وداع الصفصافة الأرملة!

حجم الخط
0

وداع الصفصافة الأرملة!

خيري منصوروداع الصفصافة الأرملة!قد تصلح المناسبة التي تعرفتُ فيها الي شعر الماغوط لأول مرة أمثولة في تاريخ التخارج الحاسم بين النقد الاتباعي والابداع، فقد كنت طالبا في الجامعة عندما صدر كتاب نازك الملائكة قضايا الشعر المعاصر .وكانت الشاعرة الملائكة رائدة من طراز خاص، أي من طراز محافظ، لم يشأ أن يفقد الارض المشتركة مع سابقيه لهذا أوردت في كتابها نموذجا من شعر الماغوط كي تحذف منه صفة الشعر، وتسميه نثرا فنيا جميلا.وشاءت المصادفة أن اقرأ ذلك النموذج الآسر من ديوان الماغوط حزن في ضوء القمر ، ثم أطوي كتاب نازك الملائكة وأهرع الي المكتبات للبحث عن الديوان، وهكذا كان النقد دليلا مضادا ومعكوسا للشعر، بخلاف الفكرة التي كانت سائدة يومئذ والتي نسبت الي ستانلي هايمن، وهي ان الناقد دليل القاريء الي النص الابداعي، بل هو القنطرة بينهما!وكمعظم أبناء جيلي، تعلقت بالماغوط وأرصفته وكائناته الطريدة ومقاهيه ونسائه البريات ولم يكن غياب الوزن بمعناه الكلاسيكي قد خطر ببالي ليس لأن هناك ايقاعا سريا مبثوثا في نسيج القصيدة، بل لأن الشعر عاد من خلال الماغوط الي بكارته، لكن هذا الميداس الذي كان يلامس تراب أرصفة دمشق وبيروت وعلب الكبريت فيحولها الي شعر لا الي ذهب، وجد نفسه بعد نصف قرن من اللثغة الأولي بقصيدة أحدثت هزة في خميس مجلة شعر وقد أصبح زاهدا حتي في الحياة.والماغوط لم يشأ كسواه ان يبحث عن أب شرعي لقصيدته، لأنها لم تكن لقيطة علي الاطلاق، ولم يقدم لأعماله بمانفستو من طراز مانفستو أنسي الحاج الذي استهل به أحد دواوينه ملخصا الي حد كبير اطروحات سوزان برنار، حول جماليات قصيدة النثر.واكتفي الماغوط بعبارة سهلة ممتنعة كشعره ذات حوار، عندما قال لمحاوره بأنه كان غريقا في أحد احياء دمشق العريقة، فوجد جذعا طافيا علي الماء وتعلق به لكي ينجو ولم يكن لديه من فائض الرخاء ما يدفعه للتساؤل عن اصل ذلك الجذع، والعائلة التي ينتسب اليها في الغابة.وبقي الماغوط هكذا، بعيدا عن التأنق النظري وحذلقات السجال حول سلالات الشعر.وكان رائدا بل جذرا بامتياز، لقد كتب عنه النقاد الكثير ولم يكن كله مدائح او تعبيرا عن ولاء نقدي، وما أزال أذكر ما كتبته الناقدة خالدة سعيد عنه، عندما لامست عصبا عاريا في شعره، ووجدت انه يستخدم أدوات التشبيه بوظائفها البدائية فيخسر احيانا ذلك التزاوج الفذ بين الاضواء، لأن أدوات التشبيه جسور قد تباعد بين المشبه والمشبه به، لكن ميداس الشعر هذا حول النقيصة البلاغية الي امتياز، وظل يذرف قصائده وأحيانا يرشحها كالعرق، مما أبعده عن مدار التنظير وجعله حاضنة مبكرة ودافئة لقصيدة النثر العربية!هناك من تجرأ علي القول بأنه خان وطنه لكنه وحده الذي لم يخن، والماغوط منذ بواكيره كان هجاء مفرطا لواقع استنقع حتي طفت عليه الديدان.وقبل ان ينشر كتابه المبشر بالخيانة النبيلة الشعرية، كان قد كتب نصوصا تفتضح واقعا لدغ أمثاله حتي سمم النخاع، لكن من قال ان مرفقه سال علي أذرع المقاعد الخشبية في دمشق وسئم من مخاط بقرة أبيه وعقاله الذي يتأرجح كالخرزة علي عنق ثور، هاجر وهو في مكانه،وكانت هجرته الاولي عادة سرية بقدر ما هي شعرية، لأنه تمدد علي الخرائط المفروشة علي ارض غرفته وسالت دموعه من قارة الي قارة، وحلم مثل كل المقهورين بغرب أبهي لأن وعود السفر غزيرة بدءا من إناث طليقات حتي مكتبات، بلا قيود وسرعان ما عاد المهاجر لأن عواصم أوروبا تئن شوارعها تحت رؤوس المظلات والمرأة التي حلم بها ضاجعها رجال بعدد النجوم!لهذا قرر ان يبقي حارسا امنيا وساهرا علي بوابة الحزن الشرقي!هذا بالرغم من ان الماغوط لم يقل ان زيتونة شرقية أو أن صفصافته التي تتمايل قرب الكنيسة لها حفيف بالعربية الفصحي.فالحزن نص كوني وبكل اللغات ولهذا لا يترجم، تماما كالبكاء والضحك والقبلة، فهذه الأقانيم الثلاثة تشترط الصمت ما من شاعر عربي حديث سخر من التراث كما فعل، لكن بغضب الحفيد الحالم لا العاق، فليس هو الذي قايض صقر قريش بحافلة طحين، وليس هو من اقعد الدحام وغيره علي زجاجات لها فوهات مدببة!وكان من حقه ان يغضب، لأن الحزن اذا طبخ علي نار القلب البطيئة يتحول الي ثورة ولم يكن الماغوط ليعتذر عن شيء لأن الواقع كان يقدم له يوميا براهين ساطعة عن صدق نبوءاته ورؤاه.قالت زوجته الشاعرة الراحلة سنية صالح في مقدمة أعماله الكاملة، أو التي اكتملت الآن، بأنه كان يضع القهوة علي نار الكتب وان المقعد الوحيد في غرفته الاشبه بشرق اوسط مفعم بالكآبة وأكاسيد الكبت لم يكن يصلح للجلوس بل كان حتي المقعد متعبا، وحين رحلت سنية صالح بعد عمر شعري قصير وهاديء وملتاع رثاها الماغوط بما لم يكن معروفا من الرثاء من قبل، وكان رثاؤه مثل حزنه محررا من القوافي ومن وقع الحوافر علي الحوافر، وقد لا يقارب ذلك الرثاء المحرر من ثوابت الحرفة الا ما كتبه شاعر آخر رحل في دمشق قبل فترة قليلة هو العراقي يوسف الصايغ وبالتحديد في ديوانه سيدة التفاحات الأربع !وقد يري بعض مؤرخي الظاهرة الماغوطية ان تحول الشاعر الي المسرح وعلي ذلك النحو الذي تتعانق فيه التراجيديا مع الكوميديا كان تحولا متوقعا، وان كان هناك من ناقديه من رأي ان العصفور الاحدب مثلا قصيدة نثرية طويلة ومركبة ومتعددة الاصوات،لأن الماغوط بنبرته السوداء وحزنه ذي التجاعيد بقي مبثوثا في كل الشخوص!لقد عاش مثلنا في غرفة لها ملايين الجدران لكنها بلا نوافذ ومثلنا جميعا كان بحاجة الي مليون طائر سنونو كي يصدق بأن الخريف قد ولي، لهذا لم تهدأ ثورته ولم يتصالح الا لماما، ليتضح بعد ذلك انه يعيد شحذ أداته بعد أن أوشك الاستعمال العنيف علي تثليمها!وقد يبدو الماغوط كما لو انه عاش اطول مما اشتهي، لأن عمره الشعري اقصر من عمره الزمني، لكن تلك المفارقة ليست حكرا علي محمد الماغوط فما من مبدع يتطابق عمراه، الابداعي والزمني، وكأن القطفة الأولي تأتي علي معظم الرحيق.عندما كتب الماغوط قصائده النثرية الاولي لم تكن الأرض ممهدة، أو معبدة حتي بالحصي لهذا كتب في مناخات ارهابية وبين كمائن كان الاتباعيون يرصدون من خلالها من يسمونهم الموارق، والخارجين عن نطاق الجاذبية المقدسة، وتلقي هو وبعض مجايليه الطعنات الأولي بصدورهم، وهكذا اصبح الطريق الذي كان وعرا وملغوما معبدا بعد أربعة عقود أو أكثر!كانت قصيدة النثر بمقياس اولي القهر الثقافي وحراس القلاع العميان اختراقا وغزوا وانتهاكا، وكان هؤلاء الحراس يوهمون الناس بأن الخليل بن أحمد ولد قبل امريء القيس وأن العصافير تخرجت من معاهد الموسيقي وتحمل تحت أجنحتها الصغيرة نوتات!الماغوط تخرج من معهد الحزن، ومن اكاديمية العصيان علي فقه التنابلة، ووعاظ السلاطين.لهذا اخترق آفاقا كانت محرمة ووصل الي قارئه بلا وسائط من أي نوع، لأنه تنفس الشعر وزفره، ورشحه وذرفه!وقد لا تكون هذه المناسبة كافية لاستقراء الماغوط عمقيا بعد ان قتلت شعره القراءة الأفقية لكن الموت ليس بأي حال تبرئة خصوصا اذا كان الميت قد قال وهو يرثي بدر السياب، ان الجنة للعدائين وراكبي الدراجات، اما هما فيمشيان علي مهل وعلي سراط شاءت له البربرية الحديثة ان يكون بين جحيمين، وقد تنحاز اية كتابة عن الماغوط لحظة وداعه الي ما كان يطفح به نصه من صدق وانفعال، وهذا امر مألوف في كل نقد ينبض بحساسية ولا يهدف الي عض النصوص لأنها قريبة من الفم.عندما شاهدناه علي مقعد لا يليق بجناحيه وهو يتسلم جائزة سلطان العويس تذكرنا أمرين معا، الأول ما قال عن السياب وجنّته النائية، والثاني ما حدث للفنان كارافاجو الذي عاد بكيس الذهب ومات علي العتبة.لقد انصفت جائزة العويس الماغوط وكان الجحود يحيط به من الجهات الست،لكنه لم ينعم طويلا بهذا الاستحقاق وما ان اوشك ان يستريح حتي سقط اخر عصفور عن شجرته!نودع الماغوط بما استعرناه من قصائده من المناديل وننتظر بفارغ الشعر قيامته في احفاد اقل عقوقا ونقد اقل ارتهانا!!!0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية