وزير الصحة الفلسطيني: الأطباء الجيدون يهربون للغرب والاحتلال سبب مشاكلنا.. وحماس ترفض فصل السياسة عن الصحة

حجم الخط
0

اكد ان تقييد الحركة والحصارات يسبب تعميق الفقر بالمناطق.. ويُساير الفقر الأمراض والجهل

ما يزال الدكتور فتحي المجلي بريئا من أدب الوزراء. وصل وزير الصحة الجديد في حكومة الضفة الغربية، برئاسة سلام فياض الي المقابلة بلا مساعِد أو ناطِق. ان زملاءه في الماضي في منظمة الصحة العالمية جعلوا في خدمته غرفة الجلسات المتواضعة في مكاتب المنظمة في شرقي القدس.

رغم انه مسؤول عن امور الحياة والموت، فان اقوال الوزير الفلسطيني ذي البدلة الرمادية تُسمع بارتياح. في حياء تقريبا. حتي عندما يشتكي من أن وزير الصحة الاسرائيلي ومديره العام يتجاهلان وجوده، ووجود مشكلات صحية شديدة وراء الشارع، يختار المجلي صياغات دبلوماسية مثل اذا كانوا يروننا شركاء وجيرانا فلماذا لا يدعونني؟ يوجد لنا الكثير من المشكلات المشتركة، وخمس لجان مشتركة لا تُستعمل، فيها لجنة لعلاج الأوبئة.

وُلد المجلي في نابلس بعد وقت غير طويل من هرب والديه الي هناك في 1948 . عمل والده، المولود في نابلس، في حيفا آنذاك، مع والدته المولودة في عكا. انتقلت العائلة من الضفة الي الاردن حيث قضي أكثر عمره. أكمل مجلي دراسة الطب والتخصص في قبرص. أغلق الدائرة قبل تسع سنين. عاد مجلي الي الضفة من اجل أن ينشئ شبكة عيادات في المناطق. وفي فترة اربع سنين، ترأس فيها قسم المشروعات في وزارة الصحة الفلسطينية، قدّم اقامة 34 مركزا صحيا وحدّث سلة الادوية. قضي أكثر سنين الانتفاضة في منصب رفيع في منظمة الصحة العالمية. من اجل ان يصل مكاتب المنظمة في القدس في الوقت، اعتاد مجلي الخروج في ساعات الصباح الباكرة من بيته في رام الله. سنحت له فرصة ان يشهد من قريب الصفوف الطويلة من المرضي الذين يُدفعون في كل ساعة علي الحاجز عند مدخل المدينة.

بلغت ميزانية وزارة صحة السلطة في السنة الأخيرة 145 مليون دولار، فيها الدفع عن علاجات طبية في اسرائيل، وفي مصر والاردن. عدد الحاصلين علي الأجور 13 ألفا فيهم الاطباء والممرضون في 22 مستشفي حكوميا. كيف تؤثر الازمة مع حماس في صحة الجمهور الفلسطيني؟ أعلنا منذ اللحظة الاولي، بعد الثورة، عفوا التمرد، أننا عازمون علي فصل الخدمات الصحية عن السياسة. قررت حماس لأسفي ان تتصرف تصرفا مخالفا. فهي تتدخل في ادارة المستشفيات وتصرف العمال من اجل ان تُهيئ الوظائف لأنصارها. هذا الامر يضر بالطواقم الطبية ويجعل من الصعب علينا ادارة الجهاز. عندما توليت المنصب كان ينقص المناطق 128 دواء. نجحت في تخفيض العدد الي 50 ـ 55، لكن الحصار العام الذي ضُرب علي قطاع غزة منذ تموز (يوليو) الأخير يجعل التزويد بالادوية صعبا جدا. من جهتي لا يوجد فرق بين مستشفي ومريض في غزة وبين مستشفي ومريض في الضفة. تزعم ان سياسة الجيش الاسرائيلي في المناطق، في موضوع الحواجز مثلا، تُدمر صحة الفلسطينيين؟ لا شك. ان تقييد الحركة والحصارات يسبب تعميق الفقر في المناطق. يُساير الفقر الأمراض والجهل. ورغم ان الصحة والتربية تُعطيان بالمجان، أو بالمجان تقريبا، لا يصل اولاد كثيرون جدا الي العيادات والي المدارس. فاما انهم لا يملكون رخصة عبور الحاجز، واما انهم لا يملكون مالا من اجل بطاقة باص، أو الاثنان معا. يسبب الفقر خفض مستوي التغذية والاولاد هم أول من يدفع الثمن. لا يحصلون علي طعام مغذٍ وصحي ويأكلون بدل الخضراوات واللحم النشويات في الأساس. ونحن نري النتائج، فقد أخذ عدد راح يزداد من الاولاد يعانون سوء التغذية وفقر الدم.

منذ اقامة السلطة في 1994 نجحنا في ان نخفض كل سنة مقدار موت الاطفال. من 37 لكل ألف طفل وصلنا الي 24 لكل ألف. أملنا أن نقترب منكم (نسبة وفاة الاطفال في اسرائيل 7 لكل ألف)، لكن اتجاه الانخفاض في السنين الخمس الأخيرة قد وقف. بسبب تقييد الحركة طرأ انخفاض حاد لنسبة الولادة في المستشفيات وبيوت الولادة. كنا قد خفضنا النسبة الي 6 في المئة من الولادة في البيت وبلغت النسبة في السنة الأخيرة 20 في المئة. هل تميز الظواهر التي تصفها الوضع في مجال الصحة النفسية ايضا؟ نتيجة الضغط الاقتصادي والسياسي المتواصل، مع انعدام الأمن الشخصي، نشأ عندنا جيل من الناس مريض جسمانيا ونفسيا. نشهد في السنين الأخيرة ارتفاعا عظيما لنسبة الأمراض النفسية وظواهر مثل البول الليلي عند الاولاد. تم التعبير عن ذلك بعدد الناس الموجهين الي مراكز الصحة النفسية، ازداد هذا العدد عشرة أضعاف. أفضي عدم الأمل في التغيير والعنف السياسي ايضا الي زيادة العنف في العائلة. أنا مقتنع بأن هذه الظاهرة تنبع من الوضع الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي، لا من الثقافة الفلسطينية. يجب عليكم أن تعلموا أن قدرا أكبر من الناس خائبو الأمل مصابو النفس، والأمر يعني قدرا أكبر من الكراهية ومن العنف.

للأسف الشديد، طرأ في السنين الأخيرة تدهور متواصل لمستوي المستشفيات النفسية. اذا كان مستشفي الامراض النفسية في بيت لحم حتي سنة 1967 يُعد أحد أفضل المستشفيات في المنطقة، وآوي مرضي من الاردن ومن شرقي القدس، فانه يوجد اليوم في أسفل القائمة. يُشغَل الاطباء وأفراد الصحة أكثر الوقت في تحليل ظواهر تسببها عوامل خارجية ومحاولة ارتجال حلول لها. لا يوجد دواء افضل من السلام بين الدولتين، اسرائيل وفلسطين. لكن بعد أن نبني السلام ايضا ستضطرون الي مساعدتنا لتقريب الفروق. كيف يؤثر الوضع في مستوي الاطباء في المناطق؟ كما كان يمكن أن نتوقع، عدم القدرة علي دفع أجور الاطباء أفضي الي هرب أدمغة الي الدول العربية والي الغرب. منذ زمن طويل لا يوجد في رام الله حتي طبيب نساء كبير واحد. ان النقص الشديد من المختصين بعلم الأمراض يجعل من الصعب جدا تشخيص أمراض الدم والسرطان. فالمختص بعلم الأمراض الذي ينتقل الي الاردن يحصل علي أجرة أعلي بخمسة أضعاف. توجد عندنا ايضا مشكلة اعداد الاطباء. علي حسب النظام الذي أُقر قبل سنين كثيرة، كانت الكلية الوحيدة للطب هي الكلية في جامعة القدس. بسبب الفصل بين المناطق والقدس استقر الرأي علي افتتاح دراسات أساسية للطب، للسنتين الأوليين، في جامعة النجاح في نابلس وفي الأزهر في غزة ايضا. أملنا أن يتحسن الوضع وأن يتابع الطلاب الدراسة في القدس. وكما تعلم لم يتحسن الوضع وهم يتابعون الدراسة في نابلس وفي غزة. ستكون النتيجة فائضا من الاطباء وزيادة علي عدد العاطلين. نشر قبل عدة ايام في صحيفة هآرتس عن شاب من بيت لحم، مات في سيارة اسعاف بعد أن عوّق عند الحاجز في الطريق الي مستشفي هداسا. اتهمت منظمات حقوق الانسان الادارة المدنية، ومن جهة ثانية تزعم جهات الأمن الاسرائيلية أن سيارات الاسعاف تُستعمل لتهريب المخربين. لا أوجه التهمة الي منسقة الصحة، داليا باسا، المسؤولة عن تسوية عبور المرضي الي اسرائيل. فداليا أحد اجهزة الاحتلال فقط. داليا امرأة لطيفة تؤدي عملها علي أحسن وجه. سيأتي يوم ينتهي فيه الاحتلال ويدرك الاسرائيليون والفلسطينيون ان عليهم أن يبنوا حياة جوار، بل سنستطيع أن نكون اصدقاء وأن يزور بعضنا بعضا.

تتلقي مستشفيات مثل ايخيلوف مرضانا وجرحانا، لكن جهات الأمن الاسرائيلية تجعل الحصول علي رخص العبور صعبا. المرضي المحظوظون الذين يحصلون علي رخصة يضطرون الي عبور النفق الطويل في حاجز ايرز. كيف يمكن فعل ذلك بمرضي السرطان؟ لا أري أي سبب يجعل سيارة اسعاف فلسطينية لا تستطيع العبور علي نحو حر من الضفة او من غزة الي المستشفيات في شرقي القدس وأن نضطر الي نقل المرضي بطريقة ظهر الي ظهر. وفوق ذلك تجبي نجمة داود الحمراء ألف شيكل وأكثر، ولا يستطيع مرضي كثيرون ان يسمحوا لانفسهم بدفع مبالغ كهذه. لا أعتقد أنه يتم استعمال سيارات الاسعاف عندنا استعمالا سيئا. هذه قصص مختلقة.

عكيفا الدارمراسل سياسي في الصحيفة(هآرتس) 28/8/2007

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية