دون التوثيق والتسجيل والاحصاء والأرشفة وكلها من مميزات الدولة الحديثة. والمفارقة أن هذه علوم التصنيف والأرشفة، وهذا التوثيق الاستحواذي لأسماء وعناوين وتفاصيل شخصية ومواصفات جسدية لمن سيقوا الي المعسكرات ومنها الي الأفران وممتلكاتهم التي صودرت، هي المصدر التاريخي الأكثر أهمية حول ما جري، وهي الأداة الأكثر أهمية في تسخيف ادعاءات من ينكرون وقوع المحرقة. ما قلناه أعلاه، أي حضارية و مدنية و حداثية المحرقة، الهولوكوست، كجريمة ابادة منهجية اذا صح التعبير، ومتابعة تنفيذ الهدف بدقة وليس كمذبحة عشوائية. فرغم فرادتها من حيث الحجم في القرن العشرين سبقتها حجماً واتساعاً جريمة ابادة سكان قارتي أمريكا الأصليين في القرون الماضية. ليس عدد الضحايا الرهيب هو ما ميز المحرقة، فقد سقط عشرات الملايين في الحرب، وعدد ضحايا الحرب من الاتحاد السوفييتي فاق بكثير عدد ضحايا المحرقة، ومنهم ألمان وبولنديون وفرنسيون ومواطنون سوفييت وغيرهم كثير. ما ميزها هو هدف ابادة شعب بأسره، كما في حالة الغجر، ومنهج التنفيذ اضافة لهول وحجم الجريمة. لقد سيق اليهود الأوروبيون من بيوتهم في ظل صمت جيرانهم بشكل عام، وقد تخلل هذا الصمت تواطؤ حركات محلية معادية للسامية ووشاية أحياناً، وتقديم يد العون أحياناً أخري. غالبية اليهود الذين قُتلوا لم يكونوا صهاينة، وربما لم يسمعوا بالصهيونية، ودور الصهيونية في التآمر أو في الانقاذ كان هامشياً بغض النظر عن الأبحاث حول الحالتين، وغالبيتها مثبت وصحيح، فقد كان للدور الصهيوني فعلاً وجهان، وفقط أهداف من يقومون بالأبحاث كانت وما زالت متناقضة. نشـأت الصهيونية قبل المحرقـة، واسـتهدفت فلسـطين لاقامة دولتها قبل المحرقـة أيضاً. وبررت الصهيونيـة مشـروعها أممياً بالمحرقـة بعد وقوعها، وربما دفع هذا التبرير ببعض العرب الي انكارها. فبعضهم ذهب الي أن تعظيم الجريمـة يعني تعميق حق اليهود باقامـة دولـة في فلسـطين، فمالوا الي تصغير شـأنها أو حتي انكارها. ولكن التيار الغالب بين المثقفين العرب المهتمين أصلا بمثل هذه القضايا لم يُنكر المحرقة، كما أكد وجود لاسامية في أوروبا قبل ذلك، ولكنه ادعي بحق أنها وقعت في أوروبا، فلماذا يجب أن يتحمل الشعب الفلسطيني وزر نتائجها؟ هذا ما ذهب اليه العقل العربي والفلسطيني السليم وموقف التيار الرئيسي في الثقافة العربية والفلسطينية. ورغم وجودها السابق والمتأثر بالجمع بين بعض رواسب الثقافة الدينية مع أفكار قومية متطرفة واردة من أوروبا، الا أن اللاسامية كظاهرة عداء لليهود قد انتشرت عربياً بشكل لافت كثقافة ومواقف مصاغة في كتب وكراسات فقط بعد العام 1967. وواضح أن انتشارها جاء مع انتشار فكر غيبي، ولتبرير هزيمة نكراء بأنها وقعت أمام شر مطلق ومستطير ومؤامرة عالمية علي نمط بروتوكولات حكماء صهيون الذي لفقته المخابرات الروسية في نهاية القرن التاسع عشر، ولكنه انتشر هنا في المنطقة العربية بشكل خاص في هذه الفترة بعد الهزيمة. أما انكار المحرقة فهو ظاهرة متأخرة ومسيئة يندرج ضمن التفكير بالمؤامرة اليهودية العالمية التي أصبحت بذلك تبدو كلية القدرة الي درجة تمكنها من اختلاق وتمرير منظومة أكاذيب بهذا الحجم علي كل شعوب العالم علي نمط البروتوكولات. وبرأينا المتواضع هنالك نوعان من انكار المحرقة: ـ انكار أوروبي يميني تاريخي يُشارك فيه بعض المؤرخين وبعض الحركات اليمينية المتطرفة، وهو انكار لم يضرب جذوراً تكسبه أهمية في تحديد سلوك المجتمعات والدول. ـ وانكار آخر يتجاهل كونها فعلا تاريخيا جري في سياق تاريخي محدد، وتتعامل معه كأنه شر شيطاني وقع خارج الزمان والمكان. ورفع جريمة المحرقة الي منزلة فوق تاريخية يمنع دراستها والاستفادة منها كتجربة تاريخية لمحاكمة خطورة العنصرية والتطرف القومي والهندسة الاجتماعية في الدولة الحديثة والمجتمع الجماهيري، ولا حصانة منه لأحد. أما الوجه الآخر لانكار المحرقة فهو تصغيرها وتحويلها الي مجرد أداة تُسخر لنوايا سياسية. وقد امتازت بذلك الحركة الصهيونية التي لم تتميز بحرصها الشديد علي ضحايا المحرقة، ولا بنشاطها الجاد لمكافحتها ابان حدوثها، فهي حتي لم تكن موضوعاً منتشراً ودارجاً علي جدول أعمال اليشوف اليهودي في فلسطين في تلك السنوات. وكان يُحرج الصهاينة السماع عن يهود يُساقون للذبح دون مقاومة، كان هذا يتناقض مع الروح القومية القتالية وصورة الانسان الجديد الذي أرادوه. وكسرت محاكمة (أيخمان) حاجز الصمت المحــرج بشأنها علي درجة تفجر العواطف علناً دفعة واحدة. وفي اطار محاولة الصهيونية اعتبار تاريخ اليهود كله تاريخ ملاحقة واضطهاد، وفي محاولتها التعامل معه كله كأنه يقود اليها، جري التعامل مع المحرقة كأنها موضوع يخص دولة (اسرائيل). فتم تأميم ضحايا المحرقة وتحويلهم اما الي حلقة في تاريخ الصهيونية رغماً عنهم في الطريق لاقامة (اسرائيل)، أو الي أداة لابتزاز التأييد للصهيونية وأهدافها عالمياً، أو الي أداة لتبرير الجرائم التي ترتكبها هي بحق الآخرين. وكأن حجم الجريمة يجعلها هي الضحية بامتياز أو وكيل الضحايا الحصري، وبالتالي يصعب اتهامها بارتكاب جرائم لأنها ضحية بحكم التعريف. وأدي تحويل اليهود بشكل عام الي ضحية النازية الي ظاهرتين: أ ـ شخصنة الموضوع، بحيث بات بامكان أي اسرائيلي فرد أن يتحدث ويتصرف وكأنه هو الضحية حتي لو كان في ايديولوجيته ونفسيته أقرب الي المجرمين، أو الي الـ كابو ـ اليهود الذين تعاونوا مع النازية في معسكرات الاعتقال ـ من الضحية، وكأن ولادته لأم يهودية تكفي لتحوله الي متحدث باسم الضحايا أمام الانسانية برمتها، بما فيها يهود وغير يهود أقرب منه الي نفسية الضحايا، وأكثر عداء منه للنازية ومشتقاتها. ب ـ التأميم أو تركيز الحديث باسم الضحايا بيد المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة التي تحتكر الحديث باسم اليهود وباسم تاريخ اليهود بشكل عام، الأمر الذي يُترجم الي دعم مالي والي دعم سياسي وغيره. في الحالة الأولي يكاد يتحول تحدي فهم ما جري، واستيعاب درس النازية الي جلسات نقاش بين شباب يهود وألمان وغيرهم، وكأن أولئك يُجسدون الضحية وهؤلاء يمثلون الفاعل، في نوع من العلاج النفسي وغسل الضمير والوجدان وارضاء غرور الآخرين والابتزاز. لا يوجد ما هو أقل أخلاقية من هذه الآلية التي تدفع بالجريمة والضحية عن البالغين، الي نفوس الشباب، كأنهم يرثون خطيئة الآباء، بدل الاستفادة من التجربة التاريخية في مكافحة العنصرية في المجتمعات كافة. وضحايا العنصرية في ألمانيا وأوروبا المعاصرة ليسوا يهوداً. وفي فلسطين الصهيونية هي الفاعل وليست الضحية.

تمنح جلسات العلاج النفسي هذه بطاقة مجانية لممارسة العنصرية بحرية في (اسرائيل) وألمانيا، وكأنه لا علاقة بين المحرقة والعنصرية، وكأنها شأن ألماني يهودي خاص، وليس فقط شأن ألماني يهودي، بل هي شأن بين أي يهودي وأي ألماني حتي لو كان الأول عنصرياً والثاني معادياً للعنصرية. أما الاحتكار الصهيوني غير المبرر لا منطقياً ولا تاريخيا للحديث باسم الضحايا فهو مريح لأوروبا. ويجب كسره. غالبية أهداف الصهيونية والمقابل الذي تطلبه لا يتطلب مراجعة مع النفس لاقتلاع الأسباب والعوامل الحقيقية التي أدت لـ الهولوكوست في أوروبا. وبالعكس فمن مصلحة الصهيونية تخفيف شأن كل جريمة أوروبية أخري لكي لا يمس بوحدانية الـ هولوكوست. أما الأهداف الأخري فلا تقع في أوروبا، وتتطلب تضامناً مع الصهيونية خارج أوروبا في مكان آخر، ومن شأنها أن تقذف بالقضية اليهودية برمتها الي الشرق الأوسط خارج أوروبا. وليـس هنالك ما يُريح ألمانيا الرسـميـة وغيرها من التودد للصهيونيـة والعداء للشـعب الفلسـطيني والعرب وحتي المسـلمين كشـهادةٍ تُبرئ حاملها من المسـؤوليـة عن المحرقـة. في حين يفترض أن يؤكد هذا السلوك المسؤولية واستمرار النهج، يجعله الترتيب الجديد بين الصهيونية وأوروبا شهادة حسن سلوك تمنحها الصهيونية بعد زيارة تطهِّر يقوم بها مسؤول أوروبي الي متحف ياد فشيم في القدس، كأنها مخولة بذلك. ولذلك فواجب ضحايا العنصرية في العالم كسر هذا الاحتكار الصهيوني للحديث باسم ضحايا المحرقة لا تأكيده بنفي وقوع الجريمة. لا هدية لكليهما، للعنصرية الأوروبية وللصهيونية، أكبر من انكار عربي أو فلسطيني لـ الهولوكوست. ولا أقذر من حالة يقدم فيها الألمان نصائح للعرب بعدم معاداة اليهود كيهود. ولا أدري ما المصلحة العربية أو الاسلامية في تبييض صفحة الحضارة الغربية واعفائها من المسؤولية عن المحرقة؟ من يفعل ذلك لا يعفي أوروبا بغباء من جريمة ارتكبت فيها فحسب، بل ويكسب عداءها في الوقت ذاته، إذ يصحو من وهمه عندما يري أن أوروبا تهاجمه مع الصهيونية في عملية ازاحة للعبء والمسؤولية باتجاهه، فيحسب المرء من شدة التحريض الاسرائيلي ـ الأوروبي ضد من ينكر المحرقة من منطقتنا أن المحرقة وقعت في ايران أو في مصر. ويُصبح انكار المحرقة بقدرة قادرة جريمة تضاهي، بل تفوق جريمة تنفيذها. انكار المحرقة هو خطوة سياسية غبية، والرد الاسرائيلي عليه لا يقل سياسية في استغلاله لهذه الخطوة للتحريض وتصفية الحسابات مع خصوم اقليميين لا علاقة لهم بالمحرقة. يجوز اخضاع المحرقة للبحث العلمي. ووظيفة الأخير في حالة علم التاريخ فضح الأساطير وتفنيدها وتبيان مصادرها ووظيفتها. ولا تتواجد واقعة تاريخية خارج طائلة البحث العلمي. ولكن طهران ليست صاحبة تقاليد في بحث المحرقة، ولا الموضوع ملح أكاديمياً في ايران. وانكار المحرقة ورد خطابة قبل المؤتمر، ولذلك فالمؤتمر ليس بحثاً أكاديميا بل تظاهرة تُسيء للمسلمين والعرب وتفيد النازيين وأوروبا اليمينية والحركة الصهيونية. وفي أيام الحرب العالمية الثانية عندما راهن بعض العرب وشعوب العالم الثالث علي ألمانيا كخصم لفرنسا وبريطانيا الاستعماريتين في الحرب جرت العادة أن يدعي اليسار المتحالف مع السوفييت أنه لا يجوز أن يقف ضحايا العنصرية الي جانب العنصرية النازية، وكان هذا صحيحاً. ولكن حتي هذا المبرر البراغماتي الفاشل للوقوف الي جانب العنصرية الأوروبية لم يعد قائماً. وانكار الـ هولوكوست لا يُضعف القاعدة الأخلاقية التي تُبرر وجود (اسرائيل) كما يعتقد البعض، بل يمنح كلا من أوروبا اليمينية و(اسرائيل) عدواً مريحاً تُسقطان عليه المشكلة برمتها وتجتمعان عليه، وهو المسلمون الأصوليون والعرب والفلسطينيون، وأولئك الذين يود (جورج بوش) أن يُسميهم الفاشية الاسلامية. كان رد الفعل العربي الأولي والبسـيط أسـلم بكثير، فهو لم يُنكر وقوع الهولوكوسـت ولكنـه رفض تحمل مسـؤوليتها، وحملها لأوروبا. انتشـر هذا الموقف في الأربعينيات والخمسـينيات وما زال ما تبقي فينا من العاديـة والطبيعيـة يردده أحياناً. سياسي وكاتب من فلسطين8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية