وزير الاعلام السوري الاسبق محمد سلمان: الاعلام ليست له سياسة مستقلة بل دوره ان ينفذ سياسة البلد ويروج لها وان يقوم بدور رقابي كبير

حجم الخط
0

دمشق ـ من فاطمة عطفة: وزارة الإعلام، في سورية، على اختلاف مؤسساتها ومنابرها، من أهم وأخطر وزارات الدولة حيث تقف مسؤولة عن إيصال الخبز الإعلامي إلى كل بيت وتوفير المناعة الوطنية في مواجهة الجبهات المعادية. من هذه المسؤولية الضخمة كان لموقع وزير الإعلام هالة كبرى ومكانة متميزة، على المستوى الرسمي والشعبي، داخليا وخارجيا. وأول ما يحتاجه المسؤول الإعلامي الأول، فضلا عن مهامه الرسمية، بناء علاقة منفتحة تستوعب آفاق وميول المثقفين وتراعي حساسياتهم المرهفة وأمزجتهم الرقيقة، ولعل من أصعب الأمور التي يواجهها وزير الإعلام تتجلى في بناء جسور متعددة مع المثقفين من أدباء وفنانين ومؤسسات أهلية ورسمية تخدم المجتمع وقضايا الأمة عامة. من بين وزراء الإعلام الذين استطاعوا أن يبنوا هذه الجسور، كان الدكتور محمد سلمان الذي حافظ على موقعه في وزارة الإعلام بسورية طوال 13 سنة (من 1987إلى 2000) استطاع خلالها أن يبني علاقات جيدة مع المثقفين، إضافة إلى أن أبواب الوزارة كانت مشرعة لأي شخص له قضية تتطلب حلا عاجلا بعيدا عن الروتين. ومن ذلك ما حصل مع أحد الأدباء ممن يقيمون خارج الوطن، عندما تقدمت ابنته للعمل في إحدى مؤسسات الوزارة، حيث كتب الوزير حاشية تقول: ‘مع الموافقة على تعيينها إكراما لوالدها’، ولم يكن على معرفة شخصية بذلك الأديب. قبل أن يتسلم وزارة الإعلام عين د. محمد سلمان محافظا في مدينة الرقة واستمر في منصبه من سنة 80 إلى 87، وقبل ذلك كان محاضرا في كلية التجارة في جامعة دمشق، وهو يحمل شهادة الحقوق من جامعة دمشق، إضافة الى الدكتوراه في الاقتصاد من روسيا. استقبلنا د. محمد سلمان مشكورا في بيته ورحب بجريدة ‘القدس العربي’ وخصها بهذا اللقاء.

انفتاح على المثقفين* الإعلام عالم حساس، والقلائل من المثقفين الذين يتواصلون بود مع وزارة الإعلام، لكنك وطول فترة عملك تمكنت من أن تبني جسورا طيبة مع أكثر الأدباء والمثقفين، داخل سورية وخارجها، كيف حافظت على هذه العلاقات الطيبة؟* ‘المثقفون، سواء كانوا في بلادنا أو على مستوى العالم، لهم فضاءات واسعة، وفضاءاتهم وقناعاتهم وأحاسيسهم تختلف كثيرا عن غيرهم من أبناء المجتمع. عندما جئت إلى وزارة الإعلام، كان لدي بعض العلاقات مع عدد من المثقفين وبصورة خاصة في المناطق التي مارست فيها العمل، سواء كان في جامعة دمشق أو في محافظة الرقة، فتكونت لدي معرفة شخصية بهؤلاء الشباب. لذلك، عندما جئت للعمل في وزارة الإعلام، جئت بأحد الأدباء مديرا عاما لهيئة الإذاعة والتلفزيون، وبصورة خاصة أن الإعلام يقوم على عطاءات المثقفين بالدرجة الأولى، وأكثرت منهم فيما يتعلق بالإنتاج التلفزيوني أو في ممارسة العمل الصحافي أو في كتابة المقالة اليومية، وشعرت بأن هؤلاء مثلما هم ينتمون بأحاسيسهم إلى وطن يخلصون له، كان واجبا علي أن أفتح لهم الأبواب على مصراعيها، وبنفس الوقت عندما فكرت بتطوير الدراما السورية والكتابات السياسية في سورية وتطوير الوسائل الإعلامية، لجأت إلى هؤلاء المثقفين الذين يمارسون الكتابة، سواء كانت في الشؤون اليومية أو في قضايا الفكر الإستراتيجية. كنا بين حين وآخر نعمل الاجتماعات الموسعة مع غالبية هؤلاء المثقفين، وبصورة خاصة الذين يمارسون الأعمال الإعلامية، سواء بكتابة الدراما أو إخراجها من أصحاب الخبرات، وكنت أستمع إلى رأيهم الذي أغنى مسيرة عملي في الإعلام، وتعلمت من هؤلاء الكثير، وتنبهت إلى قضايا ما كنت أعرفها لو لم أسمع من هؤلاء الآراء التي كانت تطرح في تلك اللقاءات. وبنفس الوقت بدأت بتكريم من تميز منهم في عطاءاته في الدراما التي أصبحت شاملة في مواضيعها، سواء كان منها سياسية أو اجتماعية أو تاريخية والتي كانت دروسا تنقل إلى عامة المواطنين من هؤلاء الكتاب والفنانين في بلادنا. وهذا التعامل الذي قام على الثقة المتبادلة جعل الآفاق واسعة أمام هؤلاء المبدعين، وما شعرت في يوم من الأيام بأن تمارس الرقابة على كتاباتهم إلا في مجالين: مجال التربية الأخلاقية أو الموضوع الذي يسيء إلى بنية المجتمع في سورية، سواء في إدارة بعض الحساسيات التي تتعلق في الانتماءات الدينية أو المذهبية. وبكل صدق لم أر أحدا من هؤلاء رغب أن يدخل إلى هذا الميدان، بالعكس كان يرى بنفسه أن من واجبه أن يراعي مصلحة الوطن وأن يعمل على تعزيز هذه المصلحة، هذا الأمر هو الذي أوصلنا إلى ما وصلنا إليه، وأن ينظر إلى هذه العلاقة التكاملية بيني باعتباري وزير إعلام وبين الغالبية العظمى من المثقفين السوريين. وأنا فعلا أشعر بأنهم يعيشون قضايا الوطن بهذه الأحاسيس العميقة، وبنفس الوقت هم ساهموا في تنمية فكرية كبيرة جدا عززت من انتماء المواطن السوري وتعصبه إلى وطنه، إلى أمته إلى قوميته، إلى قضايا المجتمع، كما مطلوب من المسؤول عندما يكون هو صاحب القرار أن يبادر للانفتاح على المثقفين قبل أن يبادر المثقفون بالانفتاح على هذا الوزير أو ذاك المسؤول. أنا شخصيا عندما وجدت أن عددا من المثقفين السوريين المنتشرين في بلدان المغترب، ولهم مواقف مشهودة بكتاباتهم المتميزة عبر وسائل الإعلام، بادرت للاتصال وإعادتهم جميعا إلى سورية. على سبيل المثال، إن الكاتب الكبير زكريا تامر عندما اطلعت على رسالة منه لأحد أصدقائه في وزارة الإعلام يقول فيها إنه: ‘يشتهي ويتمنى أن تتاح له الفرصة أن يعود ويجلس في مقهى العجلوني على ضفاف بردى ليعيش حياة أفضل من كل ما هو عليه في بلاد المغترب…’، فعلا عندما أطلعني صديقه، بادرت وأرسلت له رسالة أعيد على أثرها إلى سورية. وأعود لأذكر أن الأستاذ زكريا تامر قال لي بالتأكيد أنه سوف يطلع على هذا الحديث، يقول تامر: ‘عندما وصلت مطار دمشق كنت أتوقع أن أحجز فيه، خرجت ووصلت إلى مكان استضافتي في شيراتون دمشق، وأنا أفكر أنهم سيأتون إلى غرفتي ليحتجزوني. نمت حتى الصباح، نزلت إلى الصالون ولم يتعرض لي أحد’. جاء إلى مكتبي ليقص هذه الهواجس التي عاشها بين وصوله إلى مطار دمشق واليوم التالي الذي زارني فيه في مكتبي. وكم كنت سعيدا، بعد سنوات من إعادته إلى سورية، أن أراه وهو يتقلد وسام الاستحقاق من قبل السيد رئيس الجمهورية لعطائه. وللتذكير أيضا، عندما قص لي هذه الهواجس قلت له: ‘أنت ابن الوطن وعندما طالبناك أن تعود لوطنك لم يكن بخاطرنا أن نعاتب عن الماضي أو نستذكر إلا ما هو إيجابي بالنسبة لهذا الماضي. كاتب آخر من سورية كان يعيش في باريس هو غسان الإمام. كنت أقرأ له مقالا عبر جريدة ‘الشرق الاوسط’ ووجدت أنه شخصية فكرية متقدمة، لما سألت: لماذا لا يزور سورية؟ قيل إنه لا يحمل جواز سفر بعد أن سحب منه على أثر مواقف أو مقالات لم أقف عندها كثيرا. لكن هو يعلم الآن كيف أمنت له جواز سفر وأرسلت له إلى باريس ليعود مواطنا سورية من حقه أن يعتز أنه ينتمي إلى وطنه سورية، رغم أنني لم ألتقه سابقا ولم أعرفه إلا عبر كتاباته وصوره في الصحف. لكنه بادر وراح يكتب بعدها مقالا أسبوعيا في جريدة ‘تشرين’. عبد الوهاب فتال، صاحب ‘الشرق الجديد’، بعد 28 سنة عاد إلى سورية بدعوة مني من دون العودة إلى ذكر هذا الماضي الذي منعه من العودة إلى سورية، وأنا أذكر أن الشخص الذي اصطحبه إلى مقر إقامته قال لي: إنه عندما عاد، ركع وقبل تراب وطنه وكانت دموعه تنهمر على وجهه كطفل وجد صدر أمه. وهكذا غسان وزكريا وغيرهما العديد من الكتاب والأدباء الذين كانوا يعيشون في المغترب وعادوا إلى وطنهم الذي استوعبهم بقلبه الكبير، والكاتب لا يجوز إطلاقا أن يحاسب على كلماته عندما يكتبها في ساعات يعيشها بدرجة مفرطة من الحساسية أو من العاطفة الشديدة لتأخذه في كثير من أحيانا ليكتب ما يحسه’. تجربة الرقة* تجربة الرقة وعلاقتك مع أهلها الطيبين، حدثنا عن تجربتك هذه؟* ‘الحقيقة عندما كنت في جامعة دمشق لما يقرب من ثماني سنوات، كانت مفاجأة لي أن يصدر مرسوم رئاسي بتعييني محافظا في الرقة، هذه المحافظة التي ما سبق أن دخلتها أو زرتها في عمل أو في سياحة. سأعود للذكرى، عندما أقسمت اليمين أمام المرحوم القائد حافظ الأسد والذي كان شرفا كبيرا لي أن أمثل أمامه في تلك الأيام، عندما دخلت بادرني قائلاً: ‘محمد أنت رجعي بأفكارك’! كنا أربعة أشخاص معينين محافظين. بعد أن أقسمنا اليمن وجلسنا توجهت للاستفسار من سيادته، لأنه قالها بشكل مداعبة. فقلت له: قلت عني أني رجعي بأفكاري، أول مرة تصفني بهذا الوصف وأنت تعينني محافظا، قال: ‘لأني سمعت بأنك ما بدك تروح محافظ’. فعلا لم تكن عندي رغبة، لأني كنت مبسوطا بجامعة دمشق وبعملي السياسي كنت في جامعة دمشق متفرغا للحزب، وكانت الأجواء إيجابية وتربطني علاقات وطيدة بين الكادر التعليمي والطلاب. قال لي: ‘ما عندك رغبة تجدد؟’ قلت له: أنا من جامعة دمشق إلى الرقة، وكان زميل جانبي أشرت له وقلت إنه من المحافظات الشرقية إلى طرطوس، قال: ‘كلاهما في المكان المناسب’. ضحكنا جميعا. توجهت إلى الرقة، وعندما وصلتها وجدتها قرية كبيرة فدرست التركيبة الاجتماعية أو مكونات سكان هذه المنطقة، فوجدت أن الثقافة السائدة في المحافظة هي ثقافة العشيرة والقبيلة والاعتزاز بالانتماء العشائري، والعلاقات الاجتماعية تقوم على هذا الاعتزاز. وبنفس الوقت الممارسات التي كانت تصدر عن المواطنين بهذه البساطة تعبر عن هذا الانتماء، حتى ان الوظائف، وبصورة خاصة على مستوى إدارات المؤسسات، كانت موزعة على أساس عشائري. وأنا من خلال تربيتي وثقافتي الحزبية، التي تنادي بتغيير المجتمع والانتماء إلى الوطن أسمى بكثير من الانتماء إلى العشائرية. هنا وجدت أن أستفيد من هذا الواقع وقلت لا يمكن أن أنكر أو أستنكر هذا الانتماء وهذه العلاقات، لكن يجب أن توظف لمصلحة وخدمة هذه المحافظة. فعندما بدأت بالعمل التقيت مع جميع المسؤولين في قيادة هذه العشائر، والعديد من المثقفين الذين يشكلون حداثة أيضا في مجتمع الرقة من محامين وأطباء وكتاب. الحقيقة كانت فيها حركة جيدة في ذلك الحين بالثمانينات. أذكر منهم كان الدكتور عبد السلام العجيلي رحمه الله أحد الأشخاص الذي جلست معه كثيرا، وسمعت منه توصيفا لمجتمع الرقة، وبنفس الوقت وجدت أن الطيبة والحرص والتعصب من أبناء هذه المحافظة لمدينتهم ومحافظتهم لا تشوبها شائبة، لكن من منطلق الحرص على هذه المحافظة ورغبتهم بأن تصبح مدينة كبقية المدن. بادرت للعمل بالمشاركة الطوعية لأبناء هذه المحافظة وقمنا بالإجراءات العديدة حتى البعض كان قاسيا بالنسبة إلي، مع ذلك كان التجاوب كبيرا سواء بفتح الشوارع أو في إقامة البنى التحتية التي كانت تتطلب إزالة بعض المنازل. لكن كنت في كل إجراء أقوم به كنت أتوجه من مقولة أو قناعة أن يشعر المواطن بأنه مستفيد من النظام القائم ومن السلطة، لا السلطة تغتصب منه أو تمس مصالحه، سواء كانت المادية أو المعنوية. وبنفس الوقت، كان التعامل مع الجميع من خلال انتمائهم للوطن، وليس من خلال انتمائهم السياسي أو انتمائهم العشائري أو أي انتماء آخر. هذه الطريقة في التعامل كان يشعر الجميع بأنهم مشاركون في الحكم. وأهل المحافظة يعرفون عندما أزيلت بعض المقابر التي مضى عليها أكثر من 1500 سنة، كانت برغبة منهم. عندما تفتح الشوارع ويستعاض عن الأبنية القديمة، لم تقم دعوة واحدة على الدولة، لأنهم كانوا يشعرون بأن هذا العمل هو لمصلحتهم. عندما أنجز البناء التحتي للمحافظة كذلك كان بالتعاون معهم. وبنفس الوقت وجدت أن التحول الكبير في البناء الاقتصادي في هذه المحافظة من خلال مشاريع الاستصلاح ينقصها بناء دور الثقافة، فتوجهنا وبنينا دور ثقافة كبيرة تتناسب والمستقبل، وليس الحاضر فقط. وهذه أثرت أيضا على الحركة الثقافية وأثرتها، كما أن هذه الأبنية لم تقتصر على مدينة الرقة ولا على مدينة الثورة التي هي المدينة الثانية الكبيرة، وإنما امتدت حتى شملت جميع المناطق. في نفس الوقت المواطنون الذين كانوا يعملون يدا بيد، كنت أشعر بأنهم يعملون ليل نهار لتطوير هذه المحافظة. على سبيل المثال، كان المواطن في مدينة الرقة ينظف أمام بيته ويجلس الجلسة العربية وكأنه في أي قرية من القرى. هذه الصورة كانت حتى أمام منزل المحافظة، فتوجهنا وبنينا في كل حي من المدينة حديقة عامة، وبدلا من أن يجلس المواطنون أمام بيوتهم أصبحوا يتوجهون إلى هذه الحدائق ويلتقي الشباب فيما بينهم وكأنهم لأول مرة يخرجون لهذا الفضاء الواسع. بنفس الوقت كانت هناك أيضا مساهمة للخروج من العادات القديمة التي كان يعيشها ابن الرقة. عندما يأتون بما يمتلكون من حيوانات وقطعان من الغنم يبيتونها في المدينة من دون أن يصدر أي قرار بهذه الطريقة التي كنا نعمل بها جميعا. لكنهم بادروا ونظفوا المدينة وخرجوا جميعا إلى خارج هذه المدينة، لكن قبل هذا وذاك أعدنا بناء المؤسسات بالقدرة المعرفية والشخص المناسب في المكان المناسب في كل المجالات. كان التقاسم في السابق على أساس أنه عشائري، وأصبح على أساس علمي واختصاص، ولم يعترض أحد وبارك الجميع هذه الخطوات. وبنفس الوقت توجهت لتشجيع وبناء الفرق الفنية ومنها إلى اليوم فرقة ما زالت تعمل في مدينة الرقة بشكل طوعي وليس احترافيا، ليس القصد منها كان أن تجني المال، وإنما احدى الشخصيات الفنية هو إسماعيل العجيلي، كان يدور على المدارس ويختار من الفتيات والشباب لإقامة فرقة فنية وكنت أول من بادر لإرسال بناتي إلى الانخراط بهذه الفرقة، وطبق عليهم النظام وخرجوا مع هذه الفرقة إلى عدة بلدان خارج مدينة الرقة، ينقلون فيها تراث هذه المدينة سواء فولكلور اللباس أو الأغاني التي كانت يومئذ سائدة في مجتمع الرقة ومنذ مئات السنين، ولا أقول فقط عشرات السنين. وقد نالت الفرقة الكثير من الميداليات الذهبية في العالم الخارجي، وحتى هنا وزارة الثقافة تبنت هذه الفرقة وكانت ترسلها أيضا لتمثل سورية في الملتقيات والمحافل الفنية الدولية. أعدنا أيضا بناء المنتديات الرياضية في المدينة وتوزع الشباب في عالم جديد وفق المعطيات الجديدة والتطور الحديث للمجتمع. والرقة تضم مواقع كثيرة تاريخية، أي من أهم مدن الآثار، فوجدت أنه من المفيد جدا ولأول مرة في تاريخ سورية أن تقام ندوة سنة 1982 لتحيي تراث هذه المحافظة، وأول ندوة تعقد في تاريخ هذه المحافظة وقف فيها عبد السلام العجيلي في ذلك الوقت وقال: ‘كنت أحلم أن أرى المثقفين يلتقون في هذه المدينة ليتحدثوا عنها’. وفعلا وثقت كل هذه المواقع الأثرية في محافظة الرقة بأعمال هذه الندوة. وأكثر ما وثق أيضا الحديث عن شخصية يعتز بها العرب جميعا وهو البتاني، عالم الفضاء الذي أحيينا ذكره بمناسبة إقامة هذه الندوة ووضعنا له تمثالا في الساحة، وكان أول عربي قاس دوران الكرة الأرضية، وبين قياسه بوسائله البدائية وبين ما هو قائم في الوقت الحاضر اختلاف دقيقتين وربع الدقيقة فقط. عندما خرج رجل الفضاء السوري محمد فارس حمل معه كتاب البتاني وختمه بخاتم المركبة مير. وكانت هذه الشخصية في مدينة الرقة، وكان رجلا صابئيا، والصابئة هم أكثر من اهتم بعلم الفلك والبحث بعلم النجوم. كانت هذه الندوة حافزا لبقية المحافظات الأخرى لأن تبادر لإقامة ندوات متخصصة وإحياء ذكرى المتميزين في هذه المحافظات عبر التاريخ’. المكاشفة ضرورية* السياسي دائما مضطر أن يخفي بعض الأشياء، هل المكاشفة بين السلطة السياسية والناس ضرورية، وخاصة في عالم الفضائيات الذي لم يعد يخفي أي شيء؟* ‘الحقيقة هذا الأمر يتوقف على ثقة الحاكم بنفسه وعلى يقينه بأن منهجه في العمل هو المنهج الصحيح وهو لمصلحة الشعب، وهذه المكاشفة في وقتنا الحاضر تعود بالنفع على النظام القائم أكثر بكثير من أن يتعامل مع الشعب في بعض الخفايا والمكامن. سأضرب مثلا: في مرحلة من المراحل، الرئيس بشار الأسد وقف وخاطب الشعب وقال هذا هو واقعنا، هذا الواقع أظهر كيف أن القادة العرب مشتتون لا يلتقون على قرار موحد، والموضوع كان يتعلق سواء بالموقف الإسرائيلي أو بالموقف العام الذي يتطلب موقفا عربيا موحدا. وقتها تحدث بهذه المكاشفة وبهذه الصراحة، لأول مرة في تاريخ العمل السياسي خرج طلبة الأزهر وحيوه بالاسم، وحيوا معه قائد المقاومة في لبنان الشيخ حسن نصر الله. عندما أقول إن طلبة الأزهر تطلعوا ووجدوا أن في المقاومة ودعم هذه المقاومة يشكل قوة للبنان لم يتوقفوا عند من هو السيد حسن نصر الله بانتمائه المذهبي. وهذا الدعم عبر عنه فيما بعد أيضا في لقاءات أخرى جمعتهم مع حماس أو غيرهم. لذلك المكاشفة تعطي قوة للحاكم عندما يكون منهاجه العملي يخدم الشعب ويخدم الوطن. لكن هناك قضايا في العمل السياسي تتطلب السرية والكتمان إلى أن تنجز، لأن طرحها مسبقا يمكن أن يستفيد منها الخصم بهذه الحالة في القضايا السياسية. أما في البناء الداخلي، يجب أن تكون المصارحة والمكاشفة صريحة وواضحة’.* يوجد تقارب بين الأساليب التقنية والمنهجية في وسائل الإعلام الغربي، هل أصبح الخطاب الإعلامي العربي وبعد امتلاكه لهذه التقنيات والأساليب قادرا على أن يعبر عن خصائص ثقافية متناسقة تعكس ملامح الشخصية العربية؟* ‘نتحدث عن ذلك من خلال واقع نعيشه، لا يوجد إعلام عربي مشترك. الإعلام العربي منقسم وفق الانقسامات السياسية القائمة، وكل إعلام لبلد يعبر عن السياسة السائدة في بلده، وبنفس الوقت لا يخاطب العالم بعقل عربي، وإنما كل بلد تخاطب العالم الخارجي بمفهوم السياسي أو الخطاب السياسي لذلك البلد الذي ينتمي إليه، رغم أن العرب لديهم من المكونات سواء كانت بالملكية المادية أو البشرية ما يمكنهم من أن يكون لهم دور على الصعيد العالمي. فإذا أخذنا جانبا معينا وهو أن العرب يمتلكون أكبر ثروة نفطية في جغرافية العالم كله، وبنفس الوقت عندهم رصيد كبير من الأشخاص الذين خدموا البشرية عبر التاريخ، ولديهم في الوقت الحاضر أيضا قوى علمية كبيرة، لكن موجودة في العالم الخارجي ولها مكانتها ويعتز كل بلد بأن من أبنائه من يعمل في مركز بحوث، سواء يعمل في العالم الغربي أو على مستوى الكرة الأرضية، لكن هذه القوى لا توجد بوتقة تجمعها وتجعل من عملها ما يساهم في بناء العصر الحديث في بلادها. وبصورة خاصة يوجد شيء اسمه سياسة عولمة، العولمة وسياسة العولمة تدعو إلى إلغاء الحدود، وسياسة العولمة الحقيقية تمحي الدول الصغيرة، وتمحي ثقافة الشعوب الصغيرة وتحل محلها السياسة والأفكار الجديدة، وبنفس الوقت الذين أطلقوا العولمة هم الذين يمتلكون المعلومة، ومن يمتلك المعلومة هو الذي يكون سيد الآخرين، ويشكل بالوقت ذاته القيادة الفكرية والمادية للمجتمعات الأخرى. لأنه بالعلم هو الذي يصدر المعلومة، والمعلومة هي التي تبني المجتمع وتطور المجتمع. ولكن حسبما تصدر عنه هذه المعلومة، فإن كان صدرت عن مجتمع رأسمالي تخدم الرأسمالية. وإذا كانت المعلومة تبني مجتمعات إنسانية تقوم على العلاقة المتكافئة والمتوازنة، عندها بالتأكيد تؤدي إلى هذا التنظيم. لكن يظل مصدر المعلومة هو الذي يصدرها فيما يخدم نظامه السياسي وبما يخدم بيئته وأهدافه الإستراتيجية. وأنا أستطيع أن أقول: لا يوجد إعلام عربي موحد، ولا يمتلكون لقضيتهم رؤية عربية موحدة، حتى تجاه قضيتهم هذه وهي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية والتعامل مع العدو الصهيوني’. علاقة الاعلام بالقرار السياسي* نجد الإعلام أحيانا يخوض معارك سياسية، ما هي علاقة الإعلام بالقرار السياسي، وخاصة من خلال خبرتك كوزير إعلام لحقبة طويلة؟* ‘بشكل مختصر أقول: إن دور الإعلام أن ينفذ سياسة وأن يروج لها ولا يصنع سياسة مستقلة عن سياسة البلد الذي يعيش في ظله. هذا في الإطار العام، أو في إطار السياسة العامة الخارجية، أما على الصعيد الداخلي فالإعلام له دور رقابي كبير، وهذا الدور الرقابي الكبير هو الذي ينبه لأخطاء يمكن أن تشمل الحكومة لما تتخذ من قرارات وممارسات لبعض المسؤولين وتكشفها أمام صاحب القرار السياسي وتضعهم أمام الحقائق. وهذا الدور للإعلام تطور في السنين الأخيرة، وهو بالحقيقة يساهم مساهمة كبيرة في بناء الوطن وتخليص الوطن من العديد من الشوائب التي يمكن أن تسيء لمسيرة الوطن. وهذا الأمر موجود في كثير من البلدان العربية. لكني أرجع لأقول: أما في السياسة العامة، فهو ينفذ السياسة العامة ولا يمتلك السياسة المستقلة إطلاقا، لا عندنا ولا عند غيرنا، على مستوى الوطن العربي’. * القضية الفلسطينية وما وصلت إليه، كيف ترى حاليا مستقبل هذه القضية ضمن ظروف مساعي السلام أو المفاوضات كما يقال حول هذه القضية؟* ‘القضية الفلسطينية الآن أمام منعطف تاريخي كبير جدا، ما وصلت إليه سابقا. الشعب الفلسطيني منقسم، وبنفس الوقت صار في قناعة عند من يسمون أنفسهم بأنهم السلطة الفلسطينية ان حمل السلاح لم يعد يفيد، وفي نفس الوقت قبلوا بأن يفاوضوا خارج المرجعية الدولية المتمثلة بالقرارات التي كانت قوة في يدي الحركة الفلسطينية، وقوة في أيدي العرب جميعا، لأن العرب جميعا ساهموا في الموضوع الفلسطيني سواء كان في 48 بقوتهم العسكرية أو البشرية، وساهموا جميعا في حرب 67 وفي حرب 73 كلها حروب خضناها. صحيح أن العرب ما انتصروا على إسرائيل وأعادوا الأرض، لكن هذه القضية بقيت ماثلة على مستوى البشرية قاطبة، واختصرت في السنين الأخيرة وأقنعوا بعض الأشخاص من الحركة الفلسطينية وقالوا عن إمكانية إقامة هذه الدولة الفلسطينية، لكن هذه الدولة لا يمكن أن تقام في ظل مفاوضات مباشرة كما قيل في الوقت الحاضر، لأن هذه المفاوضات أعادت عملية للسلام إلى نقطة الصفر واستطاعت أن تتخلص القيادة الإسرائيلية من كل الالتزامات السابقة، تجاه المجتمع الدولي من جهة، وتجاه الشعب الفلسطيني من جهة أخرى. وكما رأينا من عشرين سنة المفاوضات قائمة، نرى كلما تغير رئيس وزراء أو حكومة في إسرائيل يرجعون ليطالبوا بالعودة إلى نقطة الصفر. الآن اختصرت القضية الفلسطينية بموضوع إيقاف المستوطنات وعدم إيقافها، بدلا من الأرض الفلسطينية كلها كما كان، ثم أصبحت بقرارات الشرعية الدولية: هذا فلسطيني وهذا للشعب المغتصب. نتنياهو قبل أن يدخل المفاوضات المباشرة أعلن يهودية الدولة الفلسطينية، وفي نفس الوقت ليبرمان وزير خارجيته يقول: لا يمكن في هذه المفاوضات أن يكون السلام مقابل الأرض. وهم الذين وضعوا الشروط الآن، بينما كان الجانب الفلسطيني هو الذي يضع الشروط ويعلنها. الآن ما في شروط أمام الفلسطيني سوى التمديد لوقف الاستيطان! فإذا كان نتنياهو يقول ذلك، هذا يعني أن الحكومة الإسرائيلية حريصة على البقاء والاستمرار، وبصورة خاصة أن نتنياهو وهو الذي يتذكر في الماضي كيف أسقط عندما كان بمواقفه المتحجرة، وعليه أن يرضي اليمين الصهيوني المشارك في الحكومة. وحتى لو قبل نتنياهو ببعض المطالب الفلسطينية، يمكن لليمين اليهودي أن ينسحب من الحكومة وتفرط الحكومة وتسقط كل الالتزامات. لذلك أنا من رأي أنه من الخطر الكبير جدا أن نعطي للحكومة المغتصبة هذه القوة، ولا بد أن تمحى من طرحها يهودية الدولة، لأن حصولهم على هذا الاعتراف يعني إلغاء كل الفلسطينيين الذين يعيشون خارج فلسطين، وبنفس الوقت إلغاء أي شيء يتصل بالدولة الفلسطينية، لأنه عندما يتم الفصل بين الشعب الفلسطيني في الداخل، والشعب الفلسطيني في الخارج، فهذا أيضا هو امحاء للشخصية الفلسطينية ولمقومات الشعب الفلسطيني. لكن أرجع وأقول: لا يمكن لهذه الحكومة الإسرائيلية ولا وللصهيونية أن تقبل بشرعية وجود الشعب الفلسطيني إلا عندما ترى أن المقاومة الفلسطينية ما زالت قائمة وقوية’.* طبعا هناك احتلال الأراضي العربية السورية وعملية السلام، هل إسرائيل جادة أو أن ثروة الجولان ومنابع المياه من أهم عوامل القوة والبقاء لهذه الدولة المحتلة لا يمكن أن تتخلى عنها إلا بالقوة؟* ‘الحقيقة هي المطالبة عندما يقول الحكام الصهاينة، أما أن يتحدثوا عن السلام فهي كذبة مفضوحة ولا تشكل لغزا إطلاقا، لأن ثقافة المحتل حتى على صعيد المواطنين هي ثقافة رافضة للتخلي عن أي أرض محتلة. وأيضا الحكام يواربون ويسوفون، يعملون على كسب الزمن لتغيير البنية السكانية والجغرافية في الأرض المحتلة، وموضوع المياه هو حلم لكل صهيوني. وأعيد للذاكرة سنة 1917 (هرتزل) وجه رسالة إلى رئيس وزراء بريطانيا يقول له فيها، بعد ما عرفوا باتفاقية سايكس بيكو، وبالتالي تحديد أرض فلسطين وتقسيم سورية، وتبين لهم القسم الممكن لليهود والقسم المحدد للعرب فوجدوا أن منابع المياه لا تدخل ضمن هذا التقسيم، فوجه له رسالة وقال له: ‘من أجل أن ينعم الشعب الإسرائيلي بمياه تكفي لأن يعيش ويشرب ويزرع الأرض ويعيش من ورائها، فلا بد من توسيع الحدود الشمالية لتشمل منابع المياه’. بعد فترة جاءه الجواب أن تقسيم سايكس بيكو وقع والفرنسيون لا يقبلون بإعادة تعديل الحدود. وأول ما فعلوه سنة 1967 وضعوا يدهم على منابع المياه، وبدؤوا يسرقونها بالإضافة إلى قيامهم بحفر الآبار العميقة في سفوح جبل الشيخ وسهوله. لذلك نحن مدركون في سورية أنه لا يمكن للسلام أن يتم بالتخلي عن أية حبة تراب من الأراضي العربية المحتلة. وما نعيشه في الوقت الحاضر، بالحقيقة لا يوجد توازن بين قوتنا كسورية وقوة العدو الإسرائيلي، والعرب نأوا بأنفسهم عن أي حرب مقبلة مع العدو. لذلك، نعمل عن طريق العمل الدبلوماسي بهذا الموضوع، ونستمر بوقوفنا جنبا إلى جنب مع المقاومة ودعمها، لأننا نعمل في الساحتين: ساحة الصراع على الأرض وساحة العمل الدبلوماسي على المستوى الدولي. ومن خلال يقيننا أن الحكومة الصهيونية القائمة لا تريد السلام، ورئيس وزرائها حتى عندما يقول بالسلام يقوله بمعزل عن الآخرين، وغير قادر على أن يفرض السلام على حكومته. وحكومته، بما تضم من يمين، ترفض بشكل علني القبول بالسلام والتخلي عن الأرض. والولايات المتحدة الأمريكية غير قادرة على أن تفرض على إسرائيل القبول بأي سلام يلزمها بالانسحاب من الأراضي العربية. فطالما الشعب المحتل غير مهيأ، والحكام يرفضون باسم شعبهم أيضا عملية السلام، والحكومة لا يمكن أن تفرض حتى لو قبلت بنقاط معينة، والعالم الغربي يقول إن إسرائيل تدافع عن نفسها، وأوباما الذي يتحدث لا يستطيع أن يفرض، فعملية السلام فارغة من كل محتواها ولا يمكن أن يتحقق سلام بمثل هذه العقلية أو بمثل هذا الموقف الدولي، لكن ليس من حق أحد أن يصادر إرادة الأجيال المقبلة، ولا أن يعقد اتفاقيات تمنع على هذه الأجيال أن تمارس نضالها من أجل استعادة هذه الأرض’. الامن الغذائي* أنت اليوم متفرغ، هل لديك مشروع بحثي خاص بك، وأنت صاحب تجربة غنية في وزارة الإعلام وفي إدارة شؤون محافظة الرقة، خاصة أنك تجمع بين دراسة القانون والاقتصاد؟ وكيف تمضي وقتك؟* ‘من يدرس الحقوق أيضا عنده مواد اقتصادية وهي من صلب الدراسات القانونية. وأنا بعد أن خرجت من الوزارة، وضعت كتابا حول ‘الأمن الغذائي السوري’. والكتاب بهذا العنوان الاقتصادي، وضعت فيه خلاصة تجربتي التي خضتها في مدينة الرقة وأنا محافظ، ومشاهدتي للشركات الكبيرة التي كانت تعمل على تغيير البنية الجغرافية والاقتصادية والاجتماعية في تلك المحافظة، ومشاركتي لكل المجالس الإنتاجية لتلك الشركات. وبنفس الوقت صارت عندي خبرة كبيرة فيما يتعلق بظروف الأرض ومنتجاتها والمياه، ودورها في تأمين الغذاء. وضعت الكتاب، وكنت أحد أعضاء اللجنة السورية الأوروبية لعقد شراكة، وتابعت المشاريع التي وضعت واتفاقية الكات وانعكاساتها على العالم الثالث ومن يشترك بهذه الاتفاقية وغيرها من الاتفاقيات الدولية، كما أن عندي قراءات متنوعة ومتعددة، وساهمت بين الحين والآخر في كتابة مقالات نشرت في ‘الشرق الأوسط’ وفي جريدة ‘السفير’. كذلك أسهمت بلقاءات تلفزيونية ولو أنها مقلة، لكن حسب الموضوع الذي يكون مطروحا للنقاش والمعالجة، وحسب الحالة التي نعيش فيها كإبداء رأي، كما أساهم في بعض المحاضرات وفي مناسبات معينة. لا يوجد مشروع محدد سوى المتابعة لما يخص قضايا الوطن والأمة وبصورة خاصة أننا تربينا تربية قائمة على مفهوم الالتزام القومي والمسؤولية القومية، لذلك لا بد للواحد أن يهتم بقضايا الوطن العربي كله، والقضية الفلسطينية التي نعيشها بشكل يومي، لأن انعكاساتها على الوطن العربي كله’. وقد وجه الدكتور محمد سلمان تحية إلى ‘القدس العربي’، يقول فيها: ‘تحية إلى السيد عبد الباري عطوان الذي أراه شخصية وطنية عبر كل شاشة يطل منها، والهم الفلسطيني والعربي الذي يعيشه هذا الإنسان في أحاسيسه وبكل مكوناته الفكرية جدير بالتقدير، وبالتالي رؤيته للمستقبل مستنيرة واضحة وتطلعاته طموحة بأن تحقق هذه الأمة ولو بعض ما تصبو إليه من تقدم ومنعة وازدهار’.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية