القاهرةـ «القدس العربي» بدأ الدكتور جابر عصفور ولايته الثانية لوزارة الثقافة بعد 30 حزيران/ يونيو بتصريح هو الأغرب من نوعه حيث قال أنه ينتوي إلغاء السلاسل الأدبية التابعة للهيئة العامة لقصور الثقافة لكون الهيئة جهة غير منوط بها إصدار الكتب وتولي عملية النشر وكاد التصريح الشفاهي أن يتحول إلي قرار قابل للتفعيل لولا صيحات المثقفين التي تعالت بالاحتجاج والرفض فألغي القرار قبل أن يرى النور ولكنه خلف أصداء سيئة أدت إلى القلق العام على الحركة الثقافية في ظل حالة التنمر.
وقد فسر البعض تصريحات السيد الوزير أنها البداية لضربات انتقامية تحت الحزام سوف يتلقاها المثقفون تباعا بلا هوادة فيما رأى آخرون أن ما حدث إنذار بتطهير الوزارة من الداخل بكافة قطاعاتها الحيوية والبدء في ضبط إيقاع النشر ضرورة حتمية لا يمكن الخلاف عليها حتى لو أن الهيئة العامة لقصور الثقافة منوط بها ذلك فلا مانع من أن يشملها الإصلاح وعلى هذه الأرضية تم التفاهم وعادت حركة النشر بالهيئة سيرتها الأولى ولم يحدث ما يعكر الصفو.
واعتقادا من أصحاب النوايا الحسنة أن الوزير بالفعل يريد الإصلاح وترتيب البيت من الداخل أشاروا إلى ما يستوجب الانتباه ويستلزم قرارات حاسمة للحد من الفوضى والهرجلة وكان من بين ما أشير إليه قصور الثقافة في أقاليم مصر المحروسة حيث أنها الأولى بالعناية والرعاية بعد أن صارت مجرد هياكل لا تنطوي على أي مضمون حقيقي يمت للثقافة بصلة اللهم غير المسمى القديم الذي يوحي بنسبها للثقافة مجازا.
وفي هذا الإطار تم تقديم عشرات الأدلة والوقائع التي تثبت حاجة هذه القصور المنيفة لإعادة النظر في نشاطاتها الوهمية المدونة فقط في الأوراق الرسمية ومحاضر الاجتماعات خطط التنشيط والتنسيق ودفاتر الحضور والانصراف والميزانيات والحوافز والعلاوات والبدلات والذي منه وعلى الرغم من كل ما كتب عن تهاوي الدور الثقافي وتلاشيه في العديد من القطاعات لا سيما قطاع السينما الذي تخصص له إدارة مستقلة بميزانية مستقلة ولا يمثل العمل بداخلها إلا حرثا في الماء فلا أثر ولا صدى ولا مردود يذكر برغم التدشين وجيوش الموظفين الجرارة في قصور الثقافة المعنية.
كل هذا وغيره تمت الإشارة إليه وثبت بالتجربة الحية ولكن لا حياة لمن تنادي فوزارة الثقافة في واد والقائمين على الأنشطة الوهمية في واد آخر فلم تفلح الكتابات في تغيير شيء فكل ما كانت تعانيه الثقافة في عهود سابقة ما زالت تعانيه حتى اللحظة دون ادنى محاولات جدية لعلاج الخلل ليس على مستوى الأقاليم وحسب إنما شمل العطل الفني والإداري القطاعات الرئيسية بالقاهرة إلى عدم الاكتراث نهائيا بما يحدث في أي إقليم.
المدهش في الأمر أن الدكتور جابر عصفور وزير الثقافة بدلا من أن يلتفت للنقد الموجه لوزارته ومؤسساتها الثقافية وينظر بعين الاعتبار لما يكتب بافتراض حسن النية فعل العكس وانتفض مدافعا عن نفسه فقام بتقديم بلاغ ضد الناقد السينمائي والكاتب الصحافي طارق الشناوي الذي وصفه وصفا مجازيا بوزير الانتقام وهو تنويع على دور الفنان أنور وجدي في الفيلم الشهير «أمير الانتقام « وهي لغة نقدية ساخرة تستهدف الإثارة الذهنية لدفع الوزير لقراءة المقال والنظر إلى حيثيات الحكم الشخصي للكاتب وليس بقصد الإساءة أو التشهير وفق ما تم الاتكاء عليه في دوافع البلاغ الذي يمثل حالة استثنائية في تاريخ العلاقة بين وزير الثقافة والمثقفين على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم فلم نعهد من قبل هذا الإجراء القانوني ضد صحافي او كاتب أو ناقد اختلف مع أي من وزراء الثقافة السابقين بما فيهم بالطبع فاروق حسني الأطول عمرا في وزارة الفكر والحوار والجدل فلم يحدث على مدار عشرون عاما وزيادة أن قام الوزير المذكور بمثل هذا التصرف برغم حدة الخلافات بينه وبين المثقفين وشراسة النقد الذي وجه إليه من القاص والداني.
والاستشهاد هنا ليس بغرض الدفاع عن فاروق حسني أو تمييزه ولكن الشيء بالشيء يذكر وباعتباره الوزير الذي قاربت ولايته الثقافية ربع قرن وصاحب الرصيد الأوفر من المعارك الطاحنة فإن المقارنة به واجبة وقد عمل معه الدكتور عصفور كأمين عام للمجلس الأعلى للثقافة ويعرف تماما ما نقوله ولديه بالقطع أكثر مما لدينا عن طبيعة المرحلة الماضية وما شابها من خلافات ومشكلات.
لا شك أن هذه الواقعة مثلت شرخا في العلاقة بين الدكتور جابر عصفور والمثقفين خاصة أولئك البعيدين عن دائرة المصالح فلو أنه ترفع ورد على المقال محل الأزمة بمجرد تصريح أو تصحيح لما كان حدث هذا الشقاق في الصف الثقافي فالقانون يمكن تطبيقه بأكثر من وجه وكما كتب طارق الشناوي مقالا استفزازيا كان بإمكان الوزير أن يكتب ردا أكثر استفزازا وعند هذا تنتهي الأزمة فليس بالبلاغات يرهب الكتاب وتردع الأقلام.
كمال القاضي