وزارة حسان الأردنية الجديدة: «بنادول بيروقراطي» وتصدير موظفين وتصويب لأخطاء حكومات سابقة

بسام البدارين
حجم الخط
0

عمان-«القدس العربي»: واضح أن ما ينشغل به الطاقم الاقتصادي في الحكومة الأردنية مرحليا هو “إغلاق ثغرات” وتصويب “أخطاء” ارتكبتها بالجملة في المسار الإداري والتحفيزي حكومات سابقة لكن وزارة الرئيس جعفر حسان لا تقول ولا تريد قول ذلك وتميل للعمل بصمت.
سلسلة متسارعة من الإجراءات التحفيزية والقرارات الإدارية اتخذها الفريق الاقتصادي الأردني قبل حتى حصول الحكومة على ثقة البرلمان على أمل إصلاح ما يمكنه إصلاحه مرحليا وبالرغم من أن الجهد هنا ملموس إلا أن الانطباع يؤشر مجددا على وصفات إدارية أقرب إلى صيغة “بنادول سياسي” بمعنى إجراءات تسكين، ولكن ليس معالجة مباشرة للمرض الأساسي.
قبل انغماسها بمناقشات الثقة البرلمانية وقبل التقدم الإثنين المقبل بمشروع الموازنة المالية لجأت الحكومة لرزمة من الإجراءات التخديرية وناضلت لتبرير قرار “متأخر” اتخذته الحكومة السابقة بفرض المزيد من الضرائب والرسوم على سلع محددة بصيغة أثارت ضجيجا مثل السيارات الكهربائية ومستلزمات التبغ الإلكترونية.
لتخفيف الضجيج قررت الحكومة تمكين تجار السيارات الكهربائية من التخليص جمركيا بالرسوم القديمة ولمدة شهر واحد قبل نهاية العام على البضاعة الموجودة في الجمارك أو التي تم تعاقد عليها. يفترض بالإجراء أن يخفف معاناة قطاع تجارة السيارات لكنه لا ينقذ التجار عمليا.
قبل ذلك خففت القرارات رسوم تسجيل ونقل الملكيات بالعقارات والهدف تحريك العجلة في قطاع الشقق وسوق العقارات “النائم” والمصاب بالركود وهو إجراء أعاد للخزينة بدلا من الجمود بعض الأموال جراء التسجيل والتوثيق ونقل الملكية، لكن التحريك بالقطاع بقي جزئيا والخبراء يتحدثون عن “انكماش” سوق الشقق السكنية.
في الأثناء اعفاءات من غرامات هنا وهناك وحث المواطنين على إنجاز معاملاتهم المالية العالقة في مجال ترخيص السيارات غير المرخصة أيضا مقابل خصومات وتسهيلات.
وعلى طاولة النقاش تعديلات مثيرة في المسار الإداري فالحكومة وجهت بتعديل النظام الخاص بالموارد البشرية بحيث يسمح النظام ولأول مرة للموظف العام بالحصول على “إجازة بدون راتب” لمدة 5 سنوات إذا كان سيعمل خارج البلد ولمدة عامين حسب ظروف محددة.
لافت جدا بالإجراء الأخير أن الحكومة بدأت تشجع موظفي القطاع العام على البحث عن “وظيفة أخرى” خارج الجهاز الحكومي عبر تسهيل إجراءات الحصول على “إجازة طويلة بدون راتب” حتى لو تضمن الأمر تصدير كفاءات للخارج، حيث يقول الخبراء بأن الجهاز الحكومي حاليا لا توجد فيه “كفاءات نادرة” لا يمكن الاستغناء عنها لأن الكفاءة تغادر باتجاه الخارج أو القطاع الخاص بكل حال.
في الأثناء تتفحص لجنة وزارية معنية بمتابعة نظام الموارد البشرية وتحسين خدمات القطاع العام إجراءات أخرى غير مسبوقة لكن لم يتخذ بها قرار بعد، وأهمها تقديم عروض مغرية لشرائح متعددة على فئات الموظفين بالقطاع العام فكرتها “الاستقالة أو الانسحاب من الوظيفة” مقابل “نصف راتب”.
الإجراء الأخير لا يتعلق بموظفين أساسيين لكن من يقترحونه من المختصين يقدرون بأنه سيضرب عدة عصافير بحجر واحد حيث سيخفف من “الحمولة الزائدة” بالموظفين للفئات الدنيا وبالنتيجة سيوفر عدة ملايين على الخزينة حتى بعد نصف الراتب لأن غالبية هؤلاء لا يعملون أصلا.
طبعا هنا حصرا يمكن اصطياد المفارقة المرتبطة بمنهجية “تصويب أخطاء حكومات الماضي” التي توسعت خصوصا بعد أحداث الربيع العربي عام 2011 بالتعيينات الصغيرة لأغراض “احتواء الشارع” حيث يوجد آلاف الموظفين الآن بدون عمل حقيقي وحتى بدون مقرات لهم خصوصا في المجالس البلدية. وحيث لجأ وزراء في الماضي لملاعبة أعضاء مجلس النواب بالمزيد من التعيينات على تلك الفئات حتى تضخم الكادر الحكومي. عمليا لا تشرح حكومة حسان خلفية إجراءاتها ولا سياستها الإدارية في التعاطي مع تحولات حساسة معيشيا واقتصاديا تطلبت إعلانا برفع الحد الأدنى للأجور، بالمقابل لا تقدم الحكومة كشفا صريحا بتلك الأخطاء التي تحاول معالجتها.
لكن ما يفهم سياسيا وإعلاميا أن حزمة الإجراءات الحكومية تحاول رفع منسوب دخل الحكومة والمالية العامة وبذات الوقت تخفيض الإنفاق الحكومي الذي تراقبه المؤسسات المانحة دوليا بدون التأثير على الحدود المعقولة في عدد الموظفين أو المساس بالرواتب والأهم بدون رفع أسعار الخدمات الأساسية مثل الغاز والمحروقات والكهرباء والمياه والأهم الخبز.
عمليا لم يعرف بعد ما إذا كانت تلك السياسة الإدارية التي تركز على حل الممكن من مشكلات قطاعات الإنتاج الاقتصادي منتجة على المدى الطويل أم أنها تعتبر بمثابة حلول مؤقته وسريعة لأصغر المشكلات فقط.
تزداد أهمية السؤال والحكومة برسم التعاطي مع مجلس نواب جديد اعتاد ممارسة أقصى طاقات الابتزاز بالخدمات والوظائف للحكومات حيث تم إعداد ميزانية مالية متقشفة بصورة عامة خصوصا في الإنفاق على مشاريع رأسمالية في الأطراف والمحافظات، الأمر الذي يغضب العديد من النواب.
ثمة “أزمة مالية” لا أحد ينكرها تتعامل معها بحذر شديد الوزارة الجديدة ويقابلها صعوبة توفير ملاذات مالية واقتصادية ناتجة عن الدور السياسي وما تريده المؤسسات العميقة أيضا بالتوازي “حماية القرار السياسي” الوطني من تداعيات المال السياسي التابع لدول صديقة أو شقيقة. المشهد صعب ومعقد.
ووزارة حسان لا تستسلم، بل تناضل وتناور وتحاول في الملف الاقتصادي لدرجة انها تتجاهل تماما الملف السياسي.
ما يتبقى هو الإجابة بعد أسابيع على السؤال التالي: هل تخدم القرارات والإجراءات الاحترازية الإطار العام المحدد فعلا أم تشبه حقا “البنادول” في تسكين الألم من دون معالجة المرض؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية