وزير الخارجية المصري: ستكون هناك آليات واضحة للتعامل مع التعنت الإثيوبي في ملف سدّ النهضة

حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»: قال وزير الخارجية المصري، سامح شكري، إنه «إذا تم ملء سد النهضة بدون اتفاق ستكون إثيوبيا قد أخلّت باتفاق المبادئ، وستكون هناك آليات واضحة للتعامل مع هذا الأمر، كونها قضية وجودية لا تهاون فيها، ستحميها كل أجهزة الدولة بكل الوسائل المتاحة».
جاء ذلك خلال حوار مع برنامج «التاسعة مساء» على التلفزيون المصري.
وكانت مفاوضات سد النهضة المستمرة منذ 9 سنوات، وصلت إلى طريق مسدود بعد فشل الولايات المتحدة في إقناع إثيوبيا بالتوقيع على بنود مقترح خاص بقواعد ملء وتشغيل السد وحصص المياه الخاصة بدول المصب في فترات الملء، خاصة وقت الجفاف، في وقت وقعت مصر بالأحرف الأولى منفردة على المقترح الأمريكي.
وأثار غياب ممثلي إثيوبيا عن الاجتماع الذي استضافته واشنطن على مدار يومين أواخر الشهر الماضي، اتهامات متبادلة بين القاهرة وأديس أبابا حول المسؤولية عن فشل المفاوضات.
وأكد شكري أن «الدولة المصرية بكافة أجهزتها تعطي موضوع سد النهضة اهتماما كبيرا لتأثيره على مستقبل المصريين بشكل مباشر، وأن القيادة المصرية متمثلة في أجهزتها سوف تعمل وتجد الحلول المناسبة التي تحافظ على مصلحة مصر العليا، وأن مصر تملك قدرات عديدة، وكلها سوف توظف لخدمة شعبها».
وأضاف أن «ملكية إثيوبيا لسد النهضة لا تتيح لها التنصل من التزام قانوني دخلت فيه بإرادتها، كما أن ملكيتها للسد لا تجعل لها الإرادة المنفردة في التحكم في نهر النيل الذي هو شريان الحياة لمصر منذ فجر التاريخ».
وتابع: «على إثيوبيا أن تدرك أن نهر النيل هو نهر يعبر دولا عديدة لها حقوق ومصالح مرتبطة بذلك، ولا يمكن أن تكون ملكية إثيوبيا لسد النهضة مادية مؤثرة وخارقة لقواعد القانون الدولي».
وأكد أن «الاتفاق الذي بلورته الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي في واشنطن يومي 27 و28 فبراير/ شباط الماضي، هو اتفاق عادل ومتوازن، وهو نتاج مشاركة الأطراف الثلاثة، مصر وإثيوبيا والسودان في جولات المفاوضات التي رعتها الولايات المتحدة والبنك الدولي على مدى عدة شهور».

تغيّب إثيوبيا

وأبدى وزير الخارجية استياءه لتغيب إثيوبيا عن الجولة الأخيرة من المفاوضات التي عقدت في واشنطن يومي 27 و28 فبراير/ شباط، مشيرا إلى أن «الاتفاق الذي تمت بلورته في اجتماع واشنطن الأخير يتسق مع أحكام القانون الدولي، وهو اتفاق عادل ومتوازن تم استخلاصه من واقع جولات المفاوضات بين مصر والسودان وإثيوبيا على مدار الأشهر الأربعة الماضية، ويحقق ويراعي حقوق ومصالح الدول الثلاث».
وأعرب عن رفضه للبيان الصادر عن وزارتي الخارجية والمياه الإثيوبيتين بشأن جولة المفاوضات الأخيرة في واشنطن التي تغيبت عنها إثيوبيا، مشيرا إلى أن «هذا البيان تضمن تنصل إثيوبيا من التزاماتها بموجب قواعد القانون الدولي، وبالأخص أحكام اتفاق إعلان المبادىء الذي وقعته الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا في العاصمة السودانية الخرطوم في 23 مارس/ آذار 2015، الذي نص في المادة الخامسة على ضرورة الاتفاق على قواعد ملء وتشغيل سد النهضة قبل البدء في الملء، ويفرض على أديس أبابا الالتزام بإجراءات محددة لتأكيد عدم الإضرار بدول مصب نهر النيل.
وأضاف أن «أخطر ما في البيان الإثيوبي الأخير هو الإيحاء أو التصريح الواضح بخرق إثيوبيا أو نيتها لخرق التزاماتها فيما يتعلق باتفاق اعلان المبادىء الذي وقعت عليه، وبالتالي فإنها ملتزمة من الناحية القانونية بأحكامه، وأتصور أن أي قارىء لاتفاق المبادىء يستطيع أن يستخلص بشكل واضح أن إثيوبيا قطعت على نفسها عدم البدء في ملء خزان سد النهضة أو التشغيل إلا بعد الاتفاق على القواعد الحاكمة لذلك مع مصر والسودان».
ولفت إلى أن «مصر وقعت في الجولة الأخيرة من المفاوضات في واشنطن، التي حضرها السودان، بالأحرف الأولى على الاتفاق الذي تم التوافق عليه برعاية أمريكية، فيما تغيبت إثيوبيا»، موضحا أن «الموقف الإثيوبي بالتغيب أعلن يوم 25 فبراير/ شباط الماضي، بعد أن تحرك الوفدان المصري والسوداني إلى الولايات المتحدة للمشاركة في هذه الجولة يومي 27 و28 فبراير/ شباط».
وقال: «كانت هناك رغبة من قبل الشريك الأمريكي والبنك الدولي في عدم إضاعة الفرصة التي توفرت في هذا الاجتماع لأن الأمور كلها كانت مكتملة، وبالتالي تم تدقيق نص الاتفاق وإدخال بعض التعديلات الطفيفة التي وجد الجانب الأمريكي والبنك الدولي أهمية التعامل معها من خلال رؤيته والتشاور باعتبار أنها الطرح العادل المنصف الذي يحقق كافة المصالح، وبحيث يضع الاتفاق في مجمله في شكله النهائي ويكون قابلا للتوقيع».
وأضاف: أن «عدم وجود إثيوبيا وإثارتها لأي مشاغل مرتبطة بأي مكون للاتفاق هو سلوك منها ينطوي على انتقاص للعملية التفاوضية، ولكن في الوقت نفسه لا يجب أن تتعثر هذه العملية نظرا لإرادة منفردة تمتنع عن استمرار المسار ووضع الاتفاق».

أكد أن الدولة بكافة أجهزتها تعطي الأمر اهتماما كبيرا لتأثيره على مستقبل المواطنين

وتابع: «عندما رأينا أن الاتفاق يحقق المصلحة المائية المصرية، وأنه اتفاق متوازن وعادل ومنصف وليس فيه أي افتئات على حقوق إثيوبيا كمالكة للسد، وأن حقوق مصر والسودان كدول المصب تعتمد على المياه لحياتها المعيشية والاقتصادية، بالتالي وقعنا عليه بالأحرف الأولى كدليل على الجدية، وتقديرا للجهد الذي بذل من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولي لأنهم أخرجوا اتفاقا بهذا القدر من التوازن والعدل».
ووفق شكري» المفاوضات بين الدول الثلاث، منذ إعلان اتفاق المبادىء عام 2015، أدت إلى تفاهمات كثيرة، ولكنها لم تسفر عن إطار اتفاق قانوني بمواد محكمة إلا عندما لجأنا إلى الوساطة الأمريكية بعد أن قبلت الولايات المتحدة أن ترعى هذه المفاوضات بالتعاون مع البنك الدولي، وبدأت جولة المفاوضات على مدى الأشهر الأربع الماضية في واشنطن برعاية وزير الخزانة الأمريكي ورئيس البنك الدولي وفرقهم المعاونة، وبدأنا نضع مواد الاتفاقية، مواد محددة قانونية وفنية شارك فيها كل من الجانب السوداني والإثيوبي بوفود كبيرة تضم خبراء في كافة المجالات المرتبطة بالأنهار وتدفقات المياه والتعامل مع السدود، بالاضافة إلى فرق قانونية».
وعن ملء الخزان ومطالب إثيوبيا بهذا الشأن، بين شكري أن «هذه قضية هامة، وليست القضية الجوهرية، قضية الملء بكل الأمور المرتبطة بها وصلنا فيها إلى اتفاق ولم ألمس من الجانب الإثيوبي اعتراضا على ما تم التوافق عليه بشأن الملء، بل بالعكس فقد أبدت مصر مرونة وقبلت جدول الملء الذي طرحته إثيوبيا ووجدت أنها تستطيع أن تتعامل معه في فكرة الملء الأول الذي يستغرق عامين، ثم بقية مراحل الملء التي تستغرق أربع سنوات وفقا لجدول محدد، ولكن كان من الأهمية هنا أن ندخل القواعد المرتبطة بما إذا أتى جفاف خلال فترة الملء، وكيف يؤثر هذا الجفاف على معدلات الملء».
وأضاف: «وجدنا تجاوبا من الجانب الإثيوبي لمراعاة ذلك بأنه ملتزم بعدم الإضرار، وتم صياغة جميع هذ المحددات والتوافق حولها وتحديد جداول تحدد المياه القادمة وكمية المياه التي يتم تصريفها سواء في ظل الظروف الطبيعية أو في ظل ظروف الجفاف، ومراعاة ظروف الجفاف حتي لا تتأثر كل من مصر والسودان بهذا الجفاف ويتضاعف التأثر بعملية الملء، وهذه معادلة أتصور أنها كانت في النهاية عادلة وتحقق أهداف الأطراف الثلاثة وتراعي قواعد القانون الدولي وأحكامه بشكل متساو».
وتابع: «ربما المشكلة تأتي في التشغيل الطبيعي بعد الملء الأول للسد والتشغيل الدوري للسد لتوليد الكهرباء، وتوافقنا على الحل الوسط الذي طرحه الجانب الأمريكي، وكانت لمصر رؤية ولإثيوبيا رؤية، وأتى الوسيط الأمريكي والبنك الدولي بعد الاستماع لكل الحجج الفنية المرتبطة بالطرح المصري والإثيوبي والسوداني، أتى بما يرى، من النواحي الفنية بالتعاون مع البنك الدولي، أنه طرح عادل يحقق مصالح كافة الأطراف».
وزاد : «الفكرة كانت إلى أي مدى يتم التعامل مع خزان يعمل بمناسيب منتظمة تصل إلى أي مناسيب لتفريغ المياه وحجم المياه، وأيضا التعامل مع الجفاف وحالات الجفاف الممتد وكيفية التصدي لها واللجوء إلى خزان السد لتوفير المياه إلى كل من السودان ومصر في حالات الجفاف، بحيث لا يتم احتجاز مياه خلال هذه الدورات السنوية، وكان هناك تفهم من الجانب الإثيوبي بشأن هذه النقطة، ثم فتح باب مراجعة هذا بالرغم من أنه كان هناك توافق تم الإخطار به، ثم طلب مراجعة قضايا، ودائما هذا قد يحدث ونحن نتقبل دائما هذا، ولذلك تم الإقرار بأن هناك ربما جولة وهي الأخيرة لتناول هذه القضايا المهمة الفنية والتوصل إلى اتفاق حولها بعد ما كان قد تم التوافق على كل القضايا الفنية الأخرى».
وحول تأثر حصة مصر من مياه نهر النيل حال أقدمت اثيوبيا على ملء الخزان دون توافق، قال: «إذا أقدمت إثيوبيا على ذلك فهو خروج عن مسار التفاوض وعن مبادىء القانون الدولي، ويجب تنظيم هذا الأمر من خلال التعاون وعدم انفراد أي طرف باتخاذ إجراءات أحادية ليست محل توافق واتفاق وخارجة عن نطاق القانون الدولي، وفيما يرد من حصة مصر فهذا أمر مرتبط بمجمل أسلوب التعامل مع قضية ملء وتشغيل سد النهضة، ويقاس ذلك وفقا لقياسات مادية مرتبطة بالتدفقات بالتوقيت والكميات».
وأضاف: «نحن لم نصل بعد إلى هذه النقطة التي تجعلنا نقيم ما إذا كان هناك تأثير، وبالتأكيد نحن لا نقبل ولا نرضي ولا نتعامل مع أي احتمال لوقوع ضرر جسيم على مصر نظير أي أعمال في أي دولة من دول حوض النيل».

اتفاق «عادل»

وعن توقيع مصر على الاتفاق دون إثيوبيا والسودان، أوضح أن «توقيع مصر بالأحرف الأولى له قيمة معنوية فيما يتعلق بالتعبير بأننا نرى أن هذا الاتفاق عادل ويلبي تطلعاتنا ومصالحنا، ونحن على الاستعداد للتوقيع النهائي عليه، ونعتبر إحجام السودان عن التوقيع وعدم حضور إثيوبيا يجعل الاتفاق لا يزال غير مكتمل».
وأضاف: «إننا نسعى خلال الفترة المقبلة أن تعلن اثيوبيا عن موقفها تجاه هذا الاتفاق، وأن تكون جاهزة للتوقيع عليه، لأننا توصلنا لهذا الاتفاق وصياغته بمشاركة كاملة من الجانب الإثيوبي، وأن تعلن السودان أيضا عن استعدادها لتوقيعه لكي يصبح التوقيع كاملا ويدخل من خلال الإجراءات الدستورية إلى حيز التنفيذ، وينفذ أو يأتي أي طرف ليراجع جزءا من الاتفاق، ولكن هنا لا بد أن تكون المراجعة لأجزاء دقيقة ومحدودة ولا تؤثر على صلب الاتفاق».
وكانت إثيوبيا أعلنت الأربعاء الماضي، عدم مشاركتها في الاجتماعات الثلاثية التي استضافتها العاصمة الأمريكية واشنطن يومي الخميس والجمعة الماضيين حول سد النهضة، مُشيرة إلى أنها طلبت من الولايات المتحدة إرجاء الجولة النهائية من المحادثات.
ولم تسفر مفاوضات استمرت 9 سنوات بين القاهرة والخرطوم وأديس أبابا عن أي اتفاق، لكن خلال اجتماع عُقد في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي برعاية أمريكية، حددت الدول الثلاث لنفسها مهلة تنتهي في 15 يناير/ كانون الثاني الماضي للتوصل إلى اتفاق، قبل أن ترجىء الدول الثلاث موعد التوقيع لنهاية فبراير/ شباط المنصرم.
جدير بالذكر أن طول سد النهضة يبلغ 1.8 كلم وارتفاعه 145 مترا، وهو سيصبح أكبر سد كهرومائي في أفريقيا، وتشدد إثيوبيا على أهميته لتنمية البلاد. ويتوقع أن يبدأ السد في إنتاج الكهرباء بحلول نهاية العام الجاري، فيما تتخوف مصر من تأثيره على أمنها المائي.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية