وحشية غير مفهومة

حجم الخط
0

الاسد ينجح في البقاء بل ويسترد المبادرة في مدينتي دمشق وحلب. ولكن الرئيس السوري استوعب منذ الان انه حتى لو حافظ على حكمه فانه سيضطر الى الاكتفاء بدولة منقسمة، لن تكون مناطق عديدة فيها تحت إمرته. ومنذ اليوم في ختام سنتين على النزاع الدموي الذي جبى اكثر من 80 الف قتيل، ونحو مليون ونصف المليون لاجئ، فان سورية، حتى ان لم تكن بشكل رسمي، هي دولة منقسمة الى (اكراد، دروز، سنة، مسيحيين، علويين) وبشكل عام، فان ميل الكانتونات في العالم العربي (لبنان، العراق، اليمن) يتسع. الاردن المجاور غير محصن هو الاخر.
هذا الانقسام في الدول العربية جغرافيا وثقافيا، عرقيا ودينيا ليس الامر الوحيد الذي انكشف بشكل واضح منذ اندلاع الثورات العربية في 2011. ‘الربيع العربي’ كان يفترض أن يثبت لنا بان ما هو جيد للغرب (الديمقراطية) جيد للعرب ايضا. في نهاية المطاف بقينا مع صورة غير حماسية لمستوى مجنون من الوحشية في أوساط جيراننا. الذروة بالطبع هي في سورية. وبالذات نظام البعث، الذي اسسه الاسد الاب، كان يفترض به أن يقيم الجمهورية القدوة التي لا ينبغي للاختلافات الثقافية/ الدينية/ العرقية ان تشوش وحدة الام سورية. ولكن هذا لم يحصل. ومثلما في العديد من الدول العربية، في سورية ايضا الولاء ليس بالضرورة للعلم. الامر الذي قد يشرح السهولة التي لا تطاق بالقتل. من الاتجاهين.
ان التقارير عن استخدام السلاح الكيميائي الى جانب الكثير من التقارير عن مذابح جنود الاسد ضد الثوار من جهة، والتقارير عن الوحشية التي لا تقل من جانب الثوار من جهة اخرى تثير القشعريرة في الغرب. اما في العالم العربي فبقدر أقل، لماذا؟
الدكتور باسل حسين، الذي يسكن في العراق، حاول أن يشرح الوحشية في مقال تحت عنوان ‘مجتمع الكراهية’: ‘من الصعب نفي حقيقة ان مستوى الكراهية يتعاظم في المجتمعات العربية. توجد عندنا صناعة جعلت الكراهية فنا. لقد ذهلت من كمية الكراهية، الضغينة والعداء في الساحة السياسية، الدينية، الثقافية وفي كل المستويات، لدرجة ان الاعتدال اصبح تهمة، إن لم تكن خيانة، والكراهية المبالغ فيها اصبحت امرا جيدا واصبحت المتاجرة بها تجارة رائجة’.
وفي مقال آخر كتب: ‘بالفعل، نحن شعب دم’. وكتب ايضا بان ‘هذا سني وهذا شيعي، هذا كردي وهذا عربي، هذا قبطي وهذا نوبي (شعب افريقي يسكن جنوب مصر وشمال السودان)، هذا درزي وهذا بربري، هذا مع جنسية وهذا لا، هذا مدني وهذا بدوي، هذا كافر وهذا لا، هذا ابيض وهذا أسود’. من الصعب جدا الحديث عن احساس شعب واحد في الدول العربية المختلفة، وقد فشل زعماء العرب في اقامة اطار سلطوي شرعي. بشكل غير مباشر ساهم هذا في الاعمال البربرية التي نشهدها اليوم.
المثقف المصري الليبرالي طارق حجي، كتب مقالا لاذعا تحت عنوان ‘العقلية العربية’ التي تعاني برأيه من طغيان الزعامة، من جهاز تعليمي متخلف، ووسائل اعلام تثير النوازع. وبزعمه هذا مجتمع يوجد فيه مجال ضيق من التسامح الفكري، لا توجد ثقافة حل وسط، وللانسان قيمة ضيقة وعلاقات معظم المواطنين قبلية، عائلية وانتماءات للزعماء. الانسانية ليست جزءا من القاسم المشترك للمواطنين. ليس واضحا بعد، يقول، ما هو طابع وجوهر الهوية الوطنية ،عرب أم مسلمون، آسيويون، افريقيون أم ابناء حضارة الشرق الاوسط؟ بكلمات اخرى، المواطن يقتسم الارض مع من يراه مختلفا آخر. ولا يوجد تجاهه تسامح. في مثل هذا الوضع من الصعب الحديث عن المشاعر. وعندما لا تكون هناك مشاعر، ولا قاسم مشترك، يوجد دم. الكثير من الدم.
وفقط بسبب مساهمته في الوضع، وحتى لو كان هذا ربما مريحا للاسرائيليين، محظور ان يكون للاسد مستقبل. فالمجتمعات العربية تستحق مستقبلا افضل. هذا جيد لهم. وهذا سيكون جيدا لنا أيضا.

اسرائيل اليوم 19/5/2013

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية