وداعا يا أميرة ….أم وداعا يا حرية !!!

حجم الخط
2

في معرض مطالعتي للرواية التي صدرت مؤخراً عن دار النشر الإسبانية ‘فوكا’ ‘وداعا يا أميرة’ وتتحدث عن علاقة عائلة روكاسولانو اورتيث، التي تنحدر منها الأميرة ليتيثيا زوجة الأمير فيليب ولي عهد إسبانيا، بآل بوربون العائلة المالكة الإسبانية. تبدأ الحكاية عندما ترتبط فتاة جميلة، متعلمة، طموح ومطلقة تنحدر من أسرة بسيطة ومتواضعة من الطبقة العاملةـ تتمتع بكل ميزات الحياة الحرة الكريمة في بلد ديمقراطي اوربي كاسبانيا- بعلاقة عاطفية مع شاب وسيم، متعلم وحفيد لملوك إسبانيا آل بوربون وآل غريسيا ملوك اليونان المخلوعين.
ويكتب القدر وبالرغم من كل الآراء المضادة لهذا الارتباط النهاية السعيدة التي تنتهي بزواج أسطوري كقصص الخيال، زواج يبدو كحلم جميل تعيشه عائلة ليتيثيا بكل ما حمله من (غلامور)، أضواء وأمل بحياة واعدة، حلم لا يكاد يبدأ حتى يتحول إلى كابوس مزعج، عندما تبدأ وسائل الاعلام بملاحقتهم ووضعهم تحت المجهر، والقصر الملكي بالتدخل بأدق تفاصيل حياتهم، حتى لا يؤثروا سلبيا على مؤسسة العرش التي تخوض صراع البقاء، في بلد لديه كثير من علامات الاستفهام على الملكية الدستورية.
وبينما يخوض آل بوربون صراع الحفاظ على العرش الملكي، تعيش أسرة اورتيث روكاسولانو، صراعا من نوع آخر ألا وهو الحفاظ على الحرية. ويبدأ أفراد الأخيرة بالتعرض لسيناريوهات- لست بصدد التطرق لها- تكاد تنطبق على كثير مما نعيشه ونواجهه مع انفسنا أحيانا ومع الآخرين أحيانا أخرى ……….، سيناريوهات تعكس ازدواجية المعايير، والنفاق الاجتماعي الذي نمقته ونشتكي منه ثم لا نلبث ان نجد انفسنا أمام خيارين، او نتبناه ونتشدق بتلوينه حسب أهواء مواقفنا وحواراتنا، أو نتعايش معه متسلحين بالصمت والقهر أمام استحالة التصدي له.
غافلين او متغافلين يتحول صمتنا هذا إلى إحدى الدعائم الأساسية، التي يرتكز عليها مجتمع مراء وظالم، نسلم رايته الملطخة بدماء كرامتنا من جيل الى جيل. وعودة الى الاحداث المعاصرة التي يتحدث عنها الكاتب (دافيد روكاسولانو) والتي تصل الى حدود مأساوية عندما تقدم الاخت الصغري (اريكا) على الانتحار، لظروف كثيرة تعكس استحالة حياة الأحرار مع القيود ولو كانت من ذهب. شعرت بحزن عميق ينتابني ليس على )اريكا)- بالرغم من تعاطفي معها- وانما على البوعزيزي ! الذي حمله اليأس للنتيجة ذاتها – بالرغم من الاختلاف الكبير بين ظروف الضحيتين- ليغدو رمزا للحرية بنسختها العربية والتي تتحول من يومها الى مطلب شعبي . واتساءل وبكل صدق ،هل كنا اوفياء لدمه وشبابه المهدو؟ لا أعلم لماذا وضعتني الأحداث الدرامية للحكاية أمام الصراع المرير ذاته – وان اختلف المضمون لشعوب سلبتها ألأنظمة الديكتاتورية أبسط حقوقها في عيش كريم – فعدت بخيالي الى ذلك اليوم الذي يضع به البوعزيزي حدا لحياته عندما يعجز عن تحمل الذل والاهانة فيضرم النار بجسده الفاني وتصعد روحه الابية حرة لبارئها، مطلقة بطريقها نحو السماء، شرارة مرحلة جديدة، يسميها الاعلام ‘الربيع العربي’ وان تحول به عبير الزهور الى روائح الدماء والجثث ، وتغريد الطيور الى صوت الرصاص وهدير الدبابات.
هبت رياح التغيير المحملة برماد البوعزيزي، كمعجزة تبشر بأمطار الخير على ارض جدباء …فاستقبلتها غير مصدقة حينا ومستبشرة بقرب الفرج أحيانا أخرى.
ثم ما لبثت هذه الرياح ولاسباب كثيرة ان تحولت الى إعصار يهدد باقتلاع جذور الكرامة والعروبة المتبقية، حاملا في جوفه بركانا يكاد يحرق الأخضر واليابس من أوطاننا.
الحلم الجميل ينقلب الى كابوس طويل، بتنا نتمنى ان نستفيق منه، ولو على الواقع الديكتاتوري التعسفي الذي تعودنا الحياة على إيقاعه، متسلحين بالمثل الشعبي المقيت ‘ترتح بها المنحوس لا ييجيك انحس منه’.
قراصنتنا الجدد قادمون بحلة مختلفة، والمروع أنهم كلما اقتربو أكثر طالعتنا وجوه أسلافهم.
ها هم يعودون بأسباب اخرى للقمع وكبت الحريات،اولها حرية العقل والتعبير وآخرها حدث ولا حرج. ولله در من قال ‘تعددت الأسباب والموت واحد’ وأنا أقول ‘اختلفت الأساليب والقهر واحد’.
وهنا اسمح لنفسي باقتباس احدى الجمل التي استخدمها كاتب الرواية المذكورة سابقاً:
‘ دائماً سمعتم حكايتنا من الاعلى الى الأسفل وأنا سأرويها هذه المرة من الأسفل الى الاعلى’، وان كانت هذه الجملة لا تخلو من تهكم واضح، دعوني أطبقها على ربيعنا المزعوم، ولنبدأ بقراءة ونقد بناءً من اسفل الهرم الى أعلاه.
من القاعدة التي شكلت وستشكل أساس كل مجتمع حضاري ومنفتح على التطور، ألا وهي الإنسان …….،الا وهي نحن الشعوب، قبل الحكام (مثلما تكونوا يولى عليكم).
لنبدأ بالثورة على انفسنا (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) …. لنثور أولا على نزعاتنا الدكتاتورية، التملقية، الفوقية، والظالمة التي نحتسيها كل يوم كبن لقهوتنا ونرتديها كثيابنا.
لنبدأ بالثورة على الجهل المتأصل فينا……..،على ظلمنا وانتهاكنا لحقوق الجار، الخادمة والبواب، متناسين أننا بذلك نحاكي حاكما جائرا نطالب بخلعه.
نشتم ولأتفه الأسباب الزوجة والأبناء، ثم نأكل حق عامل مقهور يسعى وراء لقمته …، نتشاجر مع زميل أو صديق قاذفينه بأقدح الألفاظ لانه أبدى رأيا مخالفا لنا بأي موضوع كان، كثورة الديمقراطية مثلا !!!! .. تكاد لا تسلم من أذانا وتحرشنا عابرة طريق.
وهكذا نمضي أيام الأسبوع ندوس كل الاديان السماوية والقيم الانسانية، التي وضعت العدل ورفع الظلم عن المستضعفين شريعة ونبراسا لها…..، التي فضلت حسن الخلق على الطقوس ورفعت العمل الى أعلى درجات العبادة …….، والتي كرمت العلم والمعرفة نواة كل مجتمع قوي نير…….
فإذا كان يوم الجمعة توجهنا وبكل ثقة، رافعين راية لكلمة عظيمة حملت الأحرار والأبطال علي تقديم حياتهم ثمنا لها، فباركتهم أمهم الأرض وانبتت شقائق النعمان ……….، كلمة لم نفهم معانيها………واطرح السؤال مرة أخرى: هل كنا أوفياء لبوعزيزي والحلم الذي قضى لأجله؟؟؟
سيدتي لا أرانا الله يوما نقول لك به ………..وداعا يا حرية…….وداعا يا أميرة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية