مثل خريف كبير من الخيبات، يصدمنا كل يوم رحيل الكبار عن هذا العالم، من مفكرين وشعراء وفنانين أحببناهم وألفنا وجودهم الكبير بيننا على امتداد الوطن العربي، تاركين لنا الحسرة عذراء، والحزن عنينا.
اليوم غادرنا الشاعر العربي الكبير سميح القاسم بعد مسيرة طويلة وحافلة بالشعر والنضال، عن عمر ناهز 75 عاما بعد صراع مع المرض. سميح القاسم، آخر الغنائيين الكبار، الصوت الجهوري للزلزال. حين نعجز عن التعبير عن ولعنا العميق بالأرض وعن تجذرنا فيها، يأتي سميح القاسم للتعبير عوضا عنا بصوتها. هكذا أحسست قصائده دائما: بسيطة وواضحة كأرض منبسطة وخصبة، كفاكهتها الناضجة، وكزلازلها.
سميح القاسم الشاعر الكبير الذي وصلت قصائده إلى طفولتنا باكرا في الجمعيات، مع ضوء الشمس، عبر صوت مرسيل خليفة، مخترقة كل حدود المنع والتدجين. كان مؤطرو جمعية «تربية الشبيبة المغربية» اليسارية التقدمية فرع «الرباط التقدم» يضعون مسجلة كبيرة فوق طاولة قرب الباب في ذكرى يوم الأرض لتصدح بأعلى صوت بأغاني الثورة والمقاومة، أغاني أحمد قعبور ومرسيل خليفة وأميمة الخليل، لتصدح عاليا بشعر سميح القاسم الخالد، السهل الممتنع، والشامخ:
منتصبَ القامةِ أمشي
مرفوع الهامة أمشي
في كفي قصفةُ زيتونٍ
وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي..
قلبي قمرٌ أحمر
قلبي بستان
فيه العوسج
فيه الريحان
شفتاي سماءٌ تمطر
ناراً حيناً
حباً أحيان..
في كفي قصفة زيتونٍ
وعلى كتفي نعشي
وأنا أمشي وأنا أمشي..
آخر مرة رأيته فيها مباشرة كانت في الرباط، قبل سبع سنوات، عبر أمسية شعرية أقيمت على شرفه، نظمها المركز الثقافي الفلسطيني بالتنسيق مع سفارة فلسطين بقاعة «باحنيني». وصلت متأخرا، كانت القاعة غاصة بالجمهور، وهناك جلبة ووشوشات في انتظار الشاعر الكبير. وجدت مقعدا بصعوبة، جلست وانتظرت مع المنتظرين، بكثير من الاحترام والرهبة.
بدا شامخا كنخلة وهو يدخل إلى القاعة مبتسما وأنيقا، محاطا بنخبة من المثقفين المغاربة والعرب والصحفيين، وسط تكتكات كاميرات التصوير، وتصفيق الجمهور الواقف وهتافاته باسمه وباسم المقاومة الفلسطينية. كانت لحظة كثيفة وصادقة ومهيبة ومشحونة عاطفيا يصعب أن تتكرر، استحضرت فيها «مواكب الشمس» «أغاني الدروب» « سقوط الأقنعة» « دخان البراكين» « ديوان الحماسة» ودواوين أخرى. أحسست فعلا بدخوله إلى القاعة شبيها بدخول العاصفة.
كنت مهزوما مؤمنا بسقوط كل شيء وبانهزام كل شيء. لكن، كان لسميح القاسم تلك القوة التي للشعر، وذلك السحر لحضوره البهي الواثق ولكلماته الصامدة، الذي يعيد الكسور إلى مكانها، مرمما الأمل داخلك، بحيث تصير في لحظة ملتحما بالجماهير، صارخا معها، مستعدا للحياة وللمقاومة وللوجود. بدا شامخا على المنبر، أنيقا كالعادة بالبذلة والمعطف وربطة العنق وهو يقرأ قصيدته «تقدموا»:
تقدموا
تقدموا
كل سماء فوقكم جهنم
وكل أرض تحتكم جهنم
تقدموا
يموت منا الطفل والشيخ
ولا يستسلم
وتسقط الأم على أبنائها القتلى
ولا تستسلم
تقدموا
تقدموا
رافعا يده اليمنى عاليا، وهو يقرأ بصوته الجهوري المزلزل، واثقا من النصر، بقوة الروح والحق والعدالة، ضد جبروت الاستعمار والظلم وتكالب العالم.
كان عليّ أن أسمع بعمق متشربا روح كلماته، أن أرى بعينين مفتوحتين جيدا، وأن أعرف أني في حضرة آخر الغنائيين الكبار، في حضرة شاعر لم يكتب قصائده لتقرأ في الصالونات الأدبية النخبوية للتسلية، بل لترددها الجماهير الجائعة والغاضبة على طول الوطن العربي، قصائد كخبز مخيمات اللاجئين، وكقنابل يدوية مضادة لدبابات الغزاة، قصائد مضادة للمغول.
كان عليّ أن أعرف أني كنت في حضرة شاعر من زمن ولّى، غيابه سيكون صاعقا وحزينا بمثابة شمس كبيرة تأفل في زمن مظلم.
شاعر مغربي
محمد بنميلود