الناصرة-»القدس العربي»: قال وزير الصحة الإسرائيلي الأسبق حاييم رامون (العمل) إن الجيش الإسرائيلي حطم الإطار العسكري لـ»حماس» ونسيَ سلطتها المدنية، زاعما أن الحل يكمن في حُكم عسكري مؤقت. في مقال نشرته صحيفة «معاريف» قال رامون إنه بعد مرور شهر واحد على الحرب، شارك وزير الأمن يوآف غالانت في جلسة نقاش خاصة عقدتها لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، أوضح فيها للحاضرين أن الهدف المركزي للحرب هو عدم بقاء أي وجود لتنظيم «حماس» «كإطار عسكري وسلطة مدنية في غزة. ويقول رامون أيضا إنه للأسف الشديد، وبينما حقق الجيش الإسرائيلي إنجازات مذهلة في تفكيك الإطار العسكري لـ»حماس» فإن إسرائيل فشلت فشلاً ذريعاً في مهمة القضاء على السلطة المدنية للحركة وأن مَن يتحمل هذا الفشل هو «كابينيت الحرب» وقبل كل شيء، هذا الفشل مسجّل باسم وزير الأمن. ومضى رامون في مزاعمه: «منذ بدأ الجيش بخفض قواته في شمال القطاع، بتأييد من غالانت، جرى أمران: الأول، أن الجزء الشمالي من القطاع يشهد اليوم فوضى عارمة تضرّ بصورة إسرائيل كثيراً. عندما (هجم) الفلسطينيون على شاحنات المساعدات في غزة، وقُتل العشرات منهم جرّاء (التدافع) أو (الدهس) على يد سائقي الشاحنات، وبعضهم قُتل بنيران الجنود الإسرائيليين لدى الاقتراب منهم، فإن هذا الأمر ألحق ضرراً كبيراً بإسرائيل في الساحة الدولية».
ثانياً، في المناطق الشمالية من القطاع، حيث لا يزال فيها شيء من السيطرة المدنية، والمقصود سيطرة «حماس». هكذا يرى رامون ويضيف «نتذكر الفيديوهات التي يظهر فيها رجال شرطة من حماس، وهم يعودون إلى المدن في شمال القطاع، محاولين إعادة السيطرة على السكان. ضابط رفيع المستوى موجود في ساحة القتال في خانيونس، تحدثت معه مؤخراً، وقال لي الأمور التالية: نحن نقتل عشرات المخربين يومياً، لكن مَن يهتم اليوم بتوزيع المياه هم عناصر من حماس، على الرغم من أنهم لا يرتدون الزي العسكري. من هنا، في كل مكان لا توجد فيه فوضى في خانيونس، توجد سيطرة مدنية للحركة. وحتى لو قتلنا ألف مخرب، ستظل حماس مسيطرة هناك. سألته: ماذا تقترح أن نفعل؟ فأجاب: علينا أن نسيطر على توزيع المياه. وتساءلت: لماذا لا يحدث هذا؟ أجاب: ضابط الفرقة المكلفة الاهتمام بالسكان المدنيين، يجلس من دون عمل، لأنه لم يحصل على موافقة من المستويات العليا لمعالجة الحاجات المدنية للسكان».
كما يقول رامون إنه قبل شهر، عرف وزير الأمن غالانت فجأة «أن 60 في المئة من المساعدات الإنسانية تذهب إلى حماس وحينها، خطرت في باله فكرة رائعة: دعونا نقوم بتجربة في حي الزيتون! وننقل المساعدات الإنسانية مباشرة إلى تجار محليين، يوزعون الغذاء والدواء على السكان للتأكد من عدم سيطرة الحركة عليهم بالقوة، على أن تسمح إسرائيل لقوى مسلحة لا تنتمي إلى حماس بالدفاع عن هؤلاء التجار». ويرى رامون أن مثل هذه الأفكار الخيالية، لا نجدها حتى في عالم ديزني ويبدو أن وزير الأمن غالانت لا يعرف أن القوى المسلحة الوحيدة في قطاع غزة هي «عصابات إجرامية» أغلبيتها تتعاون مع «حماس» وبعضها شارك في «مذبحة» 7 أكتوبر، ويحتفظ بعدد من المخطوفين. وعن ذلك يتابع مستهزئا: «مرّ شهر، وبصورة مفاجئة، لم يتم العثور على تاجر غزّي واحد مستعد لتوزيع المساعدات، وبحماية العصابات. ما زال الجزء الأكبر من المساعدات يصل إلى حماس، وتتعرض إسرائيل لانتقادات دولية لأن جزءاً قليلاً من المواد الغذائية التي تدخل إلى القطاع يصل إلى السكان المدنيين، بينما ترمّم حماس سلطتها المدنية بالتدريج، بما في ذلك في المناطق التي احتلها الجيش الإسرائيلي». ويرى رامون أنه واثق بأن وزير الأمن شاهد الفيديوهات التي سجلت سيطرة ناشطي «حماس» على شاحنات المساعدات التي تدخل من معبر رفح، ويبدو أنهم لم يفهموا أن مَن يسيطر على توزيع المساعدات الإنسانية هو الذي يسيطر على القطاع مدنياً. لافتا إلى أن غالانت لم يأمر بوقف دخول المساعدات الإنسانية من مصر، على الرغم من أن كل المواد الغذائية والأدوية التي تدخل من هناك تصل إلى «حماس».
وبشأن الحال المأمول بالنسبة له يقول رامون إن وزير الأمن غالانت، قام هذا الأسبوع بجولة ليفحص، عن قرب، الاستعدادات العملانية لإقامة رصيف بحري فأوضح أن المساعدات من البحر ستساعد على تحقيق هدف القضاء على سلطة «حماس». ويتساءل رامون مستخفا بغالانت فهل المساعدات التي ستدخل عبر المرفأ، وليس من المعابر، يمكنها تغيير صورة الحرب؟ عن ذلك يتابع: «غالانت لديه حلول. لكن الأمور تتدهور، ولا سيما بعد إعلان الرئيس بايدن أن إسرائيل هي التي ستحمي المرفأ. وفي الواقع، هذه الخطة وافق عليها كابينيت الحرب: الجنود الإسرائيليون يحمون المرفأ الأمريكي، ويكونون في مرمى هجمات حماس والتنظيمات الإرهابية الأُخرى في القطاع؛ ليس هناك طرف أمريكي، أو إسرائيلي، يستقبل شحنات المساعدات ويوزعها على السكان، أي إن الإمدادات ستظل تصل، في معظمها، إلى يد حماس، لكن هذه المرة، بمرافقة وحماية إسرائيلية؛ وستتدفق الجماهير الفلسطينية إلى المرفأ الأمريكي للحصول على المساعدات خلال تفريغ الحمولة، وسنرى صور الجنود الإسرائيليين يطلقون النيران على الغزّيين الجائعين في وسائل الإعلام الدولية، الأمر الذي لن يؤدي بالتأكيد إلى تحسين صورتنا في العالم».
خطة وهمية
ويخلص رامون في انتقاداته للقول «يبدو أن الإنتاج المشترك الذي يحمل اسم (مرفأ أمريكي، حماية إسرائيلية، مساعدة إنسانية لحماس) سيشكل البرنامج الأكثر غباءً في تاريخ المنطقة. إن الخطة الوهمية لتجار محليين بحماية قوات مسلحة لا تنتمي إلى حماس، ومرفأ أمريكي بحماية إسرائيلية، هي محاولة للهرب من الحل الأمثل للوضع في القطاع، ألا وهو إقامة حُكم عسكري موقت». ويقول إنه في المقابل، يتعين على إسرائيل البدء بمفاوضات مع الولايات المتحدة والدول العربية المعتدلة، بمشاركة السلطة الفلسطينية، بشأن الجهة الرسمية التي ستنتقل إليها السلطة المدنية في القطاع في نهاية الأمر (السيطرة الأمنية على القطاع ستبقى في يد الجيش الإسرائيلي في المستقبل المنظور، كما هي الحال في الضفة الغربية). منوها أن من لا يحب مصطلح «حُكم عسكري موقت» يمكنه أن يتبنى مصطلح «حُكم إنساني» دعا إليه الوزير جدعون ساعر، لكن في نهاية الأمر، يتعين على إسرائيل السيطرة على توزيع المساعدات، وعلى السلطة المدنية. ويضيف «بالتأكيد، هذا الحل ليس جيداً، لكن لا يوجد حلّ أفضل منه. الدولة التي تحتل أراضي تكون مسؤولة عن السكان المدنيين في الأراضي المحتلة. هذا ما يقوله القانون الدولي والمنطق البسيط. إن محاولات إسرائيل التهرب من هذه المسؤولية تؤدي إلى توريطها في خطط أسوأ كثيراً». ويعتبر أنه حالياً، هناك طرفان قادران على توزيع المساعدات الإنسانية والسيطرة المدنية على القطاع: إسرائيل، أو «حماس» وإذا تخلت إسرائيل عن توزيع المساعدات والسيطرة المدنية، فإنها ستتخلى عنها لـ»حماس» وإذا أقامت إسرائيل حكماً عسكرياً موقتاً يتحمل مسؤولية توزيع المساعدات الإنسانية، فلن يكون هناك حاجة إلى مرفأ أمريكي في غزة.
ويختتم رامون مقاله بالقول إن إقامة حُكم عسكري موقت عملية غير سهلة، لكن الجيش قادر عليها بالتأكيد وبما أنه من واجب إسرائيل القضاء على الإطار العسكري لـ»حماس» فمن الواضح أن القضاء على سلطتها المدنية لا يقلّ أهمية. ويضيف «من المؤسف أن غالانت الذي قال إن القضاء على السيطرة المدنية للحركة هو هدف مركزي للحرب منذ البداية، لم يفهم كيف يحقق هذا الهدف، بعد مرور خمسة أشهر على القتال».