محمد بلوش إذا كانت القاعدة العامة للسينما حين يتعلق الأمر بتناول تيمات لها علاقة بنزاعات أو حروب هو تبني ايديولوجية معينة، ومحو الموضوعية او الحياد في رصد أحداث، غالبا ماتتعرض للتحريف كما هو شأن أفلام أمريكية كثيرة، حاولت تجاوز الحقائق، كما هو الشأن في كيفية تصوير مشاهد من الحرب على فيتنام، العراق، وكل ما له علاقة بمايسمى بمحور الشر، فإن أعمالا سينمائية كثيرة، بمافيها أفلام أمريكية، حاولت الخروج عن القاعدة التنميطية تلك، فقدمت رؤية فيها الكثير مما يستحق الاحترام، بعيدا عن الاستهلاك التجاري والأدلجة المبالغ فيها.
ضمن تلك الأفلام، نؤطر فيلم ‘ وحيدة ضد الجميع’ أو ‘ المبلغون’ ، للمخرجة الكندية الشابة لاريسا كوندراكشي، الذي هو انتاج كندي ايطالي ألماني مشترك، وعرف مشاركة رمزية فعالة لكل من نجمة السينما الايطالية ‘ مونيكا بيلوتشي’ ، والممثلة البريطانية التي عرفت بمعانقة قضايا الشعوب المضطهدة ‘ فانيسا ريدجريف’، التي يعرفها المتتبع العربي بشكل قوي عبر مواقفها الايجابية تجاه قضية الشعب الفلسطيني.
ينضح الجينيريك القبلي للفيلم بصورة ضبابية لموضوع مسكوت عنه، حيث ضبابية الصورة وضوضاء الاصوات تلعب دور الإعداد القبلي للمتلقي، وإثارة فضوله منذ مابعيد أجواء السرد الفيلمي عبر متتالياته الموسومة بنفس تشويقي، وبعملية ضبط زوم سيتم التركيز مشهد حفل فني صاخب، تتمايل بتأثيره أجساد شباب، مع تأطير عام للمكان ( أوكرانيا) وللزمان ( 1999). المشهد الصادم الأول الذي سيمهد لظاهرة اجتماعية سلبية، محكومة بتواطؤات متعددة، تتجاوز المحلي نحو العالمي، هو ذاك الحوار الذي دار بين شابة ووالدتها، بسبب تاخر الفتاة خارج البيت الى وقت متأخر من الليل، حيث ستصارح الام ابنتها بكونها اصبحت في سن البلوغ، وأن بوسعها العيش بمفردها خارج البيت، وفعل ماتشاء، وهو كلام فهمت منه الشابة طردها بطريقة مؤدبة خارج البيت، لتلقي نظرة حزينة وأخيرة على محتويات البيت الفقير، ثم تغادر المنزل بتأثر، وطبعا تلك مجرد بداية لوقائع صعبة ستنتظر الفتاة.
من اوكرانيا سينقلنا الحدث عبر مشهد موال صوب نيبراسكا الامريكية، لرسم أولى ملامح شخصية ‘كاتي’، الشرطية التي تتوصل في مقر عملها برسالة من شرطة جيورجيا، مضمونها رفض انتقالها الى ‘ دالتون’، وهي علامة أولى على شخصية محبطة، خصوصا وأنها انفصلت عن زوجها، بسبب كثرة شكواه من إهمالها له ولابنائهما، بفعل انشغالاتها المهنية، وهي كذلك تعيش ضائقة مالية. ضربة حظ، أو نقطة التحول الأولى بالنسبة لبطلة الفيلم ‘ كاتي’، تمثلت في العرض المادي المغري الذي قدم لها، إن قبلت المشاركة في مهمة أمنية بالبوسنة، إذ ستنضم الى بعثة أممية لمراقبين، مهمتهم الحرص على مراقبة تطبيق القوانين، ومحاربة الفوضى، والمساهمة في إعادة إعمار البوسنة. في البوسنة، ستفاجأ ‘ كاتي’ بظواهر تمييزية عنصرية، فالمرأة المسلمة لايحق لها أن تتقدم بشكوى للأمن ولو تعرضت لاعتداءات جسدية من قبل الزوج باستمرار، فكونها مسلمة يبدو كافيا لنزع صفة الآدمية عنها، الى درجة تغييب محاضر البوليس التي يفترض أن تدبج فيها شكايات مماثلة، والرجال الذين يفترض فيهم تمثيل الهيئة الأممية ضمت فاسدين، يبتزون عصابات استغلال الفتيات.
في دعارة ومجون، بشكل فيه احتقار مطلق، وسيزيفية عبر دوامة لاتنتهي، فبعد اختطافهن يقترح عليهن الحصول على مبلغ مالي مهم لافتداء انفسهن، لكنه وعد يتم التنصل منه بشكل مستمر، فالمرأة وفق المنطق هذا قد أعيدت الى مرحلة النخاسة.
تحصل ‘ كاتي’ على صور صادمة، وشهادات مجروحة، تؤكد تورط أمنيين في تشجيع استغلال جنسي أصبح بعد نهاية الحرب سرطانا بدأ ينتشر أكثر فأكثر، فتقرر فضح ما يمكن فضحه، ومحاربة التسوس الاخلاقي الذي ميز مجموعة من افراد البعثة الامنية، مسنودة بتشجيع ومساعدة السيدة ‘ مادلين’ (فانيسا ريدجريف)، التي تشتغل لفائدة احدى منظمات حقوق الإنسان، مما عرض تحركات البطلة لمراقبة ومحاولات عرقلة، بما في ذلك الطريقة التي اضطرت الى توظيفها لنقل ملفاتها حول القضية الى قناة (البي بي سي)، وإن كانت تعرف مسبقا ان الحصانة الديبلومسية التي يتمتع بها المخالفون للقانون، ستكون عائقا كبيرا أمام مطلب محاكمتهم.
المخرجة الكندية الشابة (لاريسا كوندراكشي) يبدو أنها اختارت الاشتغال على سيناريو اعتمد شهادات حقيقية لشخصات عاشت الاحداث تلك، وهنا يبدو ان فيلمها يقع مابين تخوم الروائي والتسجيلي، وتم التصوير باعتماد اكبر على مرتكزات الفيلم التلفزيوني اكثر، سيما على مستوى نوعية اللقطات وأحجامها، لكنه يبقى قويا على مستوى إثارته لموضوع مسكوت عنه، ملتزمة برسالة فنية قوامها مقاربة ظواهر يبدو أنها تتكرر في مناطق مختلفة من العالم، خاصة التي تحولت الى بؤر لصراعات وحروب، فبقدرما تتناسل الصراعات الدموية بقدرما تتنامى ظواهر سلبية كثيرة، كقضية الاستغلال الجنسي وانتهاك الحريات، التي عالجها فيلم ‘ وحيدة ضد الجميع.’