القاهرة ـ «القدس العربي»: هل من سبيل لكبح جماح الغلاء بعيدا عن التفكير العقيم للحكومة؟ سؤال فرض نفسه على النخبة والجماهير على السواء، بعد أن أعيت الجميع نار التضخم الذي أفرز موجات متتالية من الغلاء للسلع كافة، ما خلف مئات الجوعى والبائسين، الذين تخلت عنهم الحكومة التي تمارس عملها منذ قرابة شهر من مقرها الأنيق في العلمين، حيث مقرها الصيفي.. وغلب الشأن الاقتصادي على المستقبل المنظور لحال البلاد وأهلها، ومن أبرز التقارير المعنية بالمال والعمران: التقى المهندس أحمد سمير وزير التجارة والصناعة المصري، محمد فاتح كاجر وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي، في إطار زيارة الوزير الحالية، على رأس وفد رفيع المستوى للعاصمة التركية أنقرة. استعرض اللقاء سبل تعزيز التعاون الصناعي المشترك، لاسيما في المجالات التي تتمتع فيها مصر وتركيا بخبرات طويلة، ومقومات مؤهلة لتحقيق طفرة في مستوى التعاون الصناعي. وأكد الوزير أحمد سمير خلال اللقاء أهمية تكثيف العمل المشترك لتنشيط آليات التعاون وتعزيز التواصل بين الهيئات والجهات المعنية بالصناعة في مصر وتركيا، لافتا إلى أن الجانبين يقترحان توقيع مذكرة تفاهم مشتركة تتناول موضوعات التعاون الصناعي، ونقل الخبرات الفنية والتدريب الفني والتعليم الجامعي وقبل الجامعي والاستثمار الصناعي والتصنيع الزراعي. وأشار سمير إلى إمكان وضع آلية للتعاون المشترك للتصنيع في مصر والتصدير لمختلف الدول، خاصة أن مصر تتمتع بمنظومة اتفاقيات تجارية مبرمة مع عدد كبير من الدول والتكتلات الاقتصادية، وتتيح مزايا تفضيلية عديدة للشركات المصدرة للخارج..
ومن أخبار مؤسسة الرئاسة: أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسي قرارا جمهوريا بالموافقة على انضمام مصر إلى اتفاقية العمل البحري 2006، بعد موافقة مجلسي النواب والوزراء على الاتفاقية وانضمام القاهرة إليها. كما أصدر قرارا بالموافقة على اتفاقية إنشاء المنظمة الدولية للمساعدات الملاحية البحرية الموقعة في 26 يناير/كانون الثاني 2022 في العاصمة الفرنسية باريس بعد موافقة مجلسي النواب والوزراء على الاتفاقية.
أعلنت وزارة التربية والتعليم فتح باب تقديم تظلمات الثانوية العامة 2023، التي تستمر لمدة 15 يوما، مؤكدة أن تكلفة التظلم على المادة الواحدة 200 جنيه. وأشارت الوزارة إلى أنه تمت إتاحة التقديم الإلكتروني للتظلمات عبر موقعها بعد تسديد الرسوم المقررة لكل مادة، إذ تقوم الوزارة بتحميل نماذج الأسئلة والإجابات، بحيث يتم الإطلاع على أوراق الإجابة من خلال لجنة النظام والمراقبة. ومن أخبار طلبة الثانوية: توفي الطالب خالد مجدي في مدرسة عبدالقادر قنصوة الثانوية في منيا القمح بعد ساعات من إعلان نتيجته.
وحصده مجموع درجات كبيرا واتشحت صفحات موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بالسواد والحزن على وفاة الطالب لما كان له من سيرة طيبة وخلق رفيع وتفوقه ونجاح في حصد المركز الثالث على مستوى مدرسته.
ما يمكن عمله
لا يرى زياد بهاء الدين في “المصري اليوم”، أن هناك ما يشغل الناس أكثر من الغلاء.. لا السياسة، ولا الحوارات، ولا حتى مباريات كرة القدم وأخبار الفنانين. الغلاء سيد الموقف، والناس تلهث وراء الأسعار المرتفعة بشكل متواصل، في متابعة حثيثة لآخر مستجدات مختلف أنواع الغذاء والخدمات والفواتير المنزلية، متنقلة كل بضعة أيام بين هذه السلعة وتلك، وبين المقارنات للمعروض في الأحياء السكنية والمناطق المختلفة، كأنها مباراة ساخنة ومحمومة لا يكاد المواطن يقدر على متابعتها. التضخم الرسمي مرتفع للغاية، وقد بلغ في شهر يونيو/حزيران الماضي – وفقا لبيانات البنك المركزى – أحد أعلى المعدلات التي بلغتها مصر في العقود الماضية.. ولكن تجارب المواطنين ومعاناتهم اليومية تتجاوز ذلك بكثير، والخوف مما سيأتي به العام الدراسي المقبل من زيادات في أسعار المدارس والدروس ومستلزماتها يقلق كل بيت. الخطاب الحكومي المعروف، أن الاقتصاد كان على مسار سليم، إلى أن طرأت أزمتا «كورونا» و«أوكرانيا»، فتعقد الوضع، واضطرب الاقتصاد العالمي، وزادت الأسعار في كل أنحاء العالم، ونحن جزء منه.. وهذا التفسير – محل خلاف.. ولكن دعونا اليوم نرجئ هذا النقاش ونفكر في الغلاء الحالي، وما يمكن عمله. أكيد أن الحل الحقيقي والحاسم هو الإصلاح الهيكلي للاقتصاد، وإعادته لمسار الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتصدير.. ولكنه حل طويل المدى، حتى لو بدأنا تنفيذه اليوم. فهل هناك ما يمكن عمله لمواجهة انفلات الأسعار في المدى القصير؟
لننجو من الكارثة
لنتفق مع ما انتهى عنده زياد بهاء الدين من أن جانبا لا يستهان به من الغلاء الحالي والانفلات المبالغ فيه لأسعار العديد من السلع والخدمات، ليس مما يمكن تفسيره أو تبريره اقتصاديا، لا بتراجع الإنتاج، ولا بانخفاض قيمة الجنيه المصري، ولا بالقيود على الاستيراد. هناك زيادة مفرطة نابعة بالتأكيد من خلل بالغ في السوق المحلية، وهناك أرباح هائلة يحققها كل مَن لديه القدرة على تخزين السلع وتقييد توافرها والتلاعب في أسعارها، ولكن إلقاء اللوم على جشع التجار ليس الحل، لأن فساد الأخلاق وقلة الضمائر مما يلزم توقعه والتعامل معه والتدخل لمواجهته، ومنع وقوعه. الخطاب الشعبي والبرلماني يعود بنا إلى مطالب وحلول لا تنتمي للعصر: الضرب بيد من حديد.. إحكام الرقابة على الأسواق.. تغليظ العقوبات.. فرض أسعار جبرية.. كلام نظري ولن يكون له أثر على أرض الواقع، لأن الواقع نفسه اختلف عن العصر الذي كان يمكن فيه للدولة الاعتماد على هذه الأدوات التقليدية. أدوات العصر هي كسر الاحتكارات والقيود القائمة التي تتيح لبعض المنتجين والتجار وأصحاب المخازن التحكم والتلاعب في الأسعار. واقع اليوم أن المنافسة محدودة وغير قادرة على زعزعة سيطرة التجار على الأسواق، لأن دخول لاعبين جدد إلى الساحة – بما يهز العروش القائمة – مكبل بقيود كثيرة تخيلوا ما يمر به الراغب في فتح محل جديد، أو منفذ متواضع في المدينة لكي «يستورد» فيه منتجات القرى المجاورة مباشرة، دون أن يمر على سلسلة الوسطاء المعروفة والمستقرة. تخيلوا الوقت والتكلفة والإجراءات التي يتطلبها الحصول على ترخيص بذلك، والمعارك الضارية التي سوف يلزم عليه أن يخوضها ضد البيروقراطية والروتين، قبل أن يبدأ المعارك التالية مع المنافسين. التضخم حقيقي وموجع، والأرجح مستمر، إلى أن تتخذ الدولة السياسات والإجراءات اللازمة لتصحيح المسار الاقتصادي، ثم تأتي هذه الإصلاحات بمفعولها بما يعالج الخلل من جذوره.. إلى أن يحدث هذا، فبأيدينا اتخاذ ما يلزم للحد من انفلات الأسعار وجشع التجار والمحتكرين، ليس بالوسائل القديمة، التي لم تعد مناسبة، بل بفتح باب المنافسة بين صغار التجار وصغار الموردين وصغار البائعين، و«صغار» كل من يرون فرصة للربح لو أتيحت لهم فرصة المنافسة.
«خيبتها تقيلة»
“الناس خيبتها سبت وحد وخيبة الحكومة ما وردت على حد”، تابعت الغاضبة صفاء أحمد في “فيتو”: الحكومة مقضياها سفر ومشاركة في مؤتمرات ومهرجانات في العالم، رغم معاناة البلد من انهيار اقتصادي نتيجة فشلهم على مدى سنوات. ومع أن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أفشل من تولى المنصب، نجده كل بضعة أيام في دولة غير الثانية و”مخلي القرعة ترعى، والشعب يخبط راسه في أكبر حيط”، لعدم وجود أحد يوقف المهازل اليومية التي يعيشها على الأصعدة كافة. عاد رئيس الوزراء من رحلاته، وانتقل مع حكومته إلى المقر الصيفي في العلمين الجديدة، للتمتع بالبحر والأجواء الساحلية والحفلات، لأنه مش معقول “ربطة المعلم” تعاني الحر والقرف مثل الشعب. قضية الساعة هي “أزمة ما لها أي لازمة”، حيث اعتقدنا أنه بعد إغراقنا في القروض وإنفاق “تريليونات الجنيهات” لحل أزمة الكهرباء بشكل جذري، لكي نعيش مثل العالم، فإذا بنا نعود إلى أيام حكم “الإخوان” وتنقطع الكهرباء أكثر من مرة يوميا. قطاع الكهرباء ومحطاته الأحدث عالميا، التي تكلفت “تريليونات الجنيهات”، وكانت مثار فخر وتباهٍ في جميع التصريحات خلال السنوات الماضية، وأننا بعد العجز الكهربي، أصبح لدينا فائض كبير نسعى لتصديره وحل مشكلة الدول التي تعاني نقصا فيه، فجأة حدثت أزمة لا نعرف سببها، والكهرباء تنقطع أكثر من مرة يوميا، وسعيد الحظ من يصادفه القطع المبرمج مرة واحدة يوميا، فإذا مثار الفخر يعاني أزمة فماذا ننتظر من قطاعات ثانية لم تلق الاهتمام ذاته؟ دأبت وزارة الكهرباء على تخفيف الأحمال يوميا، دون توضيح السبب أو الرد على تساؤلات الشعب، وحتى هاتف الطوارئ والشكاوى لم يعد يعمل، لأن من يقومون عليه ليس لديهم معلومات محددة للرد بها على الاستفسارات، من هنا أتيح مجال الاجتهاد وترويج الشائعات لمن يريد، وتداولت منصات “الميديا” أسباب وتحليلات عدة عن القطع المبرمج.
وزيرة لا تدري
الغريب على حد رأي صفاء أحمد، أن وزارات غير معنية، بدأت تتناول ما يجري يوميا وتبرر بأي كلام، وللمرة المليون تثبت وزيرة البيئة أنها تولت الحقيبة الوزارية، لأسباب لا علاقة لها بالكفاءة والتخصص، حيث أرادت الوزيرة تبرير تخفيف الأحمال اليومي، رغم الحر الشديد، فأدلت بتصريحات تنم عن جهل تام، إذ قالت: “إحنا في نعمة لأن بلدنا جاف وعندنا تكييف في البيوت، وأوروبا مشكلتها أكبر منا لان معندهمش تكييفات”. يبدو أن معلومات الوزيرة توقفت عند ما درسناه في الابتدائية، عن أن “طقس مصر حار جاف صيفا معتدل ممطر شتاء”، لأنه لم يعد كذلك منذ سنوات، ثم إن التكييفات في أوروبا أكثر من مصر، وليس كما قالت الوزيرة، فضلا عن أنها رغم أزمة الطاقة وارتفاع الحرارة لا تعاني قطعا للكهرباء مثلنا. زادت الوزيرة الطين بلة، بمفردات لا تعكس إدراكها حساسية منصبها، وجعلتها مثار سخرية الداخل والخارج، حيث قالت عن ثقافة ترشيد الطاقة “احنا متعلمناش إننا لما نيجي ننام نشد فيشة التلفزيون، الفيشة بتسحب كهربا، لو كلنا شدينا الفيشة أو طفينا الكبس، هنوفر كتير”.
عدم مواكبة الوزيرة للتغيرات والمستجدات، بالإضافة إلى ركاكة تصريحها، يجعلنا لا نلومها على قطع أشجار البلد، لأنها مؤكد لا تعرف أن تقليص المساحات الخضراء يقلل كمية الأوكسجين التي يحصل عليها الإنسان وتزيد معاناته. ارتباك الحكومة جعلها تلجأ إلى تضليل الشعب لامتصاص غضبه، حيث تصدر المتحدث باسم وزارة الكهرباء المشهد، مؤكدا أن المشكلة جار حلها خلال يومين، ثم أرجأ الحل إلى منتصف الأسبوع التالي، كما حدث تضارب في تصريحات وزيري الكهرباء والبترول، لكنهما اتفقا على تمدد الأزمة إلى منتصف أغسطس/آب، دون أن نعرف السبب الحقيقي لتخفيف الأحمال، إلى أن عقد رئيس الحكومة مدبولي مؤتمرا صحافيا، ربطه كالعادة بما يحدث في العالم لتغطية فشل حكومته، ونفى ما يتم تداوله مستفيضا في أرقام ومعلومات، تبين كذبها في تصريحات المتحدث باسم رئاسة الوزراء، التي تتفق مع كثير مما تداولته التقارير والمنصات ونفاه مدبولي، الذي أكد أن تخفيف الاحمال مستمر إلى سبتمبر/أيلول.
ينقصنا العقل
دار حديث بين عبد المحسن سلامة وصديقه العائد من الخارج عن مشكلة تخفيف الأحمال، وموجات الحرارة العنيفة التي تجتاح العالم. ونقل الكاتب في “الأهرام” أفكارا جديرة بالنقاش.. قال: الموجة الحرارية تجتاح العالم كله من أمريكا، إلى روسيا، إلى أوروبا، إلى غيرها من دول العالم، وكل دولة تتعامل مع الموقف حسب ظروفها، لكن تظل المشكلة موجودة في كل بلاد الدنيا بلا استثناء. قلت: أعتقد أن هناك خطة للتعامل مع تلك الأزمة، وأن الأمر كله لن يستغرق أكثر من شهر لتعود «الأحمال» إلى طبيعتها مرة أخرى. قال: هناك نظام منضبط جدا يسهم في تخفيف الأحمال في كل الأوقات، ويتم تطبيقه في معظم دول العالم، وهو الذي يتعلق بمواعيد غلق المحلات، ولا يستطيع أحد أن يخالفه، ومن يجرؤ على المخالفة يتم توقيع غرامات باهظة عليه، وعقوبات متدرجة تصل إلى سحب التراخيص، والغلق النهائي. قلت: أعتقد أن هناك قرارات صدرت من الحكومة بمواعيد العمل في الشتاء والصيف، ومؤخرا أكدها اللواء هشام آمنة وزير التنمية المحلية، لكن المشكلة أن هذه القرارات لا يتم احترامها، أو تطبيقها. قال: غلق المحلات «أهم» في تخفيف الأحمال، لأن المواعيد غير المنضبطة للمحلات في مصر هي المتسبب الأكبر في زيادة استهلاك الكهرباء، حيث تظل المحلات تعمل بكامل طاقتها إلى منتصف الليل، وربما أكثر. صديقي معه حق، فالمشكلة الحقيقية والأهم هي ضرورة الالتزام الكامل بمواعيد غلق المحلات في كل محافظات مصر بلا استثناء، ولتحقيق ذلك يجب إعطاء صلاحيات واسعة للمحافظين، ورؤساء الأحياء والقرى، ورؤساء المدن والمراكز لاتخاذ كل ما يلزم من أجل التطبيق الحازم لقرارات الفتح والغلق للمحلات والورش، والمصانع، والمقاهي وغيرها. هذا التطبيق الحازم سوف يسهم في توفير الكهرباء، وتخفيف الأحمال بدرجة كبيرة، وعودة الهدوء إلى الشوارع، خاصة بعد تطبيق المواعيد الصيفية التي تمتد فيها ساعات سطوع الشمس من السادسة صباحا إلى الثامنة مساء، أي ما يقرب من 14 ساعة كاملة. أتمنى أن تكون هناك صحوة من الأجهزة المحلية، والرقابية للتطبيق الصارم لمواعيد غلق المحلات في كل الأوقات صيفا، وشتاء، بغض النظر عن الأزمات الطارئة.
الهجرة هي الحل
رغم أن عدة فئات من المصريين، ممن ينتمون إلى تخصصات مهمة، يهاجرون باستمرار منذ عقود، كما أوضح أحمد عبد التواب في “الأهرام” مثل علماء في مجالات كثيرة وأطباء ومهندسين وخبراء كومبيوتر، إلا أنه لا يُعرَب عن فقدانهم سوى في بعض المناسبات، على عكس ما يحدث مع الرياضيين الموهوبين، الذين يعم الحزن عليهم ويُتهَمون بالخيانة عندما تُنشَر أخبارُ هجرتِهم، رغم أن هؤلاء، خاصة صغار السن، لا يسعون إلى ذلك، وإنما تُعرَض عليهم الجنسيات الأجنبية، للاستفادة من أن يلعبوا تحت عَلَم دولة الهجرة التي يُنسَب لها نجاحهم، دون مجهود سوى أنها أخذت صاحب موهبة مُدَرَّبة على الجاهز، ولم يبق عليها سوى رعايته بأعلى كثيرا مما كان متاحا له قبل الهجرة، مع ضمان مستويات شديدة الإغراء من الدخول الخرافية في عدة بنود: الراتب ومكافآت الفوز والعوائد من الإعلانات، إلخ. لا يعرف عامة الجمهور عن ظروف العلماء ومن ينتمون إلى هذه الفئة إلا معلومات شائعة تكاد تنحصر في قلة الرواتب والدخول، وقليلا ما يُشار إلى قلة ميزانيات البحث العلمي، واستنزافهم بمشاكل البيروقراطية، ولكن عامة الجمهور يعرفون الكثير عن ظروف اللاعبين، بدءا من مرحلة الطفولة، التي يُفتَرَض أن تُكتَشَف فيها الموهبة مبكرا لحضانتها ورعايتها، ولتأهيلها للمستقبل المأمول، إلا أن الشكوى الشائعة لدينا أن الموهوب لا يحظى بالاهتمام اللائق الذي يحظى به عادة أحد الأبناء المحظوظين، فقد يُقصَى الموهوب الذي لا ظهر له، وتُمنَح الفرصة لصاحب الحظوة الذي من المؤكد أنه لن يحقق النتائج المُرضية في المسابقات، ولكنه يحقق ما هو أهم لأصحاب القرار الذين يُرْضون أهل الفتى المتنفذين، فيردون المجاملة بما يفيد أصحاب القرار في مثل مساعدتهم في الانتخابات الرياضية وغيرها. والغريب أن هذا يحدث في لعبات رقمية، مثل السباحة وألعاب القوى، المفروض أن تَحسم نتائجُها الواضحة المعلنةُ أي خلاف، أو أن تمنع الخلاف. أما اللعبات التي تعتمد على تقديرات شخصية، قد تختلف من شخص لآخر، مثل كرة القدم، فيكفي التذكير بأن محمد صلاح، في بداياته في مصر، لم ينجح في اختيارات قبول أحد النوادي الكبرى، رغم أن نادي بازل السويسري، في الوقت نفسه، انبهر بموهبته وتعاقد معه فورا ففتح له مسارا لامعا لا يكون فيه الاختيار إلا على الكفاءة.
همّ الليل والنهار
“الدين.. هم بالليل ومذلة بالنهار”، لا يعرف عماد الدين حسين رئيس تحرير “الشروق” هل هو حديث، أم حكمة، أم قول مأثور، لكنه في كل الأحوال صحيح مئة بالمئة من حيث المضمون، ولذلك فإن كل الذين تحدثوا في جلسة «الدين العام.. الإشكاليات والحلول»، لم يختلفوا على خطورة قضية الديون، من أول ممثلي حزب «مستقبل وطن» إلى كل أحزاب المعارضة، ولم يشذ إلا متحدث واحد في الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، لكن حزبه في المساء اعتذر عن تصريحاته. كانت واحدة من أشد جلسات الحوار الوطني سخونة وحيوية، خلال الجلسة طلبت الكلمة، وقلت إن قضية الديون من القضايا التي يتفق الجميع تقريبا على خطورتها، خصوصا أنها وصلت إلى مستوى غير مسبوق، وعلى عهدة ما قاله النائب طلعت خليل، فقد زاد الدين الخارجى بنسبة 614% خلال ست سنوات «حوالي 165 مليار دولار»، وارتفع الدين المحلى بنسبة 109% ووصل إلى 4.78 تريليون جنيه مقابل 2.52 تريليون جنيه للدين الخارجى. نعلم أن هناك أزمة ديون عالمية كبيرة، ونعلم أن هناك أسبابا موضوعية حتمت لجوء الحكومة إلى التوسع في الاستدانة، خصوصا لتثبت أركان الدولة وإقامة البنية التحتية وبالأخص في الطرق والكباري وشبكات الكهرباء، لكن علينا الآن أن نتوقف تماما عن الاستدانة إلا لـ«الشديد القوي» وفي الحالات ذات الأولوية القصوى، وأن يكون ذلك مصحوبا بضوابط كثيرة أهمها أن نعرف أين سيذهب هذا القرض وكيف سيتم سداده، وأن يعلن ذلك للرأي العام. طالبت أيضا بضرورة أن يصدر مجلس النواب قانونا يمنع الاستدانة، أو كما قال آخرون تحدثوا بعدي أن يكون هناك سقف للديون لا يتم تخطيه بأي حال من الأحوال. وقال أحد المتحدثين إنه يمكن حينما نسدد قرضا أن نستدين قرضا يماثله حجما إذا كنا مضطرين. وفي هذه الحالة إن لم نستطع سداد الديون، فعلى الأقل لا نجعلها ترتفع.
أكاذيب للبيع
واصل عماد الدين حسين شهادته بشأن مأزق الدين العام: أخشى أننا قد نشهد في المرحلة المقبلة توظيفا سياسيا من الدول التي تقدم القروض ليس فقط ضد مصر، ولكن في كل العالم، خصوصا في منطقتنا التي تشهد استقطابا حادا على المستوى الاقتصادي بين الصين وأمريكا، وعلى المستوى العسكري بين الغرب وروسيا، ناهيك عن الصراعات والخلافات الموجودة في المنطقة منذ سنوات، وتشهد تطورات متنوعة في الفترة الأخيرة، وبالتالي فليس مستغربا أن يحاول البعض توظيف الديون والمنح والمساعدات والودائع كأدوات سياسية لتحقيق أهدافه. إن بعض المسؤولين الحكوميين يحاولون تلطيف الأمور بإطلاق كلمة «تمويلات» على القروض، ظنا أن ذلك، قد لا يجعلها ديونا، وظني أن هذا خطأ كبير، فالتمويل هو ديون، وبالتالي وجب أن نسمى الأمور بمسمياتها حتى يكون الناس على بينة من أمرهم. خلال الجلسة قال أحد المتحدثين إن الدين المصري في منطقة آمنة وعلينا ألا نقلق، وكل الدول تستدين بما فيها أمريكا، التي رفعت سقف ديونها أكثر من مرة، وقلت ردا على هذه الفكرة إنه أمر خطير جدا أن نحاول تسويق فكرة أن الدين آمن، في حين أن رئيس الجمهورية بنفسه طلب من الحكومة أكثر من مرة ألا تستدين إلا للضرورة القصوى، والحكومة بدورها شكلت لجنة عليا للسيطرة على الديون وعدم زيادتها وبالتالي، فمن الخطر أن نخدع الناس بهذه الأفكار. ثم إنه لا يمكن المقارنة في الأرقام والبيانات إلا بين الاقتصادات المتماثلة، وليس بين مصر وأمريكا. وكان طبيعيا أن يصدر الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي بيانا عاجلا بعد الجلسة بساعات يتبرأ فيه من هذا الكلام، ويؤكد موقفه بشأن خطورة قضية الديون.
يمامة قبل التحدي
الهجوم غير المبرر الذي حدث مع إعلان رئيس حزب الوفد ترشحه، هو هجوم من وجهة نظر ياسر شوري في “الوفد” معتاد وسهام حقد تطلق دائما على الوفد، بل على كل زعماء الوفد بداية من سعد باشا زغلول، وحتى الدكتور عبدالسند يمامة. وحتى قديس السياسة المصرية الزاهد الصوفي الليبرالى زعيم الأمة مصطفى النحاس، تعرض لهجوم ضار، وصل إلى حد أن صديق عمره مكرم باشا عبيد ينشق عن الوفد بسبب المكائد التي دبرت من خصوم الوفد للتفرقة بين الزعيمين، النحاس باشا نظيف اليد اتهموه بأنه اشترى (فرير) لزوجته من المال العام، بل وصل الاتهام إلى استجواب في مجلس النواب وانتهى إلى تبرئة النحاس. من هاجموا الدكتور عبدالسند في الحقيقة كانوا يستهدفون الوفد، في محاولة لإبعاد أستاذ جامعي مرموق ورئيس أكبر حزب سياسي، وتقويض مسيرة الحزب الطبيعية في المشاركة في انتخابات رئاسة مصر. الوفد يا سادة هو الحزب الوحيد صاحب تجربة حكم حقيقية مشهود لها بالاستقامة والنزاهة. أما الدكتور عبدالسند يمامة فهو رمز الوفد ورئيسه أستاذ القانون صاحب المؤلفات العظيمة.. أما من استهدفوه فعددهم لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة، وأقصد هنا شخصيات من خارج الوفد بجانب قنوات معادية بالأساس للدولة المصرية.. انظروا تلك السيمفونية النشاز التي عزفوها، وترتيب الهجوم بشكل ممنهج للنيل من رئيس الوفد، انظروا إلى تلك الجمل التي اقتطعوها من سياقها لإثبات أكاذيبهم، في أكبر عملية تزييف للحقائق وإلقاء سهام حقدهم على بيت الأمة، ولكن هذه الأباطيل ارتدت إليهم وأخرستهم، وسوف يخرسون أكثر عندما تدور عجلة الانتخابات وفي القلب منها الوفد بتاريخه وأبنائه.. سوف تأكلهم أحقادهم عندما يعود الوفد للشوارع مرة أخرى معلنا عن نفسه، ورافعا شعاره (الوفد.. مستقبل له تاريخ).
بلد مؤتمرات
يقول أحمد إبراهيم في “الوطن”، يوميا أسمع أو أقرأ أو تصلني دعوات لحضور مؤتمرات في كل المجالات في الطب والهندسة والتعليم والبحث العلمي والصحة والبيئة والإسكان والإعلام والثقافة، والصناعة والتجارة والزراعة، والشباب والرياضة ومكافحة الفساد والتطوير الإداري والحوكمة، والاقتصاد والاستثمار والنقل والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والبنوك والإدارة المحلية، والمرأة والعمال والسياسة في الخطاب الديني ومكافحة التطرف والإرهاب، وحتى في النظافة والتجميل، كما أنني أقرأ وأشاهد وأسمع عن عشرات المؤتمرات والمنتديات والندوات وورش العمل داخل مصر وخارجها، دورية وشهرية وسنوية، تنظمها الوزارات والجامعات والشركات والنقابات والجمعيات. بعضها في فنادق 7 نجوم تتكلف ملايين الجنيهات، وخلال الخمسين عاما الماضية شهدت مصر آلاف المؤتمرات والندوات وورش العمل في طول البلاد وعرضها، خرج عنها مئات الآلاف من التوصيات، معظمها أكلته الفئران أو تحلل بسبب الأتربة، لو أن مصر استفادت من هذه المؤتمرات ما كان هذا حالنا، وما كنا في حاجة لعقد مؤتمرات جديدة يوميا تكلف الدولة أموالا طائلة بلا فائدة، سواء عامة أو حتى خاصة، كلها أموال مصرية. المؤتمرات في مصر سبوبة للقائمين عليها وللشركات المنظمة لها أو مجرد شو إعلامي، ومعظم المؤتمرات مجرد جلسة افتتاحية ثم تنتهي بعد انصراف المسؤولين وكاميرات الإعلام. هناك مؤتمرات مصيبتها، إهدار الأموال، وهذه بسيطة، ولكن هناك مؤتمرات تأثيرها أكبر من ذلك، مثلما يحدث أحيانا في مجال الصحة والعلاج، لأن شركات الأدوية هي التي تنفق عليها في مقابل ترويج منتجاتها، حتى لو كانت ضارة أو دون فاعلية، وبالتالي يدفع المواطن الثمن من صحته وحياته.
سهلة لكنها عزيزة
أمنيات يسيرة لكنها صعبة التحقق يطرحها أحمد إبراهيم: أتمنى أن توقف المؤتمرات حتى ولو مؤقتا، في ظل الظروف الصعبة التي تشهدها البلاد حاليا، ثم مراجعة التوصيات التي صدرت عن كل المؤتمرات السابقة، وهل استفادت منها الدولة أم لا؟ لأن ظروفنا الاقتصادية تتطلب توفير ما يُنفق على المؤتمرات، واستغلاله في ما يفيد، حتى لو كان القطاع الخاص هو الذي ينفق من جيبه، فهي أموال مصرية ويجب توجيهها إلى مجالات أكثر فائدة للبلد. مشكلات مصر معروفة، وحلولها أيضا، وهي لا تحتاج إلى مؤتمرات جديدة، وكل مشكلة عندنا لها ألف حل، سواء من خلال توصيات المؤتمرات السابقة أو في ملايين الأبحاث ورسائل الماجستير والدكتوراه ودراسات المجالس والمراكز واللجان، نحن فقط نحتاج إلى قرارات تنفيذية لتطبيق الحلول على المشكلات. المؤتمرات في بلدي أصبحت مثل أفراح علية القوم، يتم الإنفاق عليها ببذخ للتباهي والوجاهة الاجتماعية، وإهدار الوقت والمال ومولد وصاحبه غائب، ويجب وقفها، أو على الأقل تقنينها، وفي الإطار الذي تحتاجه مصر بالفعل، وأن تكون هناك استفادة حقيقية من مخرجاتها، وأيضا يجب تقنين السفر إلى الخارج لحضور مؤتمرات، أو أي فعاليات ليس لها مردود على البلد، حتى لو كان ذلك مؤقتا ترشيدا للنفقات، ولحين انتهاء الأزمة الحالية، وفي السياق ذاته يجب تقييم أداء المجالس واللجان وإلغاء التي لا فائدة منها، وتوفير ميزانيتها وتوجيهها إلى مجالات يستفيد منها الوطن والمواطن. هناك تصرفات لبعض المسؤولين تجعلك تظن أنهم لا يعيشون معنا ولا يشعرون بالوضع الذي تشهده البلاد، ويجب أن يكونوا قدوة قبل أن يطالبوا المواطنين بالترشيد، حتى يكون لكلامهم مصداقية، ويجد طريقه للتنفيذ، والله الموفق والمستعان.
نشبه بعضنا
“رجل مصري يقتل ابنه رميا بالرصاص”، “أب عراقي يقيد ابنته بالسلاسل الحديدية لمدة شهر”، “شاب عراقي يعرى طليقته في الشارع ويطعنها أمام المارة”، “أب يمني يعذب طفلته ويبيعها كخادمة”، “أم تقتل رضيعها”.. تضيف جيهان فوزي في “الوطن”: تخيل أن هذه العناوين لأخبار تحدث كل يوم في المجتمع العربي، وأصبحت متداولة بشكل لافت، تحمل في طياتها قصصا موجعة لبشر تجردوا من كل معاني الإنسانية والقيم والمبادئ التي تلجم الشخص عن ارتكاب فعل صادم أو دخيل، وأصبحوا أمثلة حية على أوضاع غريبة انتشرت في المجتمعات، عناوين أخبار الجريمة والتعنيف أصبحت ضيفا دائما على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية، وحتى مواقع التواصل الاجتماعى، ولم تعد قاصرة على مجتمع بعينه، بل تجاوزت كل الحدود والقيود وانتشرت بشكل مذهل في مجتمعاتنا العربية، بما تحمله من دلالات كبيرة تعبر عن مدى الإحباط والانفلات الذي أصاب الشارع العربي في مقتل، فلم تعد هناك ضوابط أو قواعد تحد من انتشار مثل هذه الجرائم البشعة بحق الأفراد والمجتمع، خاصة إذا كانت الجريمة تتعلق بالقتل، ومِن منْ؟ من أب لابنه أو ابنته والعكس من زوج يقتل زوجته والعكس؟ من أخ يقتل أخته أو أخاه إلخ؟ إن انتشار تلك الحوادث في مجتمعاتنا يوحي بمدى التفكك الذي ضرب عصب الأسرة، والإحباط واليأس الذي تسلل إلى المجتمعات في مختلف أشكالها وأنماطها، فهل التغير الدراماتيكي في حياة البشر هو السبب؟ لم يعد يقتصر فعل الجريمة على أشخاص لا يمتون بصلة لبعضهم بعضا، وكل ما يجمعهم هو دوافع الجريمة؟ وإنما اخترقت الجريمة النسيج الأسري الواحد وأصبحنا نسمع عن عجائب لا يصدقها منطق أو تستوعبها إنسانية، بالذات إذا كانت الجريمة في النطاق الأسري، التي أصبحت لغة العصر الحديث في التعامل مع منطقه الجديد، ومواكبة تغيراته المتسارعة، وأخذت في طريقها كل ما هو أخلاقي وإنساني وعقائدي ومنطقي.
تفكك وأشياء أخرى
أصبحت أسباب ارتكاب الجرائم في الأسر كثيرة وتختلف من شخص لآخر، فالسلوك كما قالت جيهان فوزي، سواء كان مقبولا أو غير مقبول يظهر نتيجة لتفاعل الإنسان مع البيئة، كما أن المستوى التعليمي، والفروق الفردية، والوضع الاقتصادي، كل هذه الأمور وغيرها تؤدي إلى اختلاف في نتائج تفاعل الإنسان مـع بيئته، الأمر الذي يؤدي إلى وجود أسباب متعددة من أشكال العنف عند البعض، فضلا عن العالم المفتوح الذي يمد يديه لمختلف الثقافات والأفكار في العالم، لينهل منها الشخص ما يريد، يتلقى المعلومات من كل الاتجاهات، يتعرف على عوالم خفية جديدة وأفكار غريبة دخيلة وثقافات مختلفة، دون حواجز أو قيود، ليس مهما هنا التدقيق في طبيعة ما يصل إلى أيدينا من معلومات، وأفكار وأخبار، فلك أن تختار ما شئت، دون أن يحاسبك أحد، سلاحك ورادعك الوحيد هو وازع الدين والقيم والمبادئ التي تربيت عليها لتدعمك، وتمنع جنوحك نحو الهاوية وهي كثيرة ومتعددة. الجريمة في حقيقة الأمر يختلف مفهومها حسب المنظور المراد رؤيته منها، منها تعريف الجريمة من الناحية الاجتماعية وأخرى من الناحية النفسية، وثالثة من الناحية القانونية، فالأولى عبارة عن أفعال تتعارض مع القواعد والأعراف والعادات الاجتماعية السائدة في المجتمع – كل مجتمع على حدة- أما النفسية فهي أفعال تتنافى بشكل واضح مع الغرائز الإنسانية السوية من خلال محاولة إشباع الغرائز الشاذة، التي قد تنتج لدى بعض الناس، ثم تأتي في المرتبة الثالثة الجريمة من الناحية القانونية، وهي عبارة عن جميع الأفعال الخارجة على القانون والمتفق على حُرمتها ويُعاقب عليها. وخلال عام 2011 أي منذ 12 سنة تقريبا، أثبتت إحدى الإحصائيات، التي تحدثت عن علاقة الجريمة بالتفكك الأسري ذلك، حيث قالت إن في فرنسا ثبت أن 40% من المجرمين العاديين، وإن 75% من المجرمين ينتمون إلى أسر مفككة، أما في مصر أثبتت أن 61.5% من الأحداث الجانحين كانت علاقاتهم مع آبائهم سيئة وأن 65% منهم كان الخلاف يسود العلاقة بينهم وبين والديهم.