الوفد التركي خلال لقائه رئيس الحكومة الليبية
إسطنبول- “القدس العربي”: قبل نحو أسبوعين، نسبت وكالة “آكي” الإيطالية تصريحات لوزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش طالبت فيها بانسحاب القوات التركية من ليبيا، حيث قالت: “بدأنا حوارا مع تركيا ومصممون على انسحابها من البلاد” وهي تصريحات أثارت ردود فعل غاضبة من قبل تركيا وأطراف ليبية مختلفة من الحكومة نفسها، وفتحت الباب واسعاً أمام النقاش حول ما إذا كانت الوزيرة بالفعل تعمل بأجندة لا تتوافق تماماً مع توجهات رئيس الحكومة والمجلس الرئاسي عبر اتخاذها موقفاً عدائياً من تركيا، وهو ما يثير بطبيعة الحال القلق في أنقرة.
لم تمضِ ساعات، حتى أصدرت وزارة الخارجية الليبية توضيحاً قالت فيه إنها تحترم الاتفاقية الدولية “سارية المفعول” المبرمة بين ليبيا ودول أخرى، في إشارة إلى الاتفاقية البحرية والأمنية بين طرابلس وأنقرة، وجاء في التوضيح: “مداخلة الوزيرة في جلسة الاستماع بالبرلمان الإيطالي قد تطرقت إلى موقف حكومة الوحدة الوطنية الثابت والواضح تجاه كل المرتزقة على الأراضي الليبية دون استثناء أو تحديد، بما يتوافق مع جميع البيانات والمخرجات الدولية في الملف الليبي. ما نقل عن مداخلتها الوزيرة في بعض وسائل الإعلام قد جانبه الصواب، ولم يكن دقيقاً”.
زيارة الوفد التركي لم تكن كافية على ما يبدو للحصول على تطمينات أكبر حول استقرار ووحدة موقف الحكومة الليبية من الالتزام بمذكرتي التفاهم العسكرية والبحرية
هذا التوضيح يبدو أنه لم يكن مطمئناً بالقدر الكافي للجانب التركي، لا سيما وأن هذه الإشارات تأتي في ظل رصد لتحركات متزايدة للانقلابي خليفة حفتر وداعميه، ولّدت مخاوف كبيرة في تركيا ودول أخرى من نيته تفجير الأوضاع العسكرية في البلاد مرة أخرى، لا سيما عقب منعه عقد اجتماع الحكومة الذي كان مقرراً في بنغازي بالتزامن مع عودة الحديث عن وصول طائرات أسلحة لميليشياته التي كثفت تحركاتها مع تكثيف حفتر اتصالاته السياسية التي وصفت بـ”المشبوهة”، إلى جانب الخشية التركية من التحركات اليونانية لدفع الحكومة الليبية لمراجعة وإلغاء مذكرة التفاهم البحرية مع تركيا.
وفي خضم هذه التطورات وصل، الاثنين، تباعاً كبار المسؤولين الأتراك إلى طرابلس ومنهم وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، ووزير الدفاع خلوصي أكار، ورئيس الاستخبارات هاكان فيدان، وعدد كبير من المستشارين السياسيين والعسكريين، حيث جرت سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين الليبيين، كما التقى الوفد وتفقد القوات التركية المنتشرة في طرابلس بموجب مذكرة التفاهم العسكرية الموقعة بين البلدين.
لكن هذه الزيارة لم تكن كافية على ما يبدو للحصول على تطمينات أكبر حول استقرار ووحدة موقف الحكومة الليبية من الالتزام بمذكرتي التفاهم العسكرية والبحرية، حيث يظهر استمرار القلق التركي من المساعي اليونانية حول مذكرة التفاهم البحرية، ومن تحركات وزيرة الخارجية للضغط على تركيا لسحب قواتها وإلغاء مذكرة التفاهم العسكرية.
فعلى الرغم من أن الخارجية الليبية نفت سابقاً دقة تصريحات الوزيرة التي طالبت فيها بسحب القوات التركية، إلا أن الوزيرة عاودت وخلال المؤتمر الصحافي مع نظيرها التركي تكرار موقفها ومطلبها بضرورة انسحاب القوات التركية وذلك من خلال التأكيد على عبارة “سحب القوات الأجنبية” وعدم الاكتفاء بالمطالبة بسحب “المليشيات”.
وقالت المنقوش: “ندعو تركيا الى اتخاذ خطوات لتنفيذ مخرجات برلين حول ليبيا وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، والتعاون معاً في إنهاء تواجد كافة القوات الأجنبية والمرتزقة في ليبيا حفاظا على سيادتها”، وأضافت: “نؤكد على أهمية مساهمة تركيا في إيقاف الحرب وتثبيت وقف إطلاق النار في عموم البلاد”.
وفي نقاش على الهواء مباشرة، رفض الوزير التركي مساواة تواجد قوات بلاده في ليبيا بما وصفها بـ”المجموعات غير الشرعية”، وقال: “هناك أصوات تتعالى تريد مساواة وجود تركيا في ليبيا مع المجموعات الأخرى غير الشرعية. التعاون في إطار مذكرة التفاهم، منع ليبيا من الوقوع في حرب أهلية، ودعمُنا مهّد الطريق لمنح الفرصة لوقف إطلاق النار وتشكيل سلطة سياسية جديدة موحدة”، وأضاف: “وقفنا مع الليبيين في الأوقات الصعبة… بالنسبة لنا ليبيا مقدسة بشرقها وجنوبها وغربها”، مجددا دعم بلاده للحكومة الجديدة.
أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن وجود الجنود الأتراك في ليبيا جاء من أجل حماية حقوق ومصالح الليبيين ومساعدتهم
وخلال لقائه جنودا وضباطا أتراك في طرابلس، أكد وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، أن وجود الجنود الأتراك في ليبيا “جاء من أجل حماية حقوق ومصالح الليبيين ومساعدتهم”، وأضاف: “سيادة واستقلال ليبيا مهم وكان هناك مجموعة من المشاكل عند قدومنا، وبذلنا كل الجهود الممكنة ليل نهار براً وجواً وبحراً من أجل إزالة هذه المشاكل وحصلنا على نتائج هامة، وتركيا مع أشقائها الليبيين يواصلون العمل جنباً إلى جنب من أجل تحديث وتنظيم القوات المسلحة الليبية”.
وأكد أكار أن الوجود التركي في ليبيا مهم للغاية من ناحية “حماية مصالحها وحقوقها في شرق البحر المتوسط”، وأن أنقرة مستمرة في أنشطتها شرقي المتوسط بما في ذلك اتفاقية مناطق الصلاحية البحرية مع ليبيا، مشدداً على أن “مساعي اليونان من أجل إبطال هذه الاتفاقية عقيمة، وأن تركيا تدعم حل المشاكل بالطرق السلمية والحوار وحسن الجوار والقانون الدولي”.
وعلى الرغم من حصول أنقرة على تطمينات ليبية مختلفة من رئيس الحكومة ورئيس المجلس الرئاسي ووزير الدفاع ورئيس الأركان حول سير العمل بذكرتي التفاهم البحرية والعسكرية، وتفهّم فكرة أن وزيرة الخارجية جاءت من توجه سياسي مختلف في إطار توافقات حكومة الوحدة الوطنية، إلا أن التقديرات بحصول المنقوش على دعم من المحور الداعم لحفتر عربياً وأوروبياً واستمرارها في إثارة ملف القوات التركية وربما لاحقاً الاتفاقية البحرية في المحافل الدولية يبقى أمراً مزعجاً ومقلقاً لتركيا طوال المرحلة المقبلة.