الجزائر ـ ‘القدس العربي’ من كمال زايت: قال عبد العزيز رحابي وزير الإعلام الجزائري الأسبق ان التعاطي الرسمي مع الاحتجاجات التي عرفتها الجزائر خلال الأيام القليلة الماضية تميز بالتذبذب والتخبط، مشيرا إلى أن الأزمة سياسية في المقام الأول، وحلها لا يكون عن طريق خفض أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية.
وأضاف رحابي في تصريحات لـ’القدس العربي’ أن نفس الرجال في نفس الظروف وبنفس التفكير يعطون نفس النتائج، مشيرا إلى أنه في بعض الجوانب يمكن القول أن الحكومة تعاملت مع هذه الاحتجاجات بنفس الطريقة التي تم بها التعامل مع الانتفاضة الشعبية التي وقعت في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1988، وذلك بالبحث عن الواقفين وراء هذه الأحداث، مع أن هذا أمر ثانوي. واعتبر أن انغلاق الإعلام العمومي على الأشخاص الذين قاموا بالاحتجاجات الأخيرة، جعل الجزائريين مرة أخرى يتجهون إلى قنوات أجنبية من أجل الحصول على المعلومات التي تخص الأحداث التي كانت تجري في بلدهم، مشيرا إلى أنه في التسعينيات كان بالإمكان ممارسة إغلاق الإعلام العمومي، ولكن تطور تكنولوجيات الاتصال، وظهور فضاءات جديدة للتعبير مثل فايسبوك وتويتر ويوتيوب، جعل هذا الغلق لا معنى له.
وذكر أن حرية الإعلام واستقلاليته تظهر خلال الأزمات، وأن ما وقع خلال الأيام القليلة الماضية كشف أن التلفزيون الحكومي في الجزائر يخضع إلى الأوامر، وهذا شيء طبيعي لأنه حكومي، ولكن الأوامر التي أعطيت لم تكن ذكية، لأن الغلق وتجاهل الأحداث في الأيام الأولى يمثل تراجعا، مقارنة بما حدث في 5 تشرين الأول/أكتوبر 1988، آنذاك، يقول المصدر ذاته، أمر الرئيس الشاذلي بن جديد بفتح التلفزيون أمام جميع شرائح المجتمع، وترك الجميع يعبرون عن آرائهم بحرية.
وخلص رحابي إلى أن الطريقة التي تعامل بها التلفزيون الحكومي مع هذه الأحداث، أفقدته البقية الباقية من المصداقية لدى الجزائريين، في وقت أتاحت لهم ديمقراطية الفضائيات مشاهدة كل الأخبار على قنوات أجنبية.
وفي المقابل أوضح الوزير الأسبق أن السلطات لم تمنع القنوات الأجنبية من أداء مهامها خلال الاحتجاجات الأخيرة، وكذلك الأمر بالنسبة لأحداث تشرين الأول/أكتوبر 1988، موضحا أنه كان مديرا للصحافة الأجنبية بوزارة الخارجية وأن الاعتمادات منحت آنذاك للصحافيين الأجانب لتغطية تلك الأحداث.
وذكر أن الشيء الملاحظ في تعاطي الحكومة مع الأزمة الأخيرة هو أن هناك تذبذبا في الخطاب الرسمي، لأن وزير التجارة قال كلاما، ووزير الداخلية قال كلاما آخر ووزير الشباب والرياضة قال كلاما مختلفا، وهذا ما يوحي بعدم وجود تنسيق بين أعضاء الطاقم الحكومي، وهو شيء مختلف مقارنة بما جرى في تشرين الأول/أكتوبر 1988. واعتبر أن هذا التذبذب مقلق وأمر خطير، لأنه يطرح الكثير من التساؤلات، فعندما خرج عبد العزيز بلخادم عن صمته للكلام عن تلك الاحتجاجات، لم يفهم أحد إن كان مفوضا للكلام، وهل تكلم بصفته وزير دولة وممثلا شخصيا للرئيس؟ أم أنه تكلم بصفته أمينا عاما لحزب جبهة التحرير الوطني؟
، في حين أن وزير الداخلية دحو ولد قابلية استغرب العنف الذي ميّز تلك الانتفاضية، قائلا بأنها من صنع جيل عنيف، في حين أن جيله ( وزير الداخلية) ليس جيل عنف، وكأنه يضرب الأجيال ببعضها البعض، يقول رحابي.
واعتبر أن الشيء الجديد أيضا هو أن السلطة لم تسع للعب ورقة الإسلاميين والتخويف بها، مثلما جرت العادة، ولم تروج للخطاب الذي ينشر الانقسام بين الإسلاميين والعلمانيين، مشيرا إلى أن الخطاب الذي يوحد كل التيارات هو خطاب الدفاع عن الحريات والعدالة الاجتماعية، وهذا الفكر بدأ في مصر وتبلور بسرعة في تونس، لأن مطالب الحريات والعدالة ليست حكرا على تيار دون غيره.
وأكد عبد العزيز رحابي أن أحزاب السلطة ملامة أكثر من أحزاب المعارضة، لأنها تمتلك إمكانيات أكبر للتحكم في الغضب الشعبي، مشيرا إلى أن الأحزاب عموما في العالم العربي فقدت ثقة الجماهير، وحتى الانتفاضة التي عرفتها تونس لم تكن وراءها أحزاب كبيرة، بل إنها عبارة عن تكتلات وتجمعات لمثقفي الطبقة الوسطى، لأنه لم يعد من الضروري وجود أحزاب لممارسة السياسة.
وبرأيه فإن الأزمة الأخيرة كشفت بأن الأحزاب والجمعيات وما يسمى المنظمات الجماهيرية مفقودة في الشارع الجزائري، لأنها لو كانت موجودة فعلا لتمكنت من استباق الأمور والتنبؤ بالأحداث، ولكنها فشلت في ذلك. وأشار إلى أن الاحتجاجات الأخيرة وجهت رسالة واضحة، وهي ضرورة القيام بإصلاحات سياسية واقتصادية وإعلامية عميقة، لاحتواء الغضب والاحتقان الشعبي، مشيرا إلى أن الخطاب الرسمي في حاجة إلى تغيير، لأنه خطاب قديم ومستهلك وتجاوزه الزمن، ولم يعد له أي تأثير على الشباب الجزائري. وشدد على أن هناك حاجة ملحة لوجود نخبة جديدة ذات مصداقية، وهذه النخبة لن تظهر بين عشية وضحاها، لأنها يجب أن تكون نتيجة مواقف وممارسات في الميدان لاكتساب ثقة واحترام المواطنين.