يأتي وزير الدولة لشؤون النازحين السوريين معين المرعبي من مناطق الأطراف التي تعاني الحرمان والتهميش والفقر. هو ابن عكار التي كانت أوّل من احتضن العائلات السورية التي عبرت الحدود تحت وطأة القتل والتهجير. لم يخفِ يوماً دعمه للثورة السورية، وعايش منذ البداية تفاصيل واقع اللاجئين السوريين والبيئة الحاضنة لهم، وظنّ أنه بمشاركته في حكومة سعد الحريري، التي جاءت عام 2016 نتيجة التسوية الرئاسية في البلاد، كمعنيّ بشؤون النازحين، يستطيع أن يُحدث فارقاً، فإذا به يصطدم بفريق رئيس الجمهورية ومِن خلفه “حزب الله” الذين عرقلوا مسار خطة متكاملة واقعية وإنسانية للتصدي لأزمة النزوح، مروّجين لـ “بروباغندا” بأن النظام السوري يريد عودة اللاجئين، بينما هم متآمرون على عدم عودتهم. وذهب في إحدى المرات إلى تقديم كتاب استقالته بعدما ضاق ذرعاً، لكن الحريري طوّق الأمر.
يرى أن الفاتيكان كان شفافاً في كشف حقيقة أن (الرئيس السوري) بشار الأسد لا يريد عودة اللاجئين، وأن الأزمة طويلة لأن إعادة الإعمار لن تحصل إلا في إطار الحل السياسي الذي لا أفق له. هي من المرّات النادرة التي يخرج فيها مسؤول، وحتى المرعبي نفسه، فلا يحمّل السوريين مسؤولية الأزمات الاجتماعية والخدماتية والاقتصادية في البلاد، لا بل يتحدث عن نحو ملياري دولار تدخل لبنان سنويا لتغطية النزوح وتشكل جزءاً من الدورة الاقتصادية، لافتاً إلى ضرورة التفريق بين تأثيرات الحرب السورية على الاقتصاد وبين أزمة النازحين.
يُعرب عن اعتقاده بأنه حتى لو شكّل الحريري الحكومة الجديدة، فإنها لن تكون متوازنة بفعل هيمنة “حزب الله” على المؤسسات، من رئاسة الجمهورية إلى مجلس النواب إلى الحكومة. هو من المقتنعين بأن لبنان واقع تحت السيطرة الإيرانية، وأنه بالتالي لا سبيل للخروج من المأزق إلا من خلال إضعاف إيران، الأمر الذي سيؤول بدوره إلى إضعاف “حزب الله”، لأننا لسنا في وارد العودة إلى الحرب الأهلية، ولا الدخول في لعبة لدم.
وهنا نص الحوار:
* عاد وفد لبناني سياسي – كنسي من الفاتيكان مصدوماً بما سمعه عن غياب أفق الحل حول عودة النازحين السوريين إلى ديارهم، هل أثار ذلك قلقاً لديك؟
** منذ البداية، كنا نقول إن بشار الأسد مجرم وديكتاتوري دمّر سوريا وقتل شعبه وهجّره، بالتعاون مع حلفائه، وعلى رأسهم “حزب الله”. هو لم يُهجّر شعبه ويُدمّر المدن السورية طوال 8 سنوات من الحرب حتى يُعيدهم خلال فترة وجيزة. كان واضحاً أنه يعمل لتغيير ديموغرافي، وكان له موقف أكثر وضوحاً عندما صرّح بأنه يفضل أن يحكم 10 ملايين من الموالين له على أن يحكم 30 مليوناً بينهم 20 مليوناً من المعارضين. حين كنا نتحدث عن نوايا الأسد، لم يكن أحد هنا يريد أن يسمع.
عندما ذهب الوفد اللبناني إلى الفاتيكان وسمع هذا الكلام، لم أتفاجأ. كنت متوقعاً أن أحد المعنيين الموضوعيين، وعلى رأسهم الفاتيكان، لا بد أن يتحدث بلا مواربة، وهذا ما حصل.
* هل وصلكم بدقة ما قاله وزير خارجية الفاتيكان بول غالاغر لمن التقى من الشخصيات اللبنانية؟
** أبلغهم بضرورة الوعي “لأنّ الحلّ السياسي سيتأخر في سوريا”، وأنّ الأسد “باقٍ في الحكم طالما أنه لا أفق سياسياً للحل”، وأنه “لا يريد عودة النازحين ويختلق الذرائع لذلك”. وقال إن هناك “فرزاً ديموغرافياً وطائفياً ومذهبياً يجري في سوريا بمعرفة وتورّط النظام، وأن الفاتيكان يرفض ذلك في كل زمان ومكان”. كما أبلغهم أن المجتمع الدولي لم يبذل جهداً كافياً لفرض الحل السياسي، وأكثر جهة مقصرة في هذا الإطار هي الولايات المتحدة الأمريكية. ولا أحد على استعداد لتمويل عملية إعادة الأعمار إلا ضمن إطار حل سياسي، وهم ينظرون إلى الأسد على أنه غير مؤهل لإدارة بلده، وأي مساهمة في إعادة الأعمار راهناً سوف تقوّي حكمه وسيطرته.
في رأيي أن دافعي الضرائب في الغرب لن يقبلوا بأن تُبدّد أموالهم على ما يخدم مَن تسبّب بالأزمة الأكبر على صعيد المنطقة، والحكومات لن تستطيع تبرير ذلك أمام مواطنيها، لأنها ستواجه أزمة إضافية إلى أزمات المهاجرين واللاجئين.
* هل صحيح أن الفاتيكان قدّم نصائح للبنان بشأن النازحين لأنهم لن يعودوا؟
** الكرسي الرسولي خلال لقائه الوفد الكنسي الماروني، ومن خلال وزير خارجيته الذي التقى شخصيات سياسية ونيابية أبلغ الجميع بأن “عليهم أن يكونوا أكثر إنسانية مع النازحين تماشياً مع قيم الديانة المسيحية، من حيث مساعدتهم وإيوائهم وتمكينهم من الاستمرار في حياتهم لحين العودة”. لكن ما أريد تأكيده أن الفاتيكان لم يقل إنهم لن يعودوا، وهو لم يُحرج إلا الذين كانت عندهم فكرة خاطئة ومغلوطة عن الأوضاع نتيجة “بروباغندا” ساهم فيها “حزب الله” و “العونيون” وحلفاؤهم، وأوحوا من خلالها بأن النظام السوري يريد عودة اللاجئين، بينما في الحقيقة كلهم متآمرون على عدم عودتهم، وإذا سمحوا للبعض بالعودة فهم يضعونهم في مناطق عُرضة لشتى الأعمال الحربية.
نحن في الحكومة كنا نعمل على سياسة موحدة فيها الكثير من الواقعية والإنسانية لكيفية التعامل مع ملف النازحين، ولكن باسيل وفريقه يعرقل في كل مناسبة، ويقول لسنا موافقين.
* البعض يُوجّه أصابع الاتهام لفريقكم السياسي الذي يتزعمه رئيس حكومة تصريف الأعمال والرئيس المكلف اليوم تأليف الحكومة سعد الحريري ولحلفاء لكم بأنكم تريدون الإبقاء على النازحين السوريين في لبنان تمهيداً لإحداث تغيير ديموغرافي؟
** سأجيب بطرح سؤالين: هل فريقنا هو مَن أحضر النازحين السوريين إلى لبنان؟ وهل فريقنا هو مَن قاتل في سوريا ودمّر وهجّر الناس من منازلهم؟ هم يرشقوننا بالاتهامات بينما “حزب الله” هّجر السوريين إلى لبنان. الوقاحة وصلت بأحد نوابه نواف الموسوي بأن يطلب في إحدى جلسات لجنة حقوق الإنسان النيابية، منذ نحو عام، من ممثلي الجهات الأجنبية والمنظمات الدولية غير الحكومية، أن يأخذوا النازحين السوريين إلى بلدانهم أو إلى أي بلد آخر “لنرتاح منهم، لأننا لم نعد نستطيع تحمّل وجودهم”! يومها رددت عليه، وهذا موثق بالمحاضر: “فليسحب “حزب الله” ميليشياته من سوريا وُيخلي المدن والمنازل التي يحتلها، عندها بالتأكيد سيعود اللاجئون من دون منّة أحد، وأسهل لهم أن يعودوا إلى بلدهم من أن نتكلم مع دول أخرى لتعيد توطينهم في دولها”. وقلت له: “تفضلوا وقوموا بإخلاء القصير والقلمون والزبداني الليلة، وأنا أضمن لك غداً صباحاً أن يعود 500 ألف شخص إلى قراهم. فأنتم تحتلون منازلهم هناك، وهُم يعيشون في الخيم هنا”. هذه المسرحية باتت مكشوفة أمام الرأي العام اللبناني والعالمي.
ليس لفريقنا تُوجّه اتهامات بالعمل على التغيير الديموغرافي في لبنان. نحن وقفنا مع النازحين السوريين عندما هجّرهم فريق لبناني. ونعمل كل الوقت لكشف الوقائع بكل شفافية من أجل أن يعودوا إلى ديارهم والضغط في هذا الاتجاه.
حين أصدر الأسد القانون رقم 10 الذي يقضي على آمال السوريين بالعودة، كنت أول من أثاره خلال اجتماع اللجنة الدولية التفسيرية لموضوع اللجوء في لبنان التي يرأسها الرئيس الحريري وتضم السفراء الأجانب والعرب المعنيين بهذا الموضوع. وكررت موقفي هذا في مؤتمر بروكسل خلال اجتماعي مع ممثلين عن الحكومة الألمانية، كانت نتيجته أن أصدرت الخارجية الألمانية بياناً تدين فيه القانون رقم 10 الذي يغتصب الأراضي والممتلكات وطالبت المجتمع الدولي والأمم المتحدة بالتحرّك العاجل.
* كشفت مؤخراً عن حصول انتهاكات لعائدين إلى سوريا، على ماذا استندت بذلك؟ ألا يضعه الآخرون في خانة “تخويف” الأهالي من العودة؟
**وصلتني شخصياً 20 حالة تشتكي من القتل والإجرام بحق العائدين. نقول هذا لردع الأسد عن القيام بأي أعمال ترهيبية بحق مواطنيه. لقد أوجدوا حالة من الهلع بين النازحين عندما بدأوا بتسجيل أسماء الراغبين بالعودة ما أوجد ردّة فعل عكسية، فانخفض العدد بشكل كبير. التجاوزات التي تحصل أخبرني بها لاجئون يعيشون في لبنان، أنا لست على تواصل مع أحد في سوريا. الحالات التي أُبلغت بها تقابلها أكثر من 38 حالة وثقتها جهات حقوق الإنسان في سوريا.
* هل في رأيك لدى ممثلي الأمم المتحدة ومفوضية اللاجئين قدرة على استكشاف أوضاع العائدين؟
** هنا في لبنان، استطاع جبران باسيل إرهاب مفوضية اللاجئين، رغم المعارضة السياسية الشرسة له ولحليفه “حزب الله” على موقفهم من قضية النازحين، ونجح في الحدّ من حركتها ومن تصريحاتها وتوضيحاتها، فما بالك في سوريا، حيث المنظمات الأممية وجمعيات حقوق الإنسان لا يُسمح لها بالدخول إلى أي منطقة إلا بعد الحصول على أذونات؟
* بعد إمساك روسيا بالقرار السوري ولا سيما في ما يتعلق بمناطق سيطرة الأسد، وإطلاق مبادرتها لعودة النازحين، حصل جمود وكأنها دُفنت قبل أن تولد، ما هي قراءتك؟
** المبادرة الروسية أبصرت النور بعد لقاء هلسنكي بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، وتوقعنا أنهما اتفقا على حل لقضية اللاجئين، لكن خلال اجتماعي والرئيس الحريري مع اللجنة الدولية والممثل الخاص لبوتين، تبين لنا أن الروس يُعوّلون على مساعدة الأمريكيين والأوروبيين لتمويل عملية الإعادة بما تتضمنه من تأمين أماكن لائقة لهم مع بنى تحتية ومدارس ومستشفيات وكهرباء وماء. نحن نتكلم عن 300 مليار دولار. لا الأمريكيون ولا الأوروبيون على استعداد لتقديم خدمات سياسية للروس أو للنظام السوري. فتثبيت السيطرة الروسية تكون بإعادة الحياة إلى سوريا، وليس من خلال الوجود أو النشاط العسكري، وهذه ورقة لن تُعطى لهم، عليهم أن يدفعوا ثمنها، لأنهم هم من يحمي النظام الذي افتعل الأزمة ودمّر بلاده. أعتقد أن هذه الأسباب كافية لتجميد المبادرة الروسية.
*هي أصبحت ورقة مساومة بين روسيا والغرب؟
** نعم. ولو كانت لدى بشار النيّة بإعادة اللاجئين لكان أعلن المناطق التي يمكن للاجئين العودة إليها، لكنهم يرسلون الأسماء لنظامه كي ينتقي منها مَن يُسمح له بالعودة. هل من المنطق أن يحتاج المواطن السوري إلى إذن من دولته حتى يعود؟ هو يقوم بعملية “غربلة” بهدف التغيير الديموغرافي الذي يسعى إليه.
* الحكومة اللبنانية والمنظمات المعنية ومفوضية اللاجئين تشكو من النقص المتزايد في المساعدات المخصصة للاجئين السوريين، بمعنى أننا أمام مشهد قاتم، في رأيك كيف للسلطات أن تتعامل معه؟
** دعيني أشرح حقيقة الأمر. الأموال التي تدخل إلى لبنان لصالح اللاجئين السوريين تقدر بحوالي 2 مليار دولار سنوياً، وهي تدخل في الدورة الاقتصادية وتشكل عاملاً إيجابياً، فيما لبنان لا يلتزم إلا بتكاليف التيار الكهربائي لهم أو لجزء منهم لأن هناك مخيمات وضعت لها “عدّادات” ويدفعون ثمن الكهرباء. على كل حال، التقديرات تقول إن المبلغ لا يتجاوز الـ150 مليون دولار في حده الأقصى. أما البنى التحتية، ففي الأصل هي غير موجودة في مناطق الأطراف، مثل عكار في الشمال والمناطق الحدودية في البقاع.
في التقديرات أن هناك مئات الملايين من الدولارات تصل إلى السوريين في لبنان من أبنائهم المغتربين. وهناك ما يزيد عن 12 ألف أستاذ لبناني يقومون بتعليم السوريين ويتقاضون رواتب مرتفعة، وما يزيد عن 11 ألف شخص يقومون بخدمتهم من خلال المؤسسات والجمعيات. أعتقد أنه يجب وقف التعاطي بخفة مع ملف النزوح السوري لجهة اعتباره “الشمّاعة” التي يعلقون عليها كل الأزمات الحياتية والاجتماعية والاقتصادية في لبنان.
* سيقولون غداً أنك تروّج بأن النزوح السوري مفيد للاقتصاد اللبناني؟
** أنا داعم له. الحرب السورية هي المؤذية للاقتصاد. لا بد من التفريق بين تأثير النازحين وتأثير الحرب السورية. أُغلقت معابر التصدير عبر سوريا إلى دول الخليج العربي بسبب الحرب، وبالتالي أصبحت المنافسة أصعب نتيجة ارتفاع تكاليف تصدير المنتجات اللبنانية عبر الشحن البحري والجوي. هذه العوائق كانت ستحصل سواء حدث النزوح السوري إلى لبنان أو لم يحدث. الاهتمام الدولي بالنازحين والبيئات الحاضنة لهم والمليارات التي تمّ ضخها لهم دخلت في دورتنا الاقتصادية ولم تكن ذات تأثير سلبي. المناخات السلبية التي كانت تعكر الأجواء هي ارتفاع منسوب العنصرية في كثير من الأحيان، والسعي الدائم إلى تأليب الرأي العام على النازحين. بذريعة أنهم من بيئات “داعشية” وتكفيرية، فيما الكل يعرف مَن استقدم “داعش” إلى الجرود اللبنانية ومَن أخرجهم بالباصات المكيّفة، ومَن منع الجيش اللبناني مِن حسم المعركة عسكرياً ومِن إعلان انتصاره.
* لكن اعتبار النازحين السوريين في لبنان قنبلة موقوتة له أطروحته…
** القنبلة الموقوتة هي كل إنسان فقير ومهمّش ومظلوم، بمن فيهم لبنانيو عكار وبعلبك والهرمل ومناطق الأطراف المحرومة، لأن عمليات تهميشهم مستمرة. مثلاً المياه لا تصل إلا إلى نحو 10في المئة فقط من منازل عكار، ويفتقر طلاب المنطقة إلى فرع للجامعة الوطنية وغير ذلك من أشكال الحرمان، ألا يساهم هذا في تنامي الجهل والتطرّف؟ ما أقوله أنهم يتكلمون نصف الحقيقة، فالجوع كافر والإمام علي قال: “عجبت ممن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج للناس شاهراً سيفه”.
* مِن موقعك كوزير دولة لشؤون النازحين، هل في رأيك الفساد “عشعش” أيضاً في هذا الملف؟
** البعض يحاول حرف ملف النازحين عن أهدافه، ويتعاطى معه بمزاجية وبناء لمصالح سياسية أو انتخابية. ثمة مثال فاقع بين كثير من الأمثلة في هذا المجال. وهو إيقاف وزير الطاقة والمياه سيزار أبي خليل مشروع الصرف الصحي لبلدة عرسال البقاعية التي تحتضن عشرات الآلاف من النازحين، والتي تعاني من تلوث مياهها الجوفية نتيجة التخلص من المياه المبتذلة بطريقة عشوائية. وللأسف اضطرت “يونيسيف” إلى عدم تنفيذ المشروع نتيجة الضغوط التي مارسها عليها. ببساطة لقد تم تحويل الأموال إلى مشاريع أخرى في مناطق تهمه انتخابياً ولخلق حالة شعبوية داعمة له. مثال آخر، “التيار العوني” الذي يستغل سياسياً ملف النزوح كلما كان بحاجة لذلك، أدخل وزيره إلياس أبو صعب، عندما كان وزيراً للتربية، الأساتذة الموالين لتياره السياسي ولحلفائه السياسيين بالآلاف ضمن إطار مشروع تعليم اللاجئين.
* دعنا ننتقل إلى ملف شائك آخر، وهو تأليف الحكومة الجديدة. باعتقادك هل لا يزال بالإمكان تأليف الحكومة أم أنها عملية دخلت فلك التجاذبات السياسية الإقليمية؟
** أتمنى أن تتشكّل الحكومة بأسرع وقت ممكن، رغم اعتقادي بأنها لن تكون على مستوى طموح اللبنانيين، فبعد “جريمة” انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، والموافقة على القانون الانتخابي الذي على أساسه أُجريت الانتخابات النيابية الأخيرة، والذي سمح لـ “محور طهران” بتكريس وضع يده على البرلمان، وتجلى ذلك بادعاء المسؤولين الإيرانيين بأن بلادهم باتت تسيطر على الغالبية في المجلس النيابي اللبناني، وتحت وطأة وهج السلاح بما يشكله من فائض قوّة لدى “حزب الله”، لن تكون الحكومة متوازنة.
* العوائق خارجية فقط؟
** هناك عدّة عوائق، أولها العائق الإيراني. طهران تُعرقل اليوم تشكيل الحكومة العراقية، وتقوم بالعرقلة عندنا بانتظار ما ستسفر عنه العقوبات الأمريكية من انعكاسات على الداخل الإيراني، وهم يدّعون صراحة بأنهم باتوا يسيطرون على قرار عواصم عدة بلدان عربية (اليمن، العراق، سوريا ولبنان). هذا هو العائق الخارجي الأساسي لتشكيل الحكومة، خشية أن تطال العقوبات الأمريكية الحكومة المقبلة بكاملها فيخسرون الغطاء السياسي الذي تؤمّنه لهم. هناك محاولة مستمرة لابتزاز الرئيس الحريري والضغط عليه، لكن هذا لعب بالنار في رأيي.
* عملية “درع الشمال” التي أطلقتها إسرائيل لتدمير الأنفاق التي قالت إن “حزب الله” حفرها واخترقت الحدود، هل كشفت الساحة اللبنانية؟
** نحن في الأساس تعاطينا بطريقة خاطئة مع ممارسات “حزب الله” وقضمه لدور الدولة، لا بل أصبح هو الدولة، والدولة أصبحت هي الدويلة، كونه أصبح أقوى منها على كافة الأصعدة. رأيناه كيف تدخّل إلى جانب دول أخرى في سوريا من دون أن يرفّ جفن لأحد، مرّة بذريعة الدفاع عن مقام السيدة زينب، وأخرى بذريعة محاربة الإرهاب. وصلنا إلى هذه الحال لأننا نعيش على وهم استعادة زمام الأمور، ولكن أصابنا ما أصاب الضفدعة عندما أشعلوا ناراً خفيفة تحت المياه التي تركن فيها فتخدّرت أعصابها ولم تعد تستطيع القفز من المياه الساخنة إلى أن ماتت. لقد وصلنا إلى انكشاف وواقع مزرٍ في ظل سيطرة “حزب الله” ومن خلفه الحرس الثوري الإيراني.
* وما السبيل للخروج من هذا المأزق؟
** السبيل الوحيد هو بإضعاف إيران، وبالتالي يضعف “حزب الله” بشكل تلقائي، ولا سبيل آخر غير ذلك، لأننا لا نريد عودة الحرب الأهلية ولا نريد تدمير مؤسساتنا وقوانا الأمنية ولا الدخول بلعبة الدم.
* لكن من يلعب “لعبة الدم” يحفظ لنفسه مكاناً؟
** أقولها بصراحة، الدم غال جداً عندنا. نحن نواجه بالموقف الذي يكشف زيف ادعاءاتهم السوداوية والدموية، والتي لا تصبّ إلا في خدمة النظام السوري وما يقوم به من تغييرات ديموغرافية. نواجه بالموقف السياسي وإن كنت أشك في جدوى محاولاتنا لأنها لو نفعت لما وصلنا إلى هنا. حتى الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي شرّع المقاومة وأقنع المجتمع الدولي بحقها في الدفاع عن الأرض قاموا بقتله، والاتهامات كلها موجهة إلى عناصر قيادية في “حزب الله”. ورغم المواقف الوطنية للرئيس الأسبق فؤاد السنيورة خلال حرب “لو كنت أعلم” (حرب تموز) 2006 التي أدّت إلى تدمير الضاحية الجنوبية لبيروت وقرى جنوبية بأكملها، رأينا الحملات المسعورة ضده.
* هل تخاف من عودة التوترات على الأرض، لا سيما بعد ما شهدناه في الجبل الأسبوع الماضي على خلفية كلام حليف المحور السوري – الإيراني وئام وهاب بحق الحريري الأب والابن، وتوجّه شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي إلى منزله في الجاهلية لجلبه؟
**وهاب شخصية نكرة لا يستحق أن يُعطى أكثر من حجمه. ولكن الواضح اليوم أن المحور الإيراني يخوض مواجهة في لبنان بوجه أمريكا تحديداً، بأساليب متعددة، لأنهم يسيطرون عليه ويريدون تحويله إلى دولة ممانعة على شاكلة نظام الأسد. لا أعتقد أن دول العالم مهتمة بنا، إلا من زاوية أمن قوات “اليونيفيل” ومشاركتها فيها وكيفية إخلاء عناصرها، إذا حدث طارئ في الجنوب اللبناني.