محمد الأشعري، وزير الثقافة المغربي الأسبق
محمد الأشعري، وزير الثقافة المغربي الأسبق
الرباط – “القدس العربي”:
يعيش المغرب أزمة فقدان مصداقية النخب السياسية والثقافية، وعدم القدرة على تجديد النخب السابقة التي انتقل جل رموزها للحياة الأخرة، أو اعتكفوا بعد عملية استبعاد متعمد وتشويه مقصود، وهو ما شكل محور ندوة “انعدام مصداقية النخب أم وعكة مؤسساتية؟” نظمتها مؤسسة أبو بكر القادري، بمدينة سلا يوم السبت 7 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري.
وقال محمد الأشعري، وزير الثقافة الأسبق والقيادي السابق في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إن الدولة كان لديها هاجس إزاحة النخب القديمة من دون أن تنجح في إنتاج نخب جديدة ذات مصداقية، وإن هذا التوجه الذي بدأ في نهاية الثمانينيات ونهاية التسعينيات حيث ساد نقاش حول ضرورة تجديد النخب، حتى صار يعتقد أن النخب القديمة في الأحزاب الوطنية هي سبب تأخر النظام السياسي المغربي.
وقال الأشعري: النتيجة أننا أصبحنا اليوم نَحِنّ إلى النخب القديمة، فالتجديد قد تم بشكل كبير داخل الأحزاب ومؤسسات الدولة، حيث تم تغيير الوجوه والخطاب والمقاربات، ولكن برغم ذلك تيار واسع داخل المجتمع أصبحوا يتمنون لو يتم إعادة إنتاج نخب الماضي، ما يؤكد وجود أزمة بين المجتمع والنخب وأن مسار تجديد النخب في المغرب فشل فشلا ذريعا، ليس فقط لأنه اعتمد مقاربات سيئة، ولكن الأساسي أنه لم ينتبه إلى أنه لا مكان في صناعة النخب للمواصفات الجاهزة أو للترتيبات الفوقية.
وأضاف: إن النخبة في السياق الغربي وحتى لغويا تشير إلى “الاصطفاء” و”الانتخاب” أي أن النخبة مجموعة منتقاة ناتجة عن فرز طبيعي داخل المجتمع، وهذا جانب “تلقائي” في إنتاج النخب يضاف إليه جانب “الصناعة” التي تدخل فيها المدرسة والمؤسسات والهيئات الحزبية والحركات الدينية والأخلاقية وغيرها.
واعتبر محمد الأشعري، وزير الثقافة (1998-2007) أنّ المغرب لم يتوفّق في تجديد نُخبه، وأن من المفارقات في مسألة تجديد النخب في المغرب أنَّ الدعوة إلى تجديد نُخب المملكة يوازيها، في المقابل، تحسُّر على النخب القديمة “الإحصاءات تؤكّد أنّ نُخبَ المؤسسات المنتخبة والحكومات والهيئات الحزبية نسبة كبيرة منها تجدّدت خلال العشرين سنة الأخيرة، ولكنَّ تيّارا واسعا في المجتمع يتمنى استعادة إنتاج نُخب الماضي، وهذا وضع غريب يسأل عنه الجميع”.
وقال إنَّ هذا الحنين إلى زمن نُخب الماضي معناه أنّ مسار تجديد النخب فشل، بسبب اعتماد مقاربة خطأ في عملية التجديد، وعدم الأخذ بعين الاعتبار تعقّد هذه الإشكالية وربط توسع الهوّة بين هذه النخبة السياسية والمجتمع بـ “انهيار القناعة في الانتخابات”، في سياق دخول المال المجال السياسي، عبر شراء “الناخبين الصغار” ثم ابتياع “الناخبين الكبار” وقال إقحام المال في المجال السياسي هو “الطبخ الهادئ للفساد”، ولم يأتِ مصادفة، “بل جاء لتعميم قوة سياسية تريد ألا تتقدم الحياة السياسية في المغرب بشكل سليم”.
أما بالنسبة للنخبة الثقافية فإن “الظاهرة الإبداعية في بلدنا على قدر كبير من الهامشية، فأعلى سقفٍ من المبيعات يمكن أن يبلغه كتاب ناجح لا يمكن أن يتعدّى، في أحسن الأحوال، ألف نسخة” وهناك التراجع المهول للقاعات السينمائية، وتراجع العروض المسرحية، محمّلا جزءا من مسؤولية هذا الخفوت إلى النخبة نفسها لأن “هذه النخبة التي نتحدث عنها هي نفسها لا تحضر الندوات ولا تحضر المعارض، حتى صرْنا غرباء عن بعضنا”.
واستبعد الأشعري انفراج “أزمة النخبة” في المغرب، في ظلّ الوضع القائم، “تجاوز الأزمة بين المجتمع والنخبة يتحقق حين تكون الصفوة هي التي تسيّر الأمور، لأنها تشعر بالشرعية، كونها منبثقة من المجتمع، وهذا الوضع غير متوفّر في المغرب”. والوضع القائم في الوقت الراهن لا يمكن أن يؤدّي إلى أيّ إصلاح، ولا يمكن أن يفضي إلى تشكّل نخب جديدة، قادرة على نيل ثقة المجتمع، مشيرا إلى أنه “من دون إصلاحات سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية عميقة لا يمكن حلُّ إشكالية علاقة المثقف بالمجتمع”.
وقال مصطفى السحيمي المحلل السياسي وأستاذ القانون الدستوري، إن أزمة مصداقية النخب السياسية تختلف باختلاف نوعية هذه النخب بين تلك الاقتصادية والسياسية والثقافية وقال إن النخب الاقتصادية تعاني بشكل أقل من فقدان المصداقية، مقابل معاناة أشد تعانيها النخب الثقافية من تهميش تساهم فيها أزمة القراءة لدى المواطن المغربي التي تزيد مواقع التواصل الاجتماعي من استفحالها، بتفضيل قراءة المحتوى الإلكتروني الضعيف على ما ينتج من إصدارات.
وأضاف السحيمي إن مظاهر أزمة مصداقية النخب السياسية تظهر بشكل أكثر من خلال مستوى المشاركة الانتخابية، وأن المشهد السياسي يعيش تناقضا صارخا، ففي حين تتم مضاعفة العرض السياسي ليصل إلى 34 حزبا، تنخفض نسبة “الطلب” الذي تؤكده نسب المشاركة في الانتخابات، ما يبرز وجود قطيعة بين المجتمع والعملية الانتخابية ومن بين 23 مليون مغربي يحق لهم التصويت، فقط 15.7 مليون مسجلون في اللوائح في حين لم يتجاوز عدد المصوتين 6.5 مليون بينهم 800 ألف صوتوا سلبا، إما بورقة فارغة أو بورقة ملغاة، وذلك يعود إلى طريقة إنتاج النظام للنخب، وهي الطريقة التي ورثها العهد الجديد عن سابقه، من خلال التحكم في إنتاج هذه النخب، حيث يتم الاقتصار على تقديم نخب تكنوقراطية وليست سياسية.
وقال إن هذه العملية أيضا يحكمها منطق “قاعة الانتظار” ، فإذا أردت أن تدخل إلى “القاعة” يجب أن تحجز تذكرتك وتنتظر مع الباقين، وقد يتم المناداة عليك وقد لا يتم ذلك وإن الأحزاب بدورها تسهم في هذه الأزمة لافتقادها التدبير الديمقراطي داخليا، وعدم تقديم نخبها إلى المواطنين في المواعيد الانتخابية، مع تفضيل رجال الأعمال عليهم، مضيفا إن بعضها لا يمتلك حتى لوائح للأعضاء بل مجرد أشخاص هنا وهناك.
وأكد السحيمي أن هذا الوضع لا يمكن أن يتغير إلا إذا تم هناك تغيير على مستوى المجتمع، وأن هذا المشكل سيبقى مطروحا حتى إذا مررنا إلى الملكية البرلمانية لأن طريقة اشتغال “نظام” إنتاج النخب هو نفسه.
وقال محمد نور الدين أفاية، أستاذ الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط، إنّ “الحصار” الذي فرضته السلطة السياسية في المغرب، منذ ستّينيات القرن الماضي، على المثقف، كانت له تداعيات سلبية جمّة ما زالت آثارها قائمة إلى اليوم، وتعرضت الثقافة في المغرب لـ “عملية إجهاض سياسيّة حقيقية” حيث لا يزال يؤدي أثمانا باهظة للاختيار السياسي الذي نهجه إزاء الثقافة والمثقفين”.
وأوضح افاية إنّ “الأثمان الباهظة التي يؤدّيها المغرب تشمل سياسته وثقافته على حد سواء، وكذا طرق حضور الذاتيّة المغربية، سواء أمام ذاتها أو أمام العالم”، وأنّ السياسة التي نهجتها الدولة لمحاصرة الفعل الثقافي لم تقتصر فقط على الحدّ من الحريات، بل استهدفت الذكاء من خلال محاصرة التفكير والتبرم من الإنسان ودعا إلى استحضار “التاريخ الطويل من الحرب التي تعرّض لها المثقفون على يد السلطة” حين الحديث عن النخبة الثقافية وأدوارها في المجتمع بالمغرب.
وقال إنّ مرحلة الستينيات من القرن الماضي مثّلت الفترة الذهبية للإبداع والنزوع إلى إثبات الذات المغربية؛ وذلك بتبرّؤ النخبة الثقافية من التقليد والمحافظة اللذين ميزا الثقافة المغربية لقرون، وانخراط مجموعة من المبدعين والمفكرين الشباب في معمعة التفكير والكتابة، بهدف إعلان الانتماء إلى الزمن المعاصر، سواء تحت تأثير الثقافتين الفرنسية أو الإسبانية أو الثقافة العربية النهضوية.
واعتبر الخطة التي لجأت إليها الدولة للمواجهة قامت، بالأساس، على “شحن التعليم والإعلام وكل فضاءات العيش بِجراثيم الإسلام السياسي، الصريح والمقنع، بهدف محاصرة كل نزعات عصرية إلى إثبات الذات، وخلق الثقة في الإنسان، والتحرر”.
واضاف أفاية إنّ الوضع السياسي والاجتماعي بالمغرب في العقدين الأخيرين “كشف عن أوهام النخبة حول ذاتها، وأخضع أساطيرها لامتحان عسير، جعلها تتساءل عن قيمتها الفكرية والرمزية وفعالية أدائها في سياق سياسي مغربي لا يملك تقاليد الاعتراف ومبادئ الانصاف” حيث أن “المغربي بدأ يفقد الثقة في أفكاره وفي نفسه أمام سطوة السياسي وضجيج وسائل الإعلام، لأنّ الإطارات التقليدية التي ما زالت تسمح للمثقف بالتعبير عن إنتاج أفكاره، مثل الجامعة، تتعرض للإهمال التدريجي، بل وتتعرض للانهيار”.
وانتقد سيطرة أصوات احتلّت مكانة المثقفين بقوة وسائل الإعلام “وسائل الإعلام بمختلف أنواعها حرَّكت أصواتا وأقلاما تسوّق خطابات تدّعي أنها تملك الكفاية والمشروعية للحلول محل المثقف النقدي، والمؤرخ، والسياسي المعارض، والأحزاب”.
وقال إن هذا الوضع الناجم عن انهيار الجامعة واحتواء السياسي والتباس الأدوار، يجعل المثقف المغربي يتقدم في مجاله وعطائه “وكأنه فقد البوصلة”، وانعكس ذلك، حسبه، في لجوء جزء من المثقفين إلى التمسك بلغة الخشب، في حين التجأ آخرون إلى الصمت، إما احتجاجا على “التلوث السائد أو الالتباس المستشري، أو توخي بعث رسالة بالانكفاء عن الذات والانغماس في غربة مريحة، لأن التفكير لم يعد مجديا، ولأن الجمهور الذي من المفترض أن يتلقاه لا يرقى إلى مستوى إدراكه ومواكبته، ولأن هناك قنوات جديدة ودعاة جدد في الاستراتيجية أصبح لهم التأثير الأكبر”.