إيمانويل ماكرون تعيس الحظ، تتبعه «البلاوى» أينما حل وارتحل. ما أن تخمد نار بلية حتى تندلع أخرى أكثر ضراوة، لدرجة أن أحد المواطنين الفرنسيين قذف في وجهه مباشرة ـ والكاميرات تصوّر ـ عبارة «أنت أسوأ رئيس شهدته فرنسا»، فما كان منه سوى أن أجابه مندهشا: «شكرا»!
الكثيرون فسّروا الموقف حريةً وديمقراطيةً وتجسيدًا للاختلاف، وهم مُحقّون في ذلك؛ لأنه لو حدث موقف مُشابه في بلد عربي، لالتفّ الحرس حول المواطن المحتج في وجه «القائد العظيم» قبل أن يرتدّ إليه طرفه، ولرموه بين مخالب سيارة الأمن التي ستقوده نحو دهاليز مظلمة.
ماكرون أسرّها في نفسه، وهو يعلم أن الكثير من الفرنسيين يلعنونه هذه الأيام سرا وعلانية، بعدما انتشر «البقّ» في البيوت والمواصلات العامة، فصارت بلاد الأنوار أضحوكة أمام العالم عامة والبلدان المغاربية خاصة، لدرجة أن مدوّنًا مغربيا كتب أنه، حتى لو أعلنت باريس عن منح تأشيرات بالمجان فلن نشدّ الرحّال إليها، ومن يدري فقد نكون لقمة سائغة للبق!
ماكرون تلقّى صفعتين اثنتين من شريكه التقليدي المغرب؛ ما جعل الكبرياء الفرنسي المزعوم ينزل إلى الحضيض، الأولى حين رفضت السلطات المغربية المساعدات التي عرضتها باريس للتخفيف من تداعيات زلزال الحوز، والثانية حين أعلنت السلطات نفسها عن تشديد المراقبة الصحية في البوابات الحدودية للمملكة لمواجهة تسرّب حشرة بقّ الفراش إلى الأراضي المغربية.
وزارة الصحة كانت «لطيفة» قليلاً مع فرنسا، إذ تفادت ذِكرها بالاسم في البيان الذي عمّمته على وسائل الإعلام، يوم الثلاثاء الأخير، وتحدّثت فقط عن «إحدى الدول الأوربية». لكنها في فقرة لاحقة من البيان لفتت الانتباه إلى وجود «إنذار صادر عن ربّان سفينة قادمة من ميناء مرسيليا بفرنسا يوم 2 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري، بعد الاشتباه في وجود بق الفراش في مقصورة الطاقم»، ومن ثم «قامت إدارة المراقبة الصحية الحدودية بميناء طنجة المتوسط، التابعة لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية بتفعيل الإجراءات التي يتم بها العمل في مثل هذه الحالات، بحيث دأبت على إجراء تفتيش دقيق لجميع مكونات السفينة وحمولتها والأماكن العامة على متنها، وقد بيّنت نتيجة التفتيش عدم وجود أي حشرة على متن السفينة بما في ذلك بق الفراش».
المغاربة وجدوا في الموضوع لقمة سائغة للسخرية، وأيضا للانتقام الناعم من ماكرون. (وتعبير «الانتقام الناعم» مستوحى من عنوان رواية بوليسية شهيرة للكاتبة إليزابيث جورج). وهكذا سارع مدوّنون عبر شبكات التواصل الاجتماعي إلى توزيع صورة مركبة لصحيفة فرنسية، وضعوا على غلافها «أغيثونا إننا نموت في صمت» مع صورة لإيمانويل ماكرون، وذلك ردًا على سلوك «ليبراسيون» التي استغلّت صورة لسيدة مغربية من أجل الانتقاص من حجم الجهود التي بذلتها السلطات المغربية للتخفيف من أضرار زلزال «الحوز». لا لشيء، سوى لأن الرباط لم تقبل مساعدات باريس!
«هذه بتلك»، أليس كذلك؟
نظافة الفرنسيين!
أما وزير الصحة الجزائري، عبد الحق سايحي، فقد اختار أن يوجّه «قصفًا مباشرا» نحو فرنسا، ضرب به عصفورين في وقت واحد: من جهة طمأن المواطنين الجزائريين في شأن الحالة الصحية بالبلاد، بالتأكيد على عدم وجود «بق الفراش»، ومن جهة ثانية اعتبر أن سبب انتشار هذه الحشرة في فرنسا راجع إلى عدم النظافة!
تصريحه الذي نُقل عبر القنوات الجزائرية، بَدَا لاذعا وناكئا للجراح وبعيدًا عن أي «إتيكيت» دبلوماسي تجاه الصديق/ العدو: فرنسا، لا سيما في ضوء وضعية المد والجزر التي تشهدها العلاقات الجزائرية ـ الفرنسية.
لقد ردد الوزير الجزائري، وهو يضغط على كلماته من باب التأكيد، أن «هذا مرض قديم أصاب فرنسا في الأربعينيات». وأوضح أنه «مرتبط بموضوع النظافة»، معربًا عن اعتقاده بأن «الأسر الجزائرية نظيفة لا يمكن أن تمسسها هذه الحشرات» وأن «المواطنين مهتمون بالنظافة». وأضاف قائلا «لدينا شمس، وهي تقضي على هذه الظاهرة»؛ مشيرًا إلى أن إدارة الرقابة الصحية في الحدود ووزارة النقل اتخذتا عدة إجراءات للحيلولة دون دخول «بق الفراش» إلى الجزائر.
طبعًا، لم يكن ليغرب عن بال أحد أن هذه التصريحات جاءت ردا على تصريحات عنصرية للصحافي الفرنسي باسكال برود، الذي قال «هل نعرف لماذا يوجد المزيد من البق اليوم؟ هل له علاقة بالنظافة؟» ليضيف «نشهد حاليا هجرة كثيفة. هل الأشخاص الذين لا يتمتعون بظروف النظافة كتلك المتوفرة في فرنسا هم الذين يجلبونه؟» وهي تصريحات قوبلت باستهجان العديد من المدوّنين العرب الذين تساءلوا، من قبيل السخرية، عمّا إذا كان الطاعون الذي اجتاح أوربا خلال القرون الوسطى له علاقة بالمهاجرين، فيما دعا أحد المدونين المغاربة إلى رشّ الطائرات القادمة من فرنسا بالمبيدات، مثلما كانت تفعل فرنسا تجاه الطائرات القادمة من إفريقيا!
هذا النقاش المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي نقله الإعلامي أحمد الفاخوري في برنامجه «شبكات» على قناة «الجزيرة»، وأورد أيضا أن وزارة التحول البيئي الفرنسية خاطبت السياح قائلة: «قد تواجه بق الفراش في وسائل النقل العامة وخلال الأسفار وحتى في البيت، اتبعوا نصائحنا لتجنب التقاطه وللتخلص منه.» وأدرجت تلك النصائح في موقع إلكتروني.
لغة موليير المرفوضة!
بعيدًا عن حكايات «البق» والسؤال عما إذا كانت تندرج ضمن «نظرية المؤامرة» أم «استراتيجية الإلهاء»، وجد وزير مغربي في الحديث إلى الصحافة فرصة لردّ الصاع صاعين لـ «ماما فرنسا»؛ فبعدما طلب منه إعلامي تقديم جواب باللغة الفرنسية، رفض ذلك رفضا قاطعا، قائلا إنه لن يتحدث سوى بالإنكليزية أو الإسبانية أو العربية.
الأمر يتعلق بموقف سياسي بحت، أو لنقل مجرد مزايدة، ما دام الوزير نفسه، على غرار باقي وزراء المغرب، متمكنًا من لغة موليير التي هي لغة جل الاجتماعات الرسمية في المغرب.
لن نشير أيضا إلى ازدواجية الجنسية لدى العديد من المسؤولين المغاربة، كما لن نتطرق إلى الارتباط الوجداني لدى الكثيرين مع فرنسا، لغةً وثقافةً واقتصادًا وسياحةً وتعليمًا…
سجال حول «العباءة»!
وبما أن «المصائب لا تأتي فُرادى كالجواسيس، بل سرايا كالجيش» على حد قول جدنا المسرحي ويليام شكسبير، فإن الحكومة الفرنسية وجدت في لباس بنات المهاجرين المسلمين مشجبًا تعلّق عليه كل رزياها. ومن ثم، أصدرت قرارا بمنع ارتداء «العباءات» في المدارس التعليمية. ووسط السجال الذي شهدته القنوات التلفزيونية ما بين مؤيد ومعترض للقرار، برز متحدث مغاربي جيد وهو يدافع في برنامج حواري فرنسي عن حرية ابنته في اختيار اللباس الذي تذهب به إلى المدرسة، بينما كان مُعارضه يردّ بالقول إن ارتداء العباءة يأتي خضوعًا للمتطرفين الإسلاميين!
فئة كبيرة من المدوّنين رددت إن السيدتين الأوليين في بريطانيا وفرنسا، الملكة كاميلا وبريجيت ماكرون، ظهرتا أخيرا في حفل رسمي وهما ترتديان العباءة، إشارة إلى اللباس الطويل من الكتف حتى القدمين.
بيد أن القضية اختُصِرت لدى عمر المرابط، الخبير في الشأن الفرنسي، متحدثًا إلى القناة الألمانية الناطقة بالعربية، في العبارة التالية: «نحن نعيش في دولة علمانية، والعلمانية تقتضي الحياد تجاه جميع الأديان، كما تقتضي ضمان الحرية للجميع».
كاتب من المغرب