وزير الثقافة والفنون والتراث القطري حمد بن عبد العزيز الكوّاري: قطر تعرضت لحرب قذرة من دول الحصار أثناء انتخابات اليونسكو

حاوره: نورالدين قلالة
حجم الخط
1

حمد بن عبد العزيز الكوّاري دبلوماسي ورجل دولة ومثقف قطري، يشغل منصب وزير الثقافة والفنون والتراث، ومستشار في الديوان الأميري القطري. عمل سفيرا لقطر ما يقرب من 21 سنة ووزيرا حوالي 14 سنة، كما كان ممثلا رسميا لدولة قطر لدى منظمة اليونسكو والأمم المتحدة. وهو أيضا كاتب ومثقف صدرت له كتب عدة منها “جدل المعارك والتسويات” و”المعرفة الناقصة” و”على قدر أهل العزم” ومؤخرا صدر له كتاب هو عبارة عن وثيقة مرجعية لرحلة ترشحه لمنصب الأمين العام لليونسكو وقد اختار له عنوانا مثيرا “وظلم ذوي القربى…الطريق إلى اليونسكو”. بدا هذا الكتاب كأنه امتداد لخبرات صاحبه الوزارية والدبلوماسية والثقافية والإنسانية، وشهادة للتاريخ تفضح خبايا وملابسات المؤامرة الكبرى التي تعرض لها من بعض الدول العربية خاصة من دول الحصار التي شنت حملة لإضعافه والتصويت ضده، وجمع الأصوات لفائدة خصمه المرشحة الفرنسية أودري أزولاي.

في هذا الحوار الذي خص به حمد الكواري “القدس العربي” يكشف وزير الدولة القطري عن قصص وأحداث كثيرة ومثيرة تخص رحلته الانتخابية إلى يونسكو، ومواقف دول الحصار وتعاملهم مع قطر خلال السنوات الأخيرة.

وفي ما يلي نص الحوار:

*صدر لك قبل أيام قليلة كتاب جديد بعنوان “وظلم ذوي القربى…الطريق إلى اليونسكو ” يبدو أنه يحمل إشكالية ما، فلماذا أصدرته ولماذا الآن؟ ومن هم الأقرباء الذين وصفتهم بالظالمين؟

**أنا أؤمن إيمانا مطلقا، أن إيذاء مؤسسة ما أو دولة ما أو إنسانا ما خاض تجربة معينة، فإن هذه التجربة يجب أن تُسجل، لأن تعلم الأمور يأتي من التجارب نفسها وهذه التجارب في مجملها هي التاريخ. كان لي كتاب في السابق بعنوان “على قدر أهل العزم” وهو عن تجربتي كوزير ثقافة، هذا الكتاب نجح نجاحا ساحقا، والحمد لله، وترجم إلى الانكليزية والفرنسية والإسبانية وخلال هذا الشهر سيترجم إلى التركية والصينية. وعليه فإن تجربتي كمرشح للأمانة العامة لليونسكو مهمة جدا ليس لي وإنما للعرب وللعالم، لأنها تجربة فريدة من نوعها خاضتها مجموعة من الدول الكبرى كفرنسا والصين ومصر صاحبة التجربة ثلاث مرات، ولبنان بما يملكه من جاليات ومغتربين في كل مكان في العالم، وفيتنام بما للعالم من تصور عن انتصارها على الولايات المتحدة، وقطر أيضا ولم لا؟ لكن يجب أن أعترف أن الأمر لم يكن سهلا، كان يحتاج إلى جرأة كبيرة، في أن تخوض هذه المعركة ضد كل هذه الدول الكبرى. لكنني أقول لك الحق، الصورة كانت واضحة تماما بالنسبة لي.

*كيف كانت واضحة؟ ماذا تعني بذلك؟

**واضحة في صورة أن الكثير من المراقبين والمهتمين بهذه الانتخابات كانوا يعتقدون أن حمد الكواري المرشح القطري سيحصل على 5 أصوات ويخرج من المرحلة الأولى، الصين نفسها أخذت 5 أصوات، الأمر عادي. لكن المفاجأة الكبرى أن حمد الكواري حصل على 50 في المئة من الأصوات في الدورة الأولى، وباقي الأصوات توزعت على باقي الدول.

أؤكد لك أن سبب إطلاقي هذا الكتاب بهذا العنوان ليس مسألة شخصية، الموضوع أكبر من ذلك بكثير. لدينا ثقافة عربية عظيمة وهذه الثقافة لم يتح لها أن تكون على رأس أكبر المؤسسات العالمية وفي مقدمتها اليونسكو، هذه المنظمة التي تعنى بالتربية والعلوم والثقافة. فأن يأتي شخص ويثبت من الدورة الأولى قدرته على الصمود كان على العرب جميعا أن يقفوا معه. لكن ذلك لم يحدث. ولعلك قرأت في الكتاب أن الإمارات مثلا وقوفها ضد قطر لم يبدأ من الحصار ولكن بدأ قبل ذلك بكثير، والكتاب يجيب على عدة تفاصيل في هذا الشأن. لكن دعنا نبدأ من حيث انتهت انتخابات اليونسكو. في الحقيقة المرشحة الفرنسية لم تفز إلا بفارق صوت واحد، لكن كم دولة عربية صوتت ضد المرشح العربي الذي وصل للنهائي؟ أنا أفهم أن في المراحل الأولى هناك مرشحون عرب كثر، وأنا لا أجد مانعا أبدا أن يذهب صوت العربي لمصر أو لبنان، لكن عندما أصبح المرشح للفوز هو عربي واحد، فإن البعد الاستراتيجي لمصلحة الثقافة والأمة العربية يقتضي أن يصوت له العرب كلهم. الذي حدث أن المرشحة الفرنسية حققت الفوز بفارق صوت واحد، وإذا عدنا إلى هذا الصوت نجد أن المغرب صوت لها لأسباب معروفة، وهي أنها ابنة مستشار للعاهل المغربي محمد السادس، ولبنان صوت لقطر في الجولات الأولى، لكن بعد ضغوط لا حدود لها من طرف السعودية غير موقفه وصوت ضدنا كما فعلت مصر ذلك، والأدهى من هذا كله أن السودان أيضا صوت ضدنا…كيف؟ هذه تحتاج إلى تفسيرات لكي تشعر بالمعنى الحقيقي لذوي القربى.

السودان قبل عامين من الانتخابات دخل المجلس التنفيذي بعد انتصاره على السعودية ليكون إلى جانب قطر، لأنه بالإضافة إلى العلاقات السياسية والاقتصادية الممتازة، قطر قامت بترميم الآثار في السودان بكامله، وكان الرئيس البشير يشعر بالامتنان لقطر، لذلك كان السودان طول فترة الانتخابات يدعمنا أثناء الدورات الأربع. في هذا الوقت كان وزير الخارجية المصري يلتقي السفراء الأفارقة، وفي كل اجتماع كان يقول للسفير السوداني كيف تصوت لقطر؟ صوت لنا وإذا لم ننجح صوت لفرنسا، فيقف السوداني ويقول نحن لدينا التزام أدبي ومكتوب لا نستطيع أن نغير موقفنا، وأود أن أضيف هنا أنه قبل شهر، كان الرئيس السوداني آنذاك عمر البشير في القاهرة وسئل في مؤتمر صحافي وقال بالحرف بغض النظر عن العلاقات الممتازة بين السودان ومصر، أنا آسف موضوع اليونسكو تم البت فيه وسنصوت لقطر.

*في النهاية أربع أو خمس دول عربية كان بينها إجماع للتصويت ضد قطر فاختل التوازن!

**لحظة من فضلك. يجب أن تعلم أنه في آخر يوم وقف ممثل السودان وفاجأ الجميع وهو يقول بأن تعليمات جديدة وصلته من الرئيس البشير تقضي بالتصويت لصالح فرنسا وليس قطر. إذن لدينا أربعة أصوات عربية صوتت لفرنسا ونحن خسرنا بفارق صوت واحد، من السبب في الخسارة؟ طبعا هنا لا مجال للحديث عن الأجانب. من هم هؤلاء؟ أليسوا ذوي القربى؟ أعتقد أن العنوان في الكتاب أمر مهم جدا وهو واضح ولا يحتاج لتفسير. لو أن دولة عربية واحدة صوتت لصالح قطر لتغير الموقف. في اليوم الموالي اتصل بي السفير السوداني يعتذر ويقول إن تعليمات مباشرة من البشير غيرت الموقف بسبب ضغوط اقتصادية وسياسية كبيرة من السعودية والإمارات. أليس ذلك بظلم ذوي القربى للثقافة العربية وليس لقطر أو حمد الكواري؟

*هذا يقودنا إلى السؤال لماذا تقريبا الدول نفسها التي تعرضت لقطر في انتخابات اليونسكو هي التي تفرض عليها حصارا منذ 5 حزيران/يونيو 2017؟ ما هي الأسباب في نظرك؟ لماذا كل هذا التحامل على قطر والسعي لمنعها من الوصول لمنصب في مؤسسة ثقافية كاليونسكو أو عرقلتها لتنظيم بطولة كمونديال كرة القدم؟

**إذا استطعت أن تفسر لي منطقية الحصار الذي تفرضه هذه الدول من دون وجه حق، أستطيع أن أفسر لك ما حدث في اليونسكو. ليس هناك أي منطق للحصار، مثلما ليس هناك أي منطق للتصويت ضد قطر في اليونسكو. الدول تختلف وتتصادم وتتعارض لكن لا يصل الخلاف إلى هذا الحد. الذي حدث جريمة في حق الثقافة العربية مع سبق الإصرار والترصد. ودعني أبوح لك بشيء ما، الإمارات لديها حقد دفين ضد المرشح القطري منذ البداية. حاولت أن تقنع غسان سلامة بالترشح. غسان مثقف عربي لا شك في ذلك، وهو صديق لي وأنا أحترمه كثيرا. لكن الصدفة أن غسان كان أول من اتصلت به وأبلغته بترشحي فبارك الأمر مع أنه لم يكن يؤمن بدور اليونسكو. حاولت الإمارات بكل الطرق وأشاعت في العالم بأن غسان سلامة مرشح لمنصب الأمين لليونسكو لغرض واحد هو إعاقة المرشح القطري. وبلغتنا المعلومات قبل الحصار أنها تسعى لعرقلة مسار قطر في هذا الإتجاه.

*في كتابك تقول إن هذه الدول قدمت رشاوى ودعمت بعض المرشحين بأموال طائلة إما لزيادة حظوظهم في الفوز أو لدفع آخرين للتصويت ضدكم، كيف حدث ذلك؟

**حدث أكثر من ذلك، هناك دولة في أمريكا الوسطى وهي نيكاراغوا، لدي علاقات جيدة مع رئيسها دانييل أورتيغا منذ أمد طويل، زرت هذه البلاد والتقيت بالرئيس الذي أكد لي أنه يرغب في رؤية أحد أبناء دول العالم الثالث على رأس اليونسكو، وبعد يوم من الزيارة تسلمت رسالة موقعة منه تفيد بأنه مقتنع تماما ببرنامجي، وأنه تأكيدا لموقفه الداعم لقطر سيوفد ابنه إلى باريس ليضمن 100 في المئة أن نيكاراغوا ستصوت لقطر. لكن قبل الانتخابات بثلاثة أو أربعة أيام اتصل ابن أورتيغا ليقول بأنه لن يستطيع المجيء، وقال لنا “سأكون صريحا جدا معكم، لقد حصلنا على مبلغ من المال مقابل عدم التصويت لكم وإعطاء صوتنا لفرنسا” وأضاف قائلا “هذا المبلغ ربما يبدو لكم ضئيلا لكنه بالنسبة لنا مبلغ كبير”.

*كم كان المبلغ؟

**ليس لدي الرقم بالضبط، لكنه يتراوح ما بين ستة إلى ثمانية ملايين دولار. وأعتقد أنه لم يتم تسليم المبلغ نقدا، ولكن عن طريق تمويل مشاريع في الدولة.

*ألا ترى أن المبلغ ليس هينا من أجل صوت واحد؟

**لا أحد يقوم بعمل مثل هذا إلا من أجل العداء، العداء المطلق غير المبرر. والآن بعدما فرضت هذه الدول الحصار على قطر…

*طبعا لم تتفاجأ.

** فوجئت. لأن الحصار كان صدمة بالنسبة لي. لكنني كنت أعرف أن الإمارات ضدنا وتعمل تحت الطاولة. لكن بعد الحصار أصبحت تعمل فوق الطاولة، وحاولت أن تقنع شخصية إيطالية كان رئيسا لجمعية الصداقة الإيطالية الإماراتية بأن يرشح نفسه، وفعلا أرسل أوراق الترشح، لكن اتضح أن لديه مشكلة في شهادته الجامعية حيث شنت عليه الصحافة المحلية حملة كبيرة جعلته ينسحب.

أنا لا أريد أن أتكلم عن الإمارات في قضية الحصار، لأنني كنت قد حسمت أمري بشأنها، لكنني أتكلم عن السعودية والبحرين، كنت أتصور أن هذا بعد استراتيجي وأن الخلاف بيننا مؤقت، خلاف أشقاء، وكنت أتصور على عادة أهل الخليج عندما يلتقون في المجالس يزول كل شيء، هكذا هي قيمنا وأخلاقنا وتصرفاتنا. فعلا خلال الأيام الأولى كان لدي هذا الانطباع، وإذا بالأيام تتلو بعضها بعضا لتؤكد أن هذه القيم وهذه الأخلاق غير موجودة.

*على الرغم من هذه التجربة المريرة في انتخابات اليونسكو، هناك من علق على الحادثة بقوله لقد فازت فرنسا لكن تألقت قطر.

**مع احترامي لفرنسا وهي دولة كبرى كما أنها دولة المقر، لكنها في الدورة الأولى والثانية لم تحصل على أرقام كبيرة وقيل إنها كانت ستنسحب، لكن الإمارات والسعودية أصرتا على بقائها ومواصلتها للسباق.

*لماذا؟ هل لأنها مرشح قوي؟ وهل يحق قانونيا لدولة المقر أن تترشح؟

**قانونيا نعم يحق لها الترشح. لكنها ليست مرشحا قويا، بل هي أضعف المرشحين، الإمارات والسعودية قدموا لها الدعم اللازم والكافي بجمع الأصوات. وأعتقد أنهم لو كانوا يعلمون قبل الدورة الأولى أن قطر ستحصل على كل هذه الأصوات (21 صوتا) لعملوا ما لا يٌعمل. حملتهم ضدنا اشتدت بعد الدورة الأولى، لماذا؟ بعد أن أدركوا أن حمد الكواري مرشح قطر يمكن أن يصل فشعروا بالخطر، ومن ثم قرروا أن لا يتركوا وسيلة أو تحركا إلا قاموا به لمنعي من الوصول إلى الهدف. حتى السفراء الأجانب عندما كنا نلتقي بهم كانوا يتعرضون لمضايقات قبل أن يصلوا إلينا. اتصالات وتهديدات وغيرها. المصريون قاموا بأعمال لا تخطر ببال إنسان، الإعلام المصري كان ينشر صورتي ويعلق عليها “هل هذا شكله عربي؟” حتى حياتي الشخصية لم تسلم من ظلمهم وأذيتهم، زوجتي نفسها لم تسلم من شرهم، وقد دونت ذلك في الكتاب إنصافا لزوجتي. مرة يقولون إنها منقبة، وهذا لا يعيبني ولا يعيبها، ومرة يقولون إنها أخت بن لادن. وأحيانا يزعمون كيف لمتزوج من أربع أن يكون على رأس منظمة كاليونسكو…وهكذا.

أثناء الانتخابات الإعلام المصري كان حاضرا بقوة، جاؤوا بعدد كبير ووزعوا صورا ومنشورات مسيئة لي لتخويف الوفود الأخرى من شخصي. كما كان وزير الخارجية المصري يتنمر على بعض السفراء الأفارقة ويمارس عليهم ضغوطا لكي لا يصوتوا لقطر، وأنا ما زلت أذكر هذا الوزير وهو واقف بطوله وعرضه يتنمر على السفير الكيني ويقول له أمام الصحافيين، والصور موجودة، لماذا تصوت لقطر، نحن أفارقة يجب أن تصوت معنا.

وما زلت أذكر لعلك تذكر، بل العالم كله يذكر تلك الصرخة التي انطلقت من عمق القاعة تقول “لتسقط قطر وتعيش فرنسا” ويرد عليها القطري “لتحيا مصر ولتحيا قطر”. هذه هي قطر وهذه هي حكومة مصر ولا أقول مصر.

*كيف تقيم دور مصر بحضارتها ومثقفيها وموروثها الشعبي في ما حدث؟

**لقد توقفت كثيرا عند مصر في الكتاب، وتحدثت عن الحكومة المصرية وليس الشعب المصري، لأنني لم أتلق اتصالات وهواتف ودعما غير مرئي مثلما تلقيته من المصريين، من كتاب ومثقفين. في بعض الصفحات قلت إن مصر هي حب العرب وهي في قلب العرب، وليس من حق الحكومة المصرية أن تحتكر حب مصر، لأن مصر ببعدها الثقافي والحضاري والجغرافي جعلت الكثير من العرب يحبون مصر أكثر من الكثير من المصريين، وهناك كثير من العرب كانوا على استعداد لخدمة مصر أكثر مما يخدمها أبناؤها. ولو وصل حمد الكواري لليونسكو ستكون مصر في عيوننا.

*الكتاب يوثق لرحلتك إلى اليونسكو بلغة تمزج بين السياسة والواقع والأدب، أين تصنف هذا الكتاب، هل هو عمل أدبي إبداعي أم جزء من سيرة ذاتية أم هو شهادة للتاريخ؟

**الكتاب يجمع بين أكثر من جانب، أولا فيه من أدب الرحلات الكثير، حيث يتضمن فصلا كاملا عن القصص الطريفة والظريفة التي حصلت لي أثناء زياراتي حيث زرت أكثر من 70 بلدا، وأردت أن أدون بعض القصص ذات المغزى والأهمية. وأيضا أردت من الكتاب أن لا يكون مجرد كتاب سردي لما حدث. هناك سؤال مهم جدا أجبت عنه بين صفحاته. لم يتم التصويت لحمد الكواري لسواد عينيه، إنما صُوت لي لأن لدي برنامجا كاملا شاملا، ولأن الآخرين اعتقدوا في هذا البرنامج وآمنوا به. عُد بالذاكرة إلى من صوت لقطر ومن صوت للطرف الآخر، ستجد الدول الفقيرة الآسيوية، جنوب آسيا، الدول اللاتينية، الكاريبي وأفريقيا صوتت لقطر، أما الدول الكبرى التي لا تحتاج لليونسكو فهي التي صوتت للطرف الآخر. هذا لديه مغزاه ولديه مدلوله الواضح الذي لا يحتاج إلى تفسير.

دعني أخبرك بقصة من القصص، وهي ذات مغزى كبير وتلخص هذا الأمر، ذهبت إلى بنغلاديش لأطلب الدعم والتقيت برئيسة وزراء هذا البلد، كان الوقت المخصص لي نصف ساعة، فدامت الجلسة ساعة ونصف، تحدثنا بالتفصيل عن برنامجي في التعليم والثقافة وغيرها، عندما انتهى اللقاء، وإذا بوزير الخارجية يعلمني بتنظيم حفل على شرفي بالوزارة ثم يسلمني الموافقة مكتوبة لدعمي في اليونسكو. من هذا المنطلق رأيت أن من الأفضل أن يأتي الشيخ محمد بن عبد الرحمن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية، وهو شخصية لها وزنها، ليلتقي مع الداعمين ويقدم لهم الشكر، لما لهذا الأمر من تأثير كبير.

عندما التقى وزير خارجيتنا بنائبة سفير بنغلادش واسمها السيدة فرحانة وقدم لها الشكر لتصويتها لفائدة قطر خلال الدورات الأربع الماضية، وأكد لها أن الدورة الخامسة والأخيرة حاسمة جدا، قالت له، لا تشكرني لأن هذا موقف الدولة وبتعليمات مباشرة من الرئاسة، ولكن أؤكد لك لو طٌلب مني التصويت لشخص آخر غير حمد الكواري أو دولة أخرى غير قطر لقطعت يدي قبل أن أصوت، وأضافت أن هذا ليس من أجل حمد الكواري وإنما من أجل برنامجه الرائع ومن أجل قطر التي تقف دائما إلى جانب الفقراء والدول المستضعفة. كان شاهدا على هذه القصة حوالي عشرة أشخاص، وإلا لما كنت قد رويتها.

*لماذا يتم تسييس الثقافة في رأيك خاصة في دولنا العربية؟

**الحصار الظالم الذي فرض على قطر وأهلها والذين يعيشون فيها، لم يترك قيمة لم يسئ لها، القيم الاجتماعية لم تسلم من ظلم هذا الحصار. أنت تعرف أن المجتمع الخليجي أسرة واحدة، لا يوجد قطري ليس له أقارب في البحرين أو في السعودية، للأسف الشديد تم قطع هذه الصلات، فأصبحت المرأة الإماراتية المتزوجة من قطري عندما تسافر عبر المطار يطلبون منها ترك أولادها لا لسبب إلا لأن والدهم قطري، هل هذه هي القيم العربية؟ حتى الحروب لها قواعد أخلاقية، حتى الأعداء الذين يتقاتلون فيما بينهم تجد بينهم احترام، لكنهم تخطوا كل هذه القيم وتجاوزوها بجرة قلم. معارض الكتب قاوموها، أي دار تشترك في معرض قطر يرفضون مشاركتها في معارضهم، وأنا أذكر كيف أن الكثير من دور النشر في لبنان وسوريا وعدة دول عربية لم تشارك في الدورتين الأخيرتين بمعرض الكتاب في الدوحة وهذا بتعليمات من دول الحصار.

*كيف يمكن مواجهة مثل هذه السلوكات من بعض الدول في رأيك؟

**أولا، ما لم يكن هناك إرادة سياسية لحل أي مشكلة لن تٌحل. ثانيا، ما لم تكن هناك نية للحوار واستعداد للتفاوض لا يمكن تسوية أي قضية. إذا حدث أي خصام بين أفراد فلا مجال للتوفيق بينهما إلا باللقاء والكلام مع بعض، فما بالك بالدول. وإذا أنت اخترت عدم التحاور وعدم الجلوس إلى مائدة المفاوضات فلا تتوفر فيك الإرادة للسلام. أنا أعتقد أن مفاوضات سنة أحسن من حرب يوم، أنظر ما يحدث في المنطقة الآن بسبب الحصار المفروض على قطر، مع أنه كان بالإمكان تفادي كل هذا بالحوار. ألم يكن أمير قطر الشيخ تميم بن حمد في الرياض قبل المقاطعة بأيام قليلة؟ وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أيضا في السعودية. أما كان بالإمكان أن يقال مثلا “يا صاحب السمو دعنا نلتقي مع بعض ونناقش الأمور”؟ لو توفرت الإرادة الحقيقية لتمت تسوية الخلافات في حينها، ولكن دول الحصار لم تكن لها إرادة لحل المشاكل، الذي كان لديهم هو مجرد أطماع وغطرسة وغرور، فأين العقل وأين الحكمة وأين المسؤولية؟

*هل تعتقد أن هذه الترسبات ستكون لها آثار قاسية في المستقبل على المجتمعات الخليجية وعلى الثقافة العربية عموما؟

**والله هم زرعوا الشر والحقد بين الناس، وأساؤوا إلى القيم الاجتماعية والثقافية. أعتقد أن ما حدث في اليونسكو هو حرب قذرة ضد المرشح العربي القطري الذي استطاع أن يصمد خلال أربع دورات كاملة من الانتخابات الشاقة للفوز بالأمانة العامة لهذه المؤسسة العالمية، ثم ينهزم بفارق صوت واحد، لأن أربع دول عربية صوتت ضده، هل هذا أمر طبيعي؟ ثم نقول الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان دائما ضدنا، لا يجب أن نلقي أخطاءنا على الآخرين. هذه الدورة بالذات لليونسكو تثبت بما لا يدع مجالا للشك، أن ما يتعرض له العرب من تخلف وعدم استفادة من الفرص إنما هو من صنع أيديهم، فهم يخربون بيوتهم بها.

*لكن لماذا قيل عن انتخابات اليونسكو “فازت فرنسا وتألقت قطر” وهل هذا الأمر أخذ حقه بين صفحات الكتاب؟

**الكتاب فيه الكثير من التفاصيل والقصص التي لا يمكن سردها في حوار أو مقال. لكن وكما يقول الإنكليز عليك أن تضيف بهارات أو توابل لتجاربك من خلال القصص الداعمة لها، وهنا دعني أحكي لك عن قصة أخرى. في شهر اب/أغسطس 2016 أي قبل الحصار بحوالي سنة، كنت في باريس وإذا بشخص مصري أو مصرية، لا أريد هنا أن أكشف حتى عن جنسه، هو عضو في اتحاد الكتاب العرب، شخصية معروفة ومرموقة ولا أريد أن أتسبب له في أي أذى، لأن في مصر الآن يتسببون لاعتقال وتخوين أي شخص ولن أعطيهم هذه الفرصة، لأن هذا الإنسان يعرفني معرفة جيدة ويحبني جدا، وفي يوم ما سأكشف عن اسمه، المهم اتصل بي وقال لي بأنه سمع أمرا ما ويرغب في أن يطلعني عنه، وهو أن حبيب الصايغ (الشاعر والكاتب الإماراتي وأمين عام اتحاد الأدباء والكتاب العرب- توفي 20 اب/أغسطس الماضي)، سيتصل بي خلال 48 ساعة ليقول لي بأننا كعرب لدينا مرشحون بارزون من لبنان ومصر وأيضا قطر، ويجب أن نلتقي في أبو ظبي وسنصوت لك لأننا كلنا معك. هذا الإنسان المصري الذي اتصل بي حذرني من مؤامرة تحاك ضدي وبأنهم سيوقعون بي ونصحني أن لا أقبل دعوة الصايغ، الذي اتصل بي فعلا، فأخبرته أن إجابتي على الدعوة سيتلقاها مكتوبة خلال ساعات، وبعثت له برسالة مكتوبة عندما تقرأها تجد أن كل ما تنبأت به كان صحيحا. قلت له أنت تعرف أنني ترشحت لهذا المنصب قبل سنة ونصف وقبل أي مرشح آخر، زرت كل الدول من أجل هذا الأمر، الوحيد الذي لديه برنامج جاهز منذ فترة طويلة، وأنت تعرف سيرة حياتي والخدمات التي قدمتها للقضايا العربية كسفير ثم كوزير، ولدي كتاب عن سيرة حياتي وٌزعت منه 5 آلاف نسخة من كل لغة، ثم إنك تعرف أيضا قطر ومكانتها في التعليم، وكتبت له بأنني أكثر مرشح عربي يمكن أن يصل فلماذا لا تقفون معي بدل هذه التظاهرة؟ وطبعا لم أتلق ردا على هذه الرسالة التي نشرتها كاملة في الكتاب.

*هذا الحلم العربي، أما زال يراودك أم أنك تخليت عن الفكرة؟

**دعني أقول لك أن حمد الكواري وقطر حققا انتصارا في هذه الحادثة رغم عدم تحقيق الهدف. فرنسا التي لا أحد يعرفها كما أعرفها، عشت فيها كسفير لبلدي، مكثت فيها لسنوات أتكلم لغتها ولي كتب بالفرنسية وحصلت فيها على أوسمة من أعلى سلطة فيها من الرؤساء فاليري جيسكار ديستان وفرانسوا ميتران وفرانسوا اولاند. فرنسا لم تترك وسيلة لإقناع العالم، ورئيسها الشاب اتصل بكل رؤساء الدول، لكنه أين وجد الدعم؟ وجده للأسف من دول الحصار التي لم تستهدف فوز فرنسا بقدر ما استهدفت هزيمة قطر، ومع كل ذلك تحصل فرنسا على المنصب بفارق صوت واحد فقط.

ودعني أقول أمر لحد الآن ليس له أي تفسير، عندما انتهت عملية التصويت تم الإعلان عن النتيجة رسميا وعلى الملأ، وهي تساوي المرشح القطري والفرنسي 29/29 صوتا، لكنهم بعد صمت للحظات أو دقائق تم الإعلان مرة أخرى، نحن آسفون هناك صوت لفائدة المرشح الفرنسي والنتجية النهائية 29/28. إلى غاية اليوم لم يتم إعطاء تفسيرات لهذا الأمر.

*لماذا لم تحتجوا أو تطالبوا منظمة اليونسكو رسميا بتفسيرات؟

**تقاليدنا لا تسمح لنا بذلك، ونحن نحرص دائما على تجنب المشاكل والإبقاء على علاقاتنا جيدة مع كل الدول، وفرنسا دولة صديقة ولنا معها علاقات قوية ووثيقة. المهم بالنسبة لنا أن العالم أصبح يدرك أهمية قطر، والمكانة التي حققتها قطر في هذه الانتخابات وسام على صدر كل عربي.

*في المستقبل لو أن مرشحا عربيا، بغض النظر عن جنسيته، بلغ ما وصلتم إليه في انتخابات اليونسكو، هل ستمنحونه صوتكم؟

**نعم، وبكل تأكيد.

*حتى ولو كان المرشح من دول الحصار؟

**لا يهم، المهم أنه عربي ..مصري أو غيره، هذا لا يهم، مصر عزيزة علينا، ومشكلة المرشح المصري مثلا في انتخابات 2017 ليس المرشح المصري نفسه، بل حكومة بلاده، موقف اليونسكو من حقوق الإنسان موقف واضح وصريح وما يجري في مصر يسيء له، وأيضا الممارسات التي مارستها مصر أثناء الانتخابات أزعجت الموجودين كثيرا. لكننا نعيد تلك المقولة ونعنيها صراحة “تحيا قطر وتحيا مصر” مصر ليس الحكومة أو السلطة بل مصر التاريخ والحضارة والمستقبل.

أود أن أشير في الأخير أنه أثناء النقاش المفتوح الذي شوهد في تلفزيونات العالم، قلت لهم، وهم اعتبروها مناورة، أنا جئت لليونسكو لأن عندي برنامجا، جئت لأن بلدي تؤمن بالتعليم، وتدعم وتساعد الدول التي هي بحاجة إلى تعليم. أنا لا أبحث عن وظيفة، فأنا عملت سفيرا 21 سنة ووزيرا 14 سنة، لن يبخل علي بلدي بوظيفة. لقد كنت الوحيد، أقول الوحيد، الذي كان لديه برنامج متكامل، حتى لفرنسا وهو ما لم تقدمه المرشحة الفرنسية التي فازت. فالتصويت الذي تم لمرشح قطر لم يكن لقدرات بلاغية أو لشكل أو شخصية الكواري، بل كان إيمانا ببرنامج ودور بلد أثبت للجميع أنه يقف إلى جانب التعليم في كل مكان في العالم. وعندما نقول إن قطر في 2017 كانت الأولى عربيا والخامسة عالميا في مجال التعليم فهذا في حد ذاته يكفي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية