وحوشنا في العراق: الحقيقة حول فرق الموت (2)

حجم الخط
0

عمليات تنسب الي إرهابيين مجهولين هي من فعل ميليشيات الأحزاب المدربة من قبل امريكاشيك أمريكي بـ 850 مليون دولار لفيلق بدر لبناء الأقفاص.. وفرق الموت تجربة مستنسخة من أمريكا اللاتينية

فاضل الربيعيهذه الدراسة تسلط الاضواء علي واحدة من اكثر حقائق الوضع الراهن في العراق عرضة للتلاعب والتضليل؛ حقيقة فرق الموت التي تجوب مدن وشوارع العراق. ويلاحظ الباحث والمفكر العراقي فاضل الربيعي في دراسته الجديدة، واستناداً الي جملة من المعطيات والادلة، ان الامريكيين بادروا الي اخراج الوحوش من اقفاصها بعد الغزو مباشرة، وان فرق الموت هذه مؤلفة من نحو سبعة عشر ألفاً – الي نحو عشرين الف متدرب معظمهم من اعضاء المليشيات الشيعية والكردية. كما يلاحظ ان هؤلاء يتوزعون علي مجموعتين يقودهما جنرالان امريكيان يعملان كمستشارين لوزارتي الدفاع والداخلية، وان مهامهما الفعلية هي ارتكاب جرائم قتل معلنة في المناطق السنية والشيعية، بهدف نشر فكرة مضللة عن حرب مذهبية وطائفية. “القدس العربي” مؤسسة الإجرامسيكون التصور القائل، أن مليشيات فيلق بدر تقوم بأعمالها استنادا إلي تعليمات قادتها المحليين وحسب، صحيحا تماما، لو لا أن الوقائع علي الأرض تجعل من قيمة هذا الادعاء متدنية إلي درجة فظيعة؛ والسبب واضح بما فيه الكفاية؛ فهذه الأدوات لا تقوم في الواقع، إلا بما يطلب منها أو يسمح لها بالقيام به ولمصلحة الأمريكيين. أما الذين يديرون دفة الإجرام الحقيقي ويشرفون علي كل كبيرة وصغيرة فيه، فهم حفنة من الوحوش الأمريكية الكاسرة، التي تغدو أمامها منظمة بدر، بكل سجلها الإجرامي، مجرد فريق من الهواة الطيعين، الذين يمكن أو يجب من المنظور الأمريكي للجريمة، استخدامهم بوصفهم ضباعا صغيرة تطلق أثناء رياضة الصيد. وفي حين أن المعلومات المتوفرة تدعم فكرة أن فرق الموت هذه تعمل بطاقتها القصوي، لإشعال نار الحرب الأهلية الطائفية، وهي التي تقوم بعمليات تصفية ُممنهجة وبشعة؛ فإن الأنظار غالبا ما تنصرف، تلقائيا، إلي مجرمي منظمة بدر الذين يقومون بتنفيذ الجرائم دون أن يرف لهم جفن. وفي هذا النطاق المحدود من المسألة، يبدو أن منظمة بدر تقوم بأعمالها الوحشية لا بإشراف وتوجيه قادتها المحليين، وإنما بإشـــــراف كامل ومباشر من ضباط CIA في وزارة الداخلية أيضا.

منذ الأيام الأولي للاحتلال سعي الأمريكيون، إلي إعادة بناء جهاز الاستخبارات العراقي علي أسس مغايرة ومختلفة كليا عما كان عليه الحال في عهد الرئيس السابق صدام حسين، إذ قاموا، من بين ما قاموا به، بالربط الشامل والمحكم لكل حلقة من حلقات هذا الجهاز، وكليا، بعناصر الاستخبارات الأمريكية. ظاهريا؛ يبدو جهاز الاستخبارات العراقي الآن، وبعد ثلاث سنوات من الاحتلال، وكأنه يعتمد علي أشخاص عراقيين ذوي خبرة في مجال العمل الاستخباري، مثل اللواء محمود الشهواني الذي تربي في أحضان CIA منذ الثمانينات، ومثل زميليه اللواء عدنان ثابت واللواء رشيد فليح؛ وكلاهما ـ كما يكتب فولر ـ يوصفان بأنهما CIA Aets ( رصيد السي آي إي ). أما فعليا وجوهريا؛ فإن جهاز الاستخبارات العراقي الجديد اليوم، ليس سوي خليط تم مزجه بمهارة، من عملاء عراقيين ومن عناصر أمنية أمريكية، مهمتها الحقيقية الإشراف الكلي والشامل علي الجهاز ومهامه.

اللواء فليح، مثلا، الذي يعتمد الأمريكيون عليه في العديد من المهام، هو الذي ساعد قوات الغزو علي إخماد المقاومة في الناصرية بسرعة مذهلة. لقد وضع الأمريكيون، تقريبا معظم العناصر الرئيسية العاملة في المجال الأمني، في كل من حزب الدعوة الذي يتزعمه الجعفري، و المجلس الأعلي للثورة الإسلامية بقيادة الحكيم، والحزبين الكرديين الرئيسيين الاتحاد الوطني بزعامة الطالباني و الديمقراطي الكردستاني بزعامة البارزاني، فضلا عن حركة الوفاق الوطني بقيادة علاوي، و المؤتمر الوطني بقيادة أحمد الجلبي؛ ضمن هيئة عليا تسمي CMAD ( اختصار دائرة تجميع المعلومات وتحليلها ) كما جري في وقت لاحق، تقسيم هذه الدائرة إلي شعبتين، توزعتا علي وزارة الداخلية والدفاع. فضلا عن ذلك؛ فإن الكثير من عمليات القتل الإجرامي المنتشرة اليوم في العراق، وتلقي فيها المسؤولية علي إرهابيين مجهولين، إنما تقوم بها وحدات خاصة مؤلفة من مليشيات هذه الأحزاب، وبإشراف كامل وتام من القادة الأمريكيين، الذين ظلوا، طوال السنوات الثلاث الماضية يسهرون علي تدريب العراقيين وزيادة مهاراتهم في فنون ملاحقة وقتل المتمردين. ومن عصارة هذه القوات تم تشكيل ما بات يُعرف بـ دائرة المخابرات الوطنية. لم يكتف الأمريكيون بهذا التشكيل، وعمدوا، بقصد تنشيط الإشراف علي هذه الوحدات، إلي إنشاء وحدة موازية هي الهيئة الوطنية لتنسيق المخابرات برئاسة موفق الربيعي. حتي وقتٍ قريب كان الربيعي الذي يقال، في أوساط العراقيين، أنه من أصول إيرانية وأن اسمه الحقيقي كريم شاهبور، ناطقا باسم حزب الدعوة، وكان يعمل في لندن، علي نسج علاقات متينة مع رجال السي آي إي لحسابه الشخصي. وعلي الرغم من تشكيل حكومتين مؤقتتين، حكومة علاوي ثم الجعفري، ظل الربيعي مستشارا للأمن القومي برغم أنف المعترضين، وحتي مع وجود شخص آخر من أنصار علاوي في المنصب نفسه. وهذا كافٍ لمعرفة أهمية الدور الذي يلعبه بالنسبة للأمريكيين.

وحوش كاسرةفي عالم المثيولوجيا، كما هو الحال مع الأساطير الإغريقية، تخرج الوحوش الكاسرة من قلب الفوضي والظلام والعماء الكوني. وفي عالم السياسة، يمكن للوحوش نفسها أن تخرج من قلب الفوضي أيضا. هذا التطابق لا مثيل له في أي تجربة كولونيالية (استعمارية) سابقة. لقد خلق الأمريكيون نوعا غير مسبوق من الفوضي ثم أطلقوا وحوشهم الضارية. إن مقال روبرت درايفوس المثير ( Our Monsters in Iraq وحوشنا في العراق ) فريد في نوعه؛ إذ أنه يسلط ضوءا كاشفا علي عالم سفلي معتم، قلما تجرأ احد علي الاقتراب منه، وخليق بنا ونحن نتجول هناك، أن نساهم نحن أيضا في الكشف عن العالم السفلي للاحتلال الأمريكي. ملاحظتي الرئيسية علي هذا المقال الهام للغاية، أنه لم يسلط ما يكفي من الضوء علي مسألة تمويل المليشيات. وسيكون أمرا مفاجئا للجميع، عندما يعلمون ـ اليوم ـ أن الأمريكيين عمدوا، ومنذ وقت مبكر من تطور الأحداث، إلي إيجاد مصادر مالية ثابتة لتنمية وتطوير تيارات موالية لهم في الوسط الشيعي بشكل خاص، وداخل المجتمع العراقي عموما، بالتلازم مع عملية تغذية منتظمة للمنظمات المسلحة المرتبطة بالأحزاب. وعلي سبيل المثال لا الحصر، تلقت منظمة بدر عونا ماليا كبيرا من الأمريكيين، مصدره في الأساس والمباشر، ميزانية الحكومة العراقية؛ وقد ابلغني سياسي عراقي بارز عاش علي مقربة من الأحداث، أن غازي الياور الرئيس العراقي المؤقت خلال حقبة مجلس الحكم المؤقت 2003ـ 2004، وبعد سلسلة ضغوط مارسها الأمريكيون عليه، وافق مرغما علي توقيع شيك بمبلغ 850 مليون دولار دفعت إلي هادي العامري رئيس منظمة بدر. هذه الأموال الطائلة ذهبت إلي بناة الأقفاص ومربي الوحوش. كان الأمريكيون يستعدون، من وراء ظهر المجتمع العراقي بأسره اعتبارا من مطلع أيار (مايو) 2003ومن خلال ستار كثيف من المزاعم عن نشر الديمقراطية وتحويل العراق إلي موديل إقليمي، لتنفيذ أول وأكبر برنامج سري للبنتاغون خارج الولايات المتحدة الأمريكية، من أجل بناء مؤسسات قمعية غاية في الوحشية والبطش، وذلك بهدف إخماد ما دعي بـ تمرد المسلحين غرب العراق، وفي الوقت ذاته لإخراس الأصوات التي بدأت تعلو وسط رجال الدين السنة والشيعة علي حد سواء، ممن يزعم أنهم سيلعبون أدوارا خفية في التحريض علي العنف عبر المساجد. ولم تكن منظمة بدر، في هذا النطاق وحده، سوي الأداة الأكثر قابلية لتلبية المتطلبات الأمنية الأمريكية في العراق. وهكذا فقد تم تحقيق نوع من تقسيم عمل أمني غير مألوف في كل التجارب الاستعمارية، تلعب المليشيات الحزبية فيه، دورا عسكريا وأمنيا واسع النطاق، لا بوصفها مجرد أداة بوليسية وحسب؛ بل بوصفها ركنا أساسيا في بنية أمنية ـ عسكرية من بني الاحتلال. وفيما اختصت في إطار هذا النظام الأمني المتكامل، وزارة الدفاع (السنية في عهد وزيرها سعدون جوير الدليمي، الذي كان ضابطا في استخبارات النظام السابق) بتصفية رجال الدين الشيعة؛ فقد انصرفت وزارة الداخلية ( الشيعية كليا في عهد وزيرها باقر جبر صولاغي) إلي تصفية رجال الدين السنة. الوزارتان تبادلتا الأدوار في لعبة القتل هذه بفضل الإشراف الكامل لوحوش السي آي إي. من رحم هذه الفوضي ولدت الكائنات الشريرة في العالم السفلي للاحتلال الأمريكي؛ ومن رحم هذه الكائنات الشريرة ولد الإرهاب.

العنف في العراق الجديد من منظور التاريخ الجنائي للجريمة نتائج عامة تشير الاستنتاجات الأولية التي يخرج بها هذا البحث، إلي تحول غير مسبوق في أنماط العنف الشائعة والمعروفة في التاريخ الجنائي والسياسي للعراق الحديث.

لكن هذا التحول يشير، هو الآخر، إلي أنها ومن حيث أشكالها وتجلياتها، تبدو مستنسخة عن تجارب شهدتها مجتمعات أخري (فرق القتل في أمريكا اللاتينية مثلا). من بين أكثر مظاهر العنف إثارة لسخط وغضب العراقيين وحيرتهم، ربما بسبب أهدافها الملتبسة وطابعها الوحشي كذلك؛ بل ومن بين أكثرها إثارة للأسئلة الحائرة والمشوشة، وما إذا كان للمقاومة الوطنية أي ضلع فيها؛ تلك التي يحدث فيها عنف مدمر يكون مصحوبا، في الغالب، بتفجير متعمد ومقصود للسيارات المفخخة في أماكن عامة (أسواق، محطات النقل، المساجد) وبحيث يصيب أكبر عدد ممكن من المدنيين الأبرياء. إن تاريخ الجريمة في العراق التاريخي والحديث لا يعرف البتة، ولا في أي وقت بما في ذلك أوقات الأزمات الوطنية الكبري كالثورات والهيجانات الجماعية في المدن أو الانتفاضات الفلاحية ضد الملاكين في الريف؛ عملا واحدا نُسج من الخيوط ذاتها التي ينسج منها العنف المستشري اليوم، فلا وجود في تاريخ الجريمة في العراق، لأي مظهر دال علي أن الصدام الاجتماعي يمكن أن ينزلق إلي هذا المستوي الأعمي والطائش، وبحيث يجرف معه جماعات وأفرادا لا صلة لهم بمواضيع الصدام. كما أن التاريخ الجنائي، بما في ذلك تاريخ الجريمة السياسية، لا يتضمن واقعة واحدة تشير إلي أن المنظمات السياسية أو الاجتماعية أو الأفراد، وأيا كانت البواعث والأسباب والظروف، يمكن أن يلجأوا إلي العنف ضد المجتمع أثناء الأزمات الوطنية. إن العنف الراهن، يشير علي الضد من وقائع التاريخ المكتوب، إلي حقيقة انه عنف مصنع وفريد في نوعه ولا سياق له في ثقافة وتقاليد مجتمع محافظ، ينظر باحتقار شديد لأي سلوك عنيف ضد العزل والضعفاء.

وحتي علي مستوي الجريمة السياسية التي نعتها نوري السعيد عام 1936 بـ داء الجريمة السياسية بعد أن فطن في وقت مبكر إلي تفشي ظاهرة الاغتيال السياسي للخصوم؛ فإن الأعمال الفظيعة المرتكبة لا يبدو أن لها بواعث سياسية صريحة وواضحة، بمقدار ما تبدو نوعا من العنف شبه الجماعي المصمم لترويع المجتمع بأسره لا خصوما سياسيين معينين.

وفي هذا النطاق؛ فإن داء الجريمة السياسية الذي يضرب بقسوة، طولا وعرضا ومن دون تمييز بين الضحايا، سيتكشف عن نوع من الوباء الاصطناعي الذي تم تجريبه داخل مختبر بشري هائل؛ بأكثر مما يتكشف عن كونه ظاهرة ملازمة للانفلات الأمني أو الصراع السياسي.

اليوم تقودني تحقيقاتي عن جذور العنف في العراق الجديد، والتي قمت بها علي امتداد الأشهر الماضية، وتضمنت إجراء مقابلات شخصية مع أعداد كبيرة من العراقيين، ممن طاولتهم مظاهر العنف وآثاره بشكل مباشر إلي تسجيل النتائج التالية: أولا: إن مظاهر العنف تتميز، إجمالا، بكونها من طبيعة واحدة؛ وأن هدفها المباشر هو المدنيون العزل والضعفاء (متسوقون من النساء والرجال المسنين والأطفال، مسافرون في محطات الحافلات الكبيرة مثل كراج النهضة وعلاوي الحلة، وهؤلاء في الغالب من أبناء الريف الذين يعودون مع نهاية كل أسبوع إلي أسرهم في المدن البعيدة عن العاصمة، أو من العاطلين عن العمل ومعظمهم من الشباب الخ…). هذه الفئات من السكان، قامت في الأصل، بتحييد نفسها داخل مساحة ضيقة من الصراع السياسي الدائر، وهي بفضل تشبثها بأدوارها في الحياة اليومية كجماعات تم إخراجها من حقل السياسة، وبفضل تقبلها لوضعيتها التقليدية داخل المجتمع، ليست ولم تكن في أي وقت، موضوعا من موضوعات العنف ولا طرفا مباشرا فيه. في هذا النطاق يمكن تطوير الاستنتاج الآنف ليتضمن فكرة وجود قطيعة، داخل التاريخ الجنائي في العراق بين هذا النوع من الخطر وبين مبرراته؛ إذ لم يشهد المدنيون في العراق علي امتداد تاريخه القديم والحديث، خطرا مباشرا علي حياتهم إلا في أثناء الكوارث الطبيعية (وذلك عندما يصبح المدنيون أثناء الفيضانات أو الزلازل أو تفشي الأوبئة طرفا في الصراع ضد عنف الطبيعة). ثانيا: إن هذه الفئات لا تتلقي، علي غرار الفئات المنخرطة في الصراع، أي تحذير أو إنذار بوجود تهديد لحياتها، أو بوجود خطر حقيقي بترصدها بسبب مواقفها، وعلي سبيل المثال؛ فإن معظم الأفراد والجماعات المشاركة في الصراع السياسي تتلقي، مباشرة أو بواسطة أطراف أخري، تحذيرات صريحة بوجود الخطر وتساعدها علي تجنبه. وهذا يعني أن سائر الفئات والمجموعات العرقية (الاثنية) أو الثقافية، قد أصبحت ومن دون إرادتها أو قرارها، طرفا في العنف وموضوعا من مواضيعه الاستراتيجية. إن هذا الوضع الفريد الذي تجد فئات ومجموعات سكانية نفسها فيه، مشابه تماما لحالة الجماعات التي تواجه خطر الوباء، مثلها مثل بقية الفئات من السكان. ثالثا: العنف بطبيعته، كائن ماكر يمتلك قابلية مذهلة علي التقنع. إنه يتواري خلف أشكال قد يستحيل أو يصعب تمييزها واكتشافها مهما كانت التدابير الاحترازية صارمة وقاطعة. إن هذا النوع من العنف لا مثيل له في التاريخ الجنائي المعروف في العراق؛ ولم يحدث في أي وقت، أن وجد العراقيون أنفسهم وفيما يشبه شعورا جماعيا طاغيا، بأنهم باتوا في مواجهة قدرية مكشوفة مع الشر، أي مع خطر العنف. والمثير أن الثقافة العراقية القديمة الراسبة والمستمرة في المجتمع (والمطورة مع الإسلام) تنظر، حتي اليوم، إلي هذا النوع من العنف، بوصفه كائنا شريرا نائما يمكن تجنب الاحتكاك به أو إثارته وتهييجه، كما يحرم علي الأفراد والجماعات الاقتراب منه وملامسته بوصفه فتنة راقدة يُلعن من يبادر إلي إيقاظها. هذه الثقافة القديمة القوية وبمنظوماتها التقليدية من القيم الصارمة، التي وضعها التشريع الإسلامي (والمسيحي وسائر الديانات العراقية الصغيرة الأخري بما فيها اليزيدية) لا يمكنها، تحت أي شرط، أن تسمح للأفراد أو الجماعات في المجتمع، بتفجير العنف، ولكنها تبدي في المقابل، نوعا من التساهل حيال أنماط أخري من العنف المحدود والمُسيطر عليه، من اجل ردع أفراد مارقين (داخل الأسرة أو القبيلة) قاموا، بفعل شدة الصراع وطبيعة مواضيعه، باختراق المنظومة الأخلاقية للمجتمع. لكل ذلك، يبدو العنف الراهن كائنا غريبا نما وترعرع في مجتمع لا يعرف هويته ولا جذوره ولا أصوله، وربما لا يعرف سبيلا للخلاص منه. رابعا: لقد تشظي العنف في العراق منذ نيسان (ابريل) 2003، بفعل بواعث وظروف سياسية متشابكة ومعقدة، رافقت وصاحبت الاحتلال الأمريكي وتلازمت معه. ولكنه؛ وفي نطاق التشظي المتتالي والمتتابع تمكن، بفضل قابليته الفريدة والاستثنائية علي التكيف (التقنع والتنكر) من التعمية علي أهدافه وخداع ضحاياه. وكانت واحدة من أكبر خدعه علي الإطلاق، أنه نسب أفعاله برمتها إلي جزء من المجتمع، وإلي الدرجة التي شاع فيها الاعتقاد الخاطئ القائل، أن ما يجري هو عنف طائفة ضد أخري، وعنف جماعة سكانية ضد أخري. وفي هذا السياق فقد تبلورت في أوساط واسعة من المجتمع العراقي الجديد، علي ما يمكن استخلاصه من الحوارات التي أجريتها، مع عدد من الضحايا المباشرين وغير المباشرين حول المسؤولية المفترضة عن الإرهاب؛ فكرة مفادها أنه عنف جماعة ثقافية (مذهبية) ضد أخري.

وبذلك تلاشت أو لنقل تراجعت إلي حد ما، البواعث السياسية النشطة والمباشرة للصراع، وحلت محلها بواعث مذهبية تستند إلي مزاعم واهية (عنف شيعي ضد أهل السنة، وعنف سني ضد الشيعة، وفي وقتٍ ما عنف مجهول ضد الكنائس والحلاقين والمدرسين وأساتذة الجامعات والضباط). بيد أن هذا النمط الشاذ والغريب من العنف، بما هو كائن ماكر لا ينتسب إلي مذهب أو دين بعينه، كما أن الدين لم يكن وليس في الأصل موضوعا من مواضيعه؛ يدور في نطاق الصراع حول مواضيع دينية اجتهادية أو تأويلية بين الجماعات المذهبية. وليس ثمة أي دليل علي وجود صراع مذهبي قائم علي سجال عنيف بين أتباع المذاهب؛ بل ليس ثمة أي نقاش من طبيعة فقهية، يمكن أن يفسر الصراع الشيعي- السني المزعوم. والحال هذه فقد تكشفت واحدة من أفظع خدع هذا العنف المتشظي مع تكثيف وسائل الإعلام الغربية والأمريكية وحتي العربية، علي تفسيره بوصفه عنف طوائف وأعراق وثقافات. أما الحقيقة فهي تقول، وبوضوح تام، أنه عنف غريب تم تصنيعه وتجريبه في المختبر الاجتماعي العراقي.

لقد نجح العنف، حتي الآن، في خداع ضحاياه، وذلك حين صور لهم الجريمة المرتكبة كما لو أنها جريمة دينية ترتكبها جماعات مذهبية متعصبة من السكان، وليست جريمة سياسية ترتكبها جماعات حزبية مهووسة (مليشيات، أحزاب، قوي ومنظمات مرتبطة بالاحتلال). في الواقع لا يعرف تاريخ العراق الديني والمذهبي، صراعا عنيفا ومدمرا من هذا الطراز بين أتباع المدارس الفقهية، يمكن أن يكون قد انتهي، في أي وقت، وبسبب ظروف وعوامل مختلفة، إلي ممارسة العنف شبه الجماعي، أو كان محوره انتماء أفراد و مجموعات سكانية إلي مدارس فقهية متصارعة. كما أن العنف المذهبي (ضد الشيعة، مثلا، كما يُزعم) في تاريخ العراق القديم والحديث، لم يكن عنفا دينيا مكشوفا موجها ضد جماعة مذهبية بعينها بسبب عقيدتها؛ بل كان تعبيرا مُستترا عن درجة من الاحتقان السياسي، انتهي إلي قيام الدولة بممارسة القسوة ضد خصومها السياسيين المتحدرين من أصول ومدارس مذهبية وفقهية مختلفة، ومن دون أن يكون لهذا الانتماء أي دور في تفجر عنف الدولة ولا حتي في نوع ممارستها له. وعلي العكس مما يشاع؛ ظلت الدولة الوطنية في العراق الحديث، تواصل تقاليد الخوف من أي اقتراب غير محسوب من المنطقة المذهبية أو الدينية، وكانت مترددة علي طول الخط، حيال أي محاولة لاستخدام العنف ضد أتباع المذاهب. في العراق الجديد، وحيث قدمت إلهة الشر صندوقها العجائبي، هدية للعراقيين، أصبح العنف المذهبي سمة طاغية ملازمة للحياة السياسية. تمت 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية