بسام البدارين فصيح جدا مذيع الأخبارعلى شاشة تلفزيون الحكومة الأردني الذي خرج ليبلغ الناس بالمعلومة التالية: بعد زيارة جلالة الملك لا زالت المياه مقطوعة عن قرية الطيبة.الأفصح هو المخرج وجماعة الكونترول فقد قدموا لي عبر حديث عفوي على الكاميرا مع مواطن من تلك القرية الكركية التي تعاني العطش دليلا على أن قيام وزارة المياه بواجبها الطبيعي اليومي يتطلب بعد الأن تدخل العناية الإلهية مباشرة لحل إشكالية فنية بسيطة ما دامت زيارة ملكية كاملة لم تدفع البيروقراطية المتكلسة للقيام بواجبها. الأسوأ من طاقم وزارة المي ـ بالمناسبة الوزير كان موظفا صغيرا بالوزارة وقفز فجأة وأصبح وزيرا- تماما كما يحصل في مسلسلات دريد لحام- هم الزملاء في الوزارة المعنية بالإعلام الرسمي فعلى شاشة الحكومة يخلقون إنطباعا لا مبررله إطلاقا بأن مسئولية القصر الملكي تتضمن إيصال الماء للمواطنين العطاشى في قرية الطيبة جنوبي البلاد. حتى في البلاد الديمقراطية لا يحصل ذلك، والسؤال هو: ما الذي يتطلبه إيصال المياه لأهالي قرية الطيبة بعد زيارة ملكية علنية ؟.. وما الذي يتطلبه الأمر حتى يتعلم عباقرة الإعلام الرسمي بأن حشر مؤسسة القصر الملكي والملك في كل صغيرة وكبيرة من هذا النوع وبمناسبة وبدونها ينتهي بعثرات وأخطاء من طراز ما حصل مع المذيع سالفا.وزير سلكي وآخر لاسلكيهذه العملية تدفع المواطنين يوميا للشعور بأن حل مشكلاتهم له طريق واحد فقط هو الملك وهذا غير صحيح لإن الملك إختار حكومة وظيفتها حل المشكلات وللشعب ممثلين في البرلمان واجبهم متابعة أمور صغيرة من طراز أنبوب مياه أما عباقرة العباقرة فهم بعض العاملين مع أطقم الديوان الملكي الذين يسمحون بهذا الأداء المهني البائس والذي يفسر لماذا يتجه المواطنون عندما يعترضون أو يخططون للإعتصام أو لحرق أنفسهم لبوابة القصر الملكي… عرفت السبب الأن إنه الإعلام المتكلس المتكرش الذي يجلس على ولايته حصريا من يتم إختيار بعضهم لكل الأسباب في الكون بإستثناء {المهنية}..هذا الإعلام يسيء للمؤسسة في الواقع ويسحب من رصيد الملكية ولا يدافع عن خيارات الدولة الأردنية بدليل أن نخبة عمان الفصيحة تعتذر أو تذوب وتتلاشى عندما تبحث محطة مثل الجزيرة عن شخص واحد يدافع عن خيارات الدولة الأردنية. وبدليل أن وزير الإعلام الحالي الزميل سميح المعايطة يضطر للظهور بنفسه كلما طب الكوز بالجرة على فضائية بي بي سي والعربية وغيرهما لتقديم رواية رسمية لأي حدث غالبا ما لا تكون متماسكة وصلبة لإن وزراء الإعلام في بلادي هم جزء من المشكلة بسبب الفارق بين الوزير السلكي واللاسلكي فبعضهم سلكي من عظام رقبة النظام وهذا النوع تفتح له قنوات المعلومات ويبقى على إطلاع والبعض الأخر لاسلكي بمعنى من خارج العلبة والنادي وتحجب عنه المعلومات. بإختصار ما أريد قوله مع إعلام رسمي من نوع الموجود حاليا لا يحتاج النظام الأردني لخصوم أو أعداء أو متآمرين مفترضين من الخارج فالرفاق متكدسون بيننا.الشبيحة والسؤال الصعب لا أعرف سببا من أي نوع في الحياة والكون يمكن أن يدفع مناضلا أو ثائرا لتشغيل الكاميرا وهو يقوم بذبح إنسان آخر حتى لو كان من عتاة مجرمي النظام السوري وقد أثبت مسار الثورة أنهم كثر وبيدهم الحل والعقد وعلى يدهم وبسبب تصرفاتهم العنيفة سيسقط بإذن الواحد القهار نظام الممانعة والمقاومة.لا يحتاج الأمر لشخصيات متبجحة تظهر على شاشة فضائية رؤيا المحلية الأردنية أو على فضائية بي بي سي لكي تتحدث لنا حصريا عن (بشاعات) المعارضة السورية المتلفزة فالمشهد يولغ بجرح كرامتنا الإنسانية ويدفعني شخصيا للتساؤل الدائم: كيف كشف ربيع العرب عن كل هذا المخزون من العنف الطائش المنفلت فينا؟بكل لغات الأرض ندين ذبح أي إنسان مهما بلغ من مراتب الإجرام، وبكل لهجات الكون لا تقبل مبدئيا إلا محاكمات عادلة لجميع المذنبين والمجرمين لكن هذه الإدانة ينبغي أن لا تحولنا عن حقيقة الفيزياء فقد نجح شبيحة النظام السوري الذين نراهم على شاشة الجزيرة يتقافزون فوق أجساد مواطنيهم في تحويل ضحاياهم إلى سجانين في بعضهم نزر من التوحش.طيار من بتوع بشار ظهر على شاشة التلفزيون السوري متبجحا يشرح بفرح كيف قصف المدينة حتى يحافظ على أمن وسلامه طفلته .. زميلة رقيقة وناعمة ومثقفة أقسمت أنها مستعدة لخنق هذا الطيار بيديها العاريتين لو ظفرت برقبته.المعنى واضح: العنف يلد العنف والدم يورث الدم و مشهد الجثث التي سقطت من فوق مقر بريد حلب أو الذبح الآدمي مسئولية مباشرة للدولة السورية برئاسة الدكتور بشار الأسد كما يصفه بعض أدعياء الثقافة في عمان من موزعي لقب الشهادة على كل من هب ودب في النظام السوري. الحرب لم تكن يوما أخلاقية لكني أفترض بأن الأبرياء نزلوا للشارع في سوريا أو حملوا السلاح دفاعا عن الكرامة وسعيا لدولة العدالة والقانون والمؤسسات وتصديا لممارسات غير اخلاقية كانوا ضحاياها دوما ..السؤال الذي يكاد يفصمنا هو : كيف يمكن أن نلوم الضحية أو نحاكمها؟.عندما يقتلع نظام ما فيه جيش وحكومة حنجرة مطرب أو يقطع أصابع رسام كاريكاتور يسمح تلقائيا لمن يعارضه أو يحمل السلاح ضده بإستعمال بشاعات المنطقة المظلمة من الإنسان … كلنا نعرف مصير القذافي. المنار هل لا زالت المنار؟ قلدت فضائية المنار شقيقتها الفضائحية دنيا عشرات المرات وبطريقة لا تليق إطلاقا بحزب وصل فينا سابقا إلى مستوى متقدم من الإحترام والتقدير مثل حزب إلله.ورغم إيماني بأن حزب ألله وضع بيضاته في سلة النظام السوري الحالي إلا أن الإنقلاب الحاد في الأداء الإعلامي خصوصا عندما يتعلق الأمر بمخاطبة الناس عبر فضائية تعودنا أن تكرس نفسها للشهداء وللمقاومة يثير القلق فمحطة المنار في وجدان المواطن العربي ليست قناة ‘دنيا’ لكنها وبطريقة غريبة في الإنتحار المعنوي تسعى لإن تكون كبقالة ‘دنيا’.الأخبارغير محايدة إطلاقا وتمجيد بشار الأسد وصل إلى مستويات غير معهودة من النفاق والربيع العربي تدعمه المنار بقوة عندما يحصل في البحرين أو يتململ ببطء في السعودية لكنه مؤامرة عندما يحصل في سوريا.راقبت المنار جيدا أيام ثورة ليبيا ومصر وتونس فقد كانت داعمة وفرحة مثلنا جميعا وهللت ورقصت للربيع العربي الذي يطيح بالفلول.. بقي إعلام حزب إلله كذلك إلى أن وصلت موجات الربيع محافظة درعا فعندها لم يعد ربيعا بل مؤامرة على سوريا والمقاومة .. أحد ما يقرصني ويخرجني من هذا الإنطباع ..هل المنار هي نفسها المنار التي نعرفها؟.’ مدير مكتب ‘القدس العربي’ في عمّان