«وحدة الساحات» بين عقيدة «الجهاد» المقاومة وحسابات «حماس» السياسية

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله ـ «القدس العربي»:  لا يحقق الفلسطينيون إنجازا ماديا أو معنويا إلا ويمسكون فيه بالنواجذ، ليكون الجهد الشعبي بعد كل مواجهة للعدوان الاحتلالي الإسرائيلي رد هذه المواجهة إلى هذا الإنجاز، واعتباره مقياسا للانتصار والصمود، وليس أدل على ذلك سوى مفهوم «وحدة الساحات الفلسطينية» الذي يقصد به محاولة السعي إلى تجاوز التقسيم الجغرافي الاحتلالي وكل ما يترتب على ذلك من قضايا وأولويات وموضوعات في سياق مقاومة الاحتلال.

فهذه الوحدة هي الموضوع الأكثر حضورا في نقاش الفلسطينيين وجدلهم بعد خمسين ساعةً من القتال والقصف المتبادل، أدّت إلى سقوط 45 شهيدًا، نصفهم من الأطفال والنساء، و360 جريحًا. كما أن الفصيل المقاوم الذي انخرط في هذه المواجهة أطلق عليها اسم «وحدة الساحات» في مقابل التسمية الاحتلالية «طلوع الفجر».
لقد عد الخبراء والمحللون والنشطاء أن أكبر إنجاز فلسطيني تحقق في شهر أيار/مايو من عام 2021 هو حضور مفهوم فلسطين التاريخية، والتعامل مع الحدث الذي يجري في القدس بصفته حدثا يمس غزة العكس صحيح على امتداد الجغرافيات الفلسطينية في الوطن والشتات.

مصدر التهديد الأمني

يرى الدكتور نظام صلاحات، محاضر الدراسات الدولية في جامعة الاستقلال، والمتخصص في الدراسات الأمنية والعلاقات المدنية العسكرية، أنه رغم الانقسام السياسي الفلسطيني وتشجيع استمراره بل والسعي لتعميقه من قبل دولة الاحتلال، إلا أن المستوى الأمني الإسرائيلي لا يوجه سياساته الأمنية الاحتلالية حسب حالة الانقسام السياسي، بل حسب ما يطلق عليه مصدر التهديد الأمني. ويتابع صلاحات: «بمعنى أنه يعتبر أن حركتي حماس والجهاد توجهان النشاط المقاوم في الضفة من قطاع غزة ومن ساحات خارجية. هكذا فإن الحالة السياسية والأمنية بقيت متشابكة بين شقي الوطن المحتل. لذلك صحيح أن العدوان الأخير على قطاع غزة ارتبط بأجندات سياسية إسرائيلية داخلية لكنه في نفس الوقت تم بناء على تقديرات استخبارية».
وتابع قائلا: «أما بالنسبة لاشتراط الجهاد الإسلامي إطلاق سراح الشيخ بسام السعدي كأحد شروط إطلاق النار من قطاع غزة، فبرأيي هذه قضية تتعلق باستراتيجية الجهاد الإسلامي التي تقوم على استمرار المقاومة ووحدتها في كل مكان بدون وضع الحسابات السياسية موضع اعتبار في إدارة العمل الجهادي وتوجيهه».
في ذات السياق يصف الأكاديمي والباحث في قضايا التنمية السياسية إبراهيم ربايعة العدوان الأخير على غزة بالخطير من ناحية التداعيات، حيث هدفت إسرائيلياً فك الارتباط الذي تكون خلال السنوات الماضية بين الجغرافيا والديموغرافيا فلسطينيا، والذي كانت ذروته في هبة نيسان 2021 وهدف لتثبيت معادلة حوافز وتسهيلات مقابل أمن.
ويرى ربايعة أن إسرائيل عمدت خلال الأشهر الماضية إلى تعظيم «خطر» وواقع الربط بين الساحات، خاصة من خلال اعتبار جنين ونابلس امتدادا لبنية الجهاد في غزة، في إطار تحضيرها لضرب القطاع وقطع فكرة الربط، وهذا ما يفسر ابتداء العدوان من اعتقال الشيخ السعدي في جنين، ومواكبته باقتحام المسجد الأقصى، واستكماله باغتيال الشهيد النابلسي في نابلس.

ردود الفعل على وحدة الساحات

ويعتقد الأكاديمي صلاحات أن الموقف الشعبي الفلسطيني وردود الفعل في الشارع الإسرائيلي ارتبطت بموقف حركة حماس ورد فعل جناحها العسكري أكثر مما ارتبطت بتقييم مفهوم العدوان نفسه. فعزوف حركة حماس عن الانغماس في المواجهة الأخيرة كان مفاجئا إلى حد كبير خاصة أن هناك تهديدات سابقة من يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي للحركة.
وبرأيي صلاحات فإن هذا الموقف ارتبط بتقييمات سياسية حزبية لدى قيادة حركة حماس إضافة إلى رسالة لكل الأطراف بإن من يوجه المقاومة في النهاية هي حركة حماس، وإن إدارة المقاومة مرتبطة بالتقديرات السياسية لدى الحركة.
ولا يعتقد الباحث ربايعة بوجود مبالغة في الحديث عن «إنكسار فكرة وحدة الساحات، لأن العدوان الإسرائيلي نجح بهذا الكسر، لكن ليس بسبب القوة الإسرائيلية وتفوقها فقط، بل بسبب حالة الوهن المفرط في الحالة الفلسطينية، الانقسام وهشاشة التكوينات الفصائلية وعدم القدرة على البناء على مخرجات 2021. ولو كانت الحالة الفلسطينية أفضل لما وصلنا إلى هنا».
ويجادل صلاحات إنه إذا تم اعتبار ربط الجهاد الإسلامي من تصعيد وعدوان بالضفة الغربية بالتصعيد من قطاع غزة تكريسا لوحدة الساحات فإن ذلك لا يمكن النظر إليه بالأمر الجديد، كما أن حركة حماس تمارسه أيضا، إذ لا يمكن أن ننسى أحداث آيار من عام 2021 أو ما عرف بـ«الحرب الرابعة» على قطاع غزة التي كرست هذه الوحدة نظرا لارتباطها بأحداث الشيخ جراح وهبة آيار التي شملت كل فلسطين التاريخية.
ويشدد صلاحات على أهمية أن يتم النظر للأمر من باب الأولويات الحزبية السياسية واختلاف توجهات الجهاد الإسلامي عن حركة حماس. «الجهاد الاسلامي ليست له حسابات سياسية فيما يتعلق بالمقاومة وإدارتها وهو يعمل على استمرار المقاومة من الضفة وغزة بعيدا عن اعتبارات الحكم والسياسة، وإن كان مرد هذه الاعتبارات أن له أهدافا سياسية إقليمية وتحديدا موقف جمهورية إيران القائم على الدفع نحو التصعيد».
ويضيف أنه في هذا السياق يظهر أن مواقف حركة حماس تتدخل فيها حسابات أكثر تعقيدا من بينها مواقف أطراف إقليمية أخرى ذات علاقة بالحركة. «هنا تنعكس التناقضات الإقليمية في ظل الحرب الروسية الأوكرانية على حالة المقاومة الفلسطينية وتأثير المسرح الإقليمي على مواقف حركتي حماس والجهاد الإسلامي».
هنا لا يتفق ربايعة مع أن الحدث أو العدوان جسد وحدة الساحات، بل على العكس، الحدث في جنين وامتداده لاحقا إلى القطاع كان بهدف فك الساحات، كما أنه يشدد على ضرورة النظر للعدوان على أنه كان «بمبادرة إسرائيلية». ويعتقد ربايعة أن الحالة في جنين ونابلس أقرب إلى الفوضى المقاومة والمشتبكة منها إلى المقاومة المنظمة كما في القطاع، تستطيع هذه الحالة أن تقول «لا» وتشتبك، لكن لا تمتلك مقومات الاستدامة دون حالة شعبية رافعة، وهذا ما لا يتوفر حالياً.
ويتابع: «رغم حالة اليأس الحالية إلا أن القضية الفلسطينية دوما ما عاشت موجات من الصعود والهبوط، ولم تنجح مقاربات التسهيلات في دثر فكرة المقاومة، في ظل أن الحق الفلسطيني مرتبط بالحرية أولا وأخيرا».

إلغاء نتائج هبة فلسطين

ويرى المحلل السياسي هاني المصري أن حكومة الاحتلال أرادت من هذه الحرب مواصلة حربها الهادفة إلغاء نتائج هبة فلسطين والفلسطينيين داخل فلسطين، وتحديدًا معركة سيف القدس في أيار/مايو من العام الماضي، التي أكدت وحدة وترابط القضية والأرض والشعب، وتكامل أشكال النضال الشعبية والمسلحة. كما جاء في لحظة استطاعت سلطات الاحتلال خلال هذا العام تسجيل نقاط لصالحها، خصوصًا في تنظيم مسيرة الأعلام في التاسع العشرين من أيار/مايو هذا العام بأعداد غير مسبوقة، ومواصلة وتصعيد عمليات القتل والاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات في الضفة الغربية.
ويرى المصري أن من باب نتائج العدوان أن ثبتت حركة الجهاد الإسلامي مرة أخرى أنها قوة فاعلة وقادرة، وذلك بعد المرة الأولى؛ حيث خاضت معركة عسكرية منفردة ردًا على اغتيال بهاء أبو العطا في العام 2019 كما أثبتت أنها قادرة على تحمل مواجهة عسكرية مع قوات الاحتلال والصمود لمدة خمسين ساعة واصلت فيها إطلاق نحو 1000 صاروخ وقذيفة باتجاه مناطق واسعة في إسرائيل؛ الأمر الذي أدى إلى خسائر مادية ومعنوية كبيرة في صفوف الكيان المحتل، ومع عدم إلحاق خسائر بشرية كبيرة.
ويسهب المصري قائلا انه على الرغم من وجاهة الأهداف والدوافع التي وقفت وراء عدم مشاركة حركة حماس، فإنّ هذا الموقف أحدث صدعًا في جدار غرفة القيادة المشتركة ووحدة موقف فصائل المقاومة التي تشكل «حماس» عمودها الفقري.
يختم المصري الفكرة المركزية التي تطرحها المعركة الأخيرة التي تظهر خطورة عدم وجود رؤية شاملة وإستراتيجية وقيادة موحدة، كما لا يمكن التقليل من بعض أشكال الوحدة الميدانية السياسية والشعبية والعسكرية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية