‘وجوه من القدس’، بانوراما سينمائية لشهداء فلسطين

حجم الخط
0

الفيلم الذي احترق مرة وأنتج مرتين وحصل على حفنة من الجوائزالقاهرة ـ ‘القدس العربي’ من كمال القاضي: في أعقاب هزيمة 67 أخذت إسرائيل والدول الحليفة تشن هجوما سافرا، ضد مصر والعرب وتسخر من فكرة القومية العربية وتزعم سقوط دولة فلسطين وتلاشي شعبها الذي محته الحرب وسحقته الهزيمة بعد انكسار جمال عبدالناصر، الذي شبهته وسائل الإعلام الغربية آن ذاك بالأسد الجريح، في الوقت الذي كان فيه إحساس الجماهير يتدفق بالحماس والوطنية والرغبة العارمة في الأخذ بالثأر ورد الاعتبار، توحدت المشاعر والنوازع لدى كل الفئات من مختلف الطبقات بكافة المجالات وجاء إحساس المخرج السينمائي الكبير أحمد فؤاد درويش صادقا كأحاسيس الملايين من أبناء الشعب المناضل يحاول إيجاد فرصة للتكاتف مع أشقائه لصد الحملات الهجومية والرد على الأكاذيب الصهيونية، فطرأت على ذهنه فكرة عمل فيلم وثائقي يجسد فيه تاريخ الحضارة العربية الفلسطينية ليكون رداً رادعاً على ‘غولدا مائير وليفي أشكول’، اللذين يتزعمان حملات التشهير والهجوم، فقام بكتابة السيناريو وعرضه على وزير الثقافة الذي أعجب به وأمر بانتاجه على الفور وبدأ العمل في جمع اللوحات التشكيلية لكبار الفنانين العرب من لبنان والأردن وفلسطين وسورية ومصر، فقد كان ثروت عكاشة شديد الثقة بالمخرج الشاب ويعرفه منذ أن كلفه بتأليف كتاب عن سينما الأطفال تولت نشره الهيئة العامة للكتاب، وأصبح مرجعاً مهماً فيما بعد، لذا تحمس عكاشة للفيلم ورصد له ميزانية 3500 جنيه، وأنتج الفيلم الذي وضع له الموسيقى التصويرية المؤلف الموسيقي الراحل جمال عبدالرحيم واختار له اسم ‘وجوه من القدس’، وهو الاسم الذي صار بعد ذلك عنوانا لمقطوعة موسيقية لجمال عبدالرحيم مضافا إليه كلمتي شهداء العرب، احتوى الفيلم على أهم اللوحات التشكيلية لأكبر الفنانين التشكيليين في مجال النحت والحفر الغائر والبارز والتصوير الزيتي لمصطفى الحلاج، وإسماعيل شموط وتمام الأكحل، الرسامة الفلسطينية الشهيرة، وتم التصوير باستديو نحاس بالتعاون مع فريق عمل متميز من الفنانين والفنيين كان من بينهم المخرج علي الغزولي مديرا للتصوير حينئذ وجميل عبدالعزيز أحمد وأدار انتاج الفيلم مناضل قديم هو إسماعيل جبر، الكل كان يعمل بروح المقاتل يشعر بالمسؤولية تجاه وطنه وفنه إلا أن الفرحة لم تكتمل فقد سعى مدير المعمل بالتأمر مع رئيس مجلس الإدارة لإجهاض الحلم وإحباط النجاح، وتمكنا من حرق الفيلم داخل معمل التحميض قبل أن يرى النور وأبلغا المخرج في الوقت الذي كان يستعد فيه لزيارة الوزير لإبلاغه بانتهاء العمل في الفيلم ودعوته لتحديد موعد لرؤيته، جن جنون أحمد فؤاد درويش وأسرع إلى مكتب الوزير ليبلغه بالكارثة وضياع المجهود الشاق وساعات العمل المتواصل ليل نهار، اندهش الوزير ثروت عكاشة من هذا الموقف وسأل عن ملابسات الواقعة فلم يجد جواباً شافيا وخرج من مكتبه متوجها الى مكتب رئيس مجلس الإدارة، وفي طريقه ذهب إلى المعمل والتقى بالمدير المتواطئ، وأكد له الأخير أن رئيس مجلس الإدارة هو الذي حرضه على حرق الفيلم.

تلقى هذا الاعتراف كالصفعة واستأنف مشواره الى مكتب رئيس مجلس الإدارة في ساعة متأخرة من الليل تحيطه الكلاب الضالة الرابضة في الطريق المتصل بين استديو مصر بشارع الهرم والمكتب في استديو الأهرام، وبدون استئذان دفع درويش الباب واقتحم عليه مكتبه ودارت بينهما معركة شرسة بوجود مخرجين كبيرين هما ‘ي ش’، ‘أ ف’ اتهمه بعدها العاملون بالمؤسسة العامة للسينما بالجنون، لكن يبدو أن أشياء كثيرة لم تستقم الا بالجنون فبعد هذه الواقعة الشهيرة التي ظلت حديث الوسط الفني لفترة طويلة أصبح كل ما يطلبه درويش حجاب على حد قوله، فقد أعيد حسب قوله أيضا من نفس رئيس مجلس الإدارة وبقرار من الوزير انتاج الفيلم للمرة الثانية، وهو شيء لم يسبق حدوثه من قبل، حيث أنتج الفيلم بميزانية 7500 جنيه في عام 1968 وكانت مدته 14 دقيقة، وبعد عناء شديد ومعارك طاحنة تم الانتهاء من إنتاج الفيلم للمرة الثانية وشاهده وزير الثقافة وطاقم من رجال الدولة في عرض خاص وأشادوا جميعا بمستواه الفني والتكنيكي وحقق رواجاً كبيرا ورقما قياسيا فقد اشترت منه جامعة الدول العربية في عام 1969 (400 نسخة) وأهدت وزارة الثقافة نسخة خاصة للرئيس جمال عبدالناصر، وهو الفيلم الوحيد الذي وجد في مكتبته بعد الوفاة واختير الفيلم كذلك في العديد من المهرجانات الرسمية بالخارج فشارك في مهرجان برلين بألمانيا الغربية ومهرجان كارلو فيفاري بتشيكوسلوفاكيا وليبزج بألمانيا الشرقية وكراكوف ببولندا وحصل على جائزة أحسن إخراج ثم جائزة اليونسكو كأحسن مخرج من كراكوف، وقد طبعت منظمة التحرير الفلسطينية مجموعة نسخ منه وزعتها على الدول العربية والأوروبية، كما تناوله عدد كبير من النقاد وقتها بالتحليل والنقد، كان أهمهم د. غالي شكري وكمال الملاخ، ويأتي فيلم ‘وجوه من القدس’ على رأس قائمة الأفلام الوثائقية التي قام بانتاجها المخرج أحمد فؤاد درويش فهو أول تجاربه في هذا المجال، تلاه بعد ذلك رصيد ضخم من الأفلام الناجحة تزيد على 69 فيلماً يعدها السينمائيون والمؤرخون الفنيون وثائق تاريخية مرئية في افلام المعرفة تفخر باقتنائها السينما المصرية.

يناقش الفيلم الوثائقي المهم الذي صاحب انتاجه وعرضه العديد من العواصف والأنواء، الواقع الفلسطيني بالموسيقى واللوحات التشكيلية في تجربة سينمائية فريدة تعتمد فقط على الصورة من دون اللجوء إلى رطانة الحوار، حيث كل شيء مؤكد ولا يحتاج لجمل حوارية تبثه أو تلعب دور الوسيط في توصيل معانيه للمشاهد، هكذا كان الهدف من غياب الحوار نهائيا، اللهم غير التعليق المصاحب للصورة التي تم التعبير عنها والتعويض عن معانيها ومقاصدها السياسية بلقطات عامة لشواهد الشهداء الفلسطينيين في المقابر التي حوت جثثهم وكانت دليلا على بطولاتهم في معارك النضال والشرف عبر أزمنة مختلفة ومواقع عديدة لم يشأ المخرج أن يحددها لتشمل كل العهود وتبرهن على طول المسيرة النضالية من دون تحديدها بأطر ومواقيت وفترات بعينها، فالمعركة مستمرة لحين استرداد الأرض وعودة الحقوق لأصحابها، الشيء الوحيد المحدد في البانوراما الإنسانية هو ذلك اليقين الظاهر في إشارات الشهداء المرفوعة أصابعهم للسماء تشير بعلامة النصر وتبرهن على حياتهم الأبدية في جنات الخلد فهم عند ربهم يرزقون، وقد أغنت الموسيقى التصويرية البديعة عن أية إضافات أخرى فوق هذا المعنى وبقيت القضية عنوان كل مشهد وكل شهيد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية