‘ورثة’ التاريخ!

حجم الخط
0

بسام الكعبي

ليس هناك أسهل من خيانة الذاكرة وهي تودع نصف قرن من عمرها. لم أعدُ أذكرُ بالضبط تاريخ عرض الفيلم الوثائقي وعبر أية فضائية عربية، لكن قسوة المشهد غرزت في تفاصيل الذاكرة: مجموعة شبان وشابات من كوريا الشمالية، ينحنون احتراما لتمثال ضخم لرئيس البلاد الخالد كيم ايل سونغ. اقتربت الكاميرا كثيرا من انحناءة الرؤوس، وللأسف بدت جباههم كأنها تحط بذل فوق حذاء الزعيم الخالد! هل هذه الاشتراكية التي سحق بعضنا عمره يركض خلفها، لعله ينجح بانتزاعها عنوة من فك السلطة الطبقية المستبدة؟ ماذا تختلف بطبعتها الكورية الشمالية، عن الإمبراطوريات الفاسدة المولعة بتوريث الحكم للذكور، من السلف ‘الصالح’ إلى الخلف ‘الفالح’ وطوال العمر، وعلى امتداد حكم القبيلة الإمبراطورية، وإن كانت تحت مسمى حزب اشتراكي يمثل الطبقة العاملة!. غاب كيم ايل سونغ، الزعيم الخالد لكوريا الشمالية! عام 1994، وتسلم على الفور السلطة وقيادة حزب العمال ومؤسسات الدولة، نجله كيم جون ايل، ليحكم بالريموت عن بُعد، مستعيدا مجد الإمبراطور الصيني القديم الذي بلغ درجة من مستوى عبادة بوذا. لم يسمع الشعب صوت كيم جون، إلا نادرا جدا على مدار سنوات حكمه المطلق التي تواصلت طوال 17 سنة. رحل القائد قبل نهاية العام الجاري بأسبوعين، وكشف رحيله بلاغ صحفي حزين يقطر بكاء على الشاشة الرسمية المتشحة بالسواد! ودخلت البلاد الفقيرة الاشتراكية بحداد على مدار 13 يوما حتى يحين موعد التشييع الرسمي في الثامن والعشرين من ديسمبر الجاري، فيتسلم السلطة رسميا نجله كيم جونغ اون، أوسط أبنائه السبعة عشر من عدة نساء، حتى يحين موعد رحيله بعد أن يجهز السلطة لأحد أبنائه المنتظرين، لتظل سلطة الوراثة في العائلة الحاكمة تمارس صلاحيات سلطاتها المطلقة تحت شرعية مواجهة الامبريالية والغرب الكولونيالي وتثبيت دعائم الاشتراكية العالمية!. لا خلاف حول مواجهة وحش الشركات الغربية الفاجرة عابرة القارات، ومواجهة عدوانها على شعوب العالم من أجل تحويل أسواقها رهينة للمنتوجات الاحتكارية، لكن الاعتراض على أسلوب الحكم القمعي الذي يمتلك براعة توظيف السلطة لعائلة تحت مسميات متعددة، مثلما نجح كاسترو في كوبا بتوريث السلطة لشقيقه راؤول، وتوريث الحزب الشيوعي السوري لوصال بكداش زوجة الأمين العام الراحل خالد بكداش، ثم قيام الراحل حافظ أسد بتوريث سلطة ‘الممانعة’ في دمشق إلى نجله بشار، فيما قطعت ثورات الشبان العرب الطريق على الرئيس المصري مبارك، والتونسي زين العابدين، واليمني علي صالح، والليبي معمر القذافي بتوريث السلطة لأبنائهم، بينما نجح الأمراء في العديد من الدول العربية، كما دول في العالم، بتسلم السلطة من آبائهم سواء عنوة أم بالاتفاق.. هل قدر الإنسان الكادح سواء في بعض دول العالم أو العالم العربي، إعادة إنتاج السيد الحاكم المترفع على شعبه، ليظل يقبض على عنق البلاد والعباد وإن اختلفت مسمياتها في المواجهة والممانعة والديمقراطية والشورى وغيرها من التسميات التي يختفي تحت جلدها دم الابرياء. في شارع حيوي بالحي القديم في العاصمة السويدية ستوكهولم، لمَعَت في منتصف الشارع قطعة نحاسية بسيطة جدا فوقها وردة ذابلة؛ أطلتُ النظر برفقة زملائي وزميلاتي منذ سنوات على أحرفها البسيطة: أولف بالمه 28 شباط 1986. علمنا من مرافقتنا السويدية أنه مكان وتاريخ اغتيال رئيس وزراء السويد أولف بالمه، عندما كان يغادر مساء دار السينما برفقة زوجته. بعد نهاية وظيفته الرسمية يسلم سيارة الحكومة ويتخلى عن المرافقين ومواكب السلطة وصافرات رجال الشرطة، ويعود ليمارس حياته العادية كأي مواطن سويدي، قبل أن يتلقى رصاص متشرد إيراني في الحي العريق والقديم كاشفا سر تواضع الحكم الاسكندنافي.. هل هناك فرق بين السلطة وتنوع مستويات حكمها وجنون بعضها في استباحة كل شيء من أجل إشباع غرائزها.. لننتظر الليلة الأخيرة في العام المنتهي لعل ميشيل حايك وكارمن وحسن الشارني يخطفون من ‘بحر’ علوم الفلك الغيبي، ويبشرون بسقوط مزيد من ‘نجوم’ الحكم عن عروش الوراثة خلال العام الجديد! كل عام وأنتم بخير لتشهدوا سقوط مزيد من طغاة العالم وأعداء البشرية واحتكاراتهم الرأسمالية وانتصار حركات الديمقراطية والتحرر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية