إن تاريخ علاقات واشنطن بالقدس مشحون بالمناوشات المتعلقة بجوهر وعناصر التسوية المطلوبة بين اسرائيل والفلسطينيين، ولذلك يجب ألا تفاجئنا الاختلافات الحالية. فقد تميز عهد الرئيس جيمي كارتر مثلا باختلاف شديد طويل في هذه القضية مع رئيس الوزراء مناحيم بيغن، بلغ ذروته في خطبة الرئيس الامريكي المواجهة السافرة في الكنيست في آذار 1979، التي حاول فيها أن يجند الجمهور الاسرائيلي على بيغن نفسه. وبعد ذلك بعشر سنوات حدثت ازمة لا تقل شدة عن ذلك بين ادارة الرئيس جورج بوش الأب ورئيس الوزراء اسحق شمير صاحبتها موسيقى منفرة بصورة خاصة من قبل وزير الخارجية الامريكي العظيم القوة والتأثير جيمس بيكر. لكن برغم الاختلافات التي كشف في اطارها عن عدم الاتفاق على الاجراء والجوهر معا، لم تنزلق الازمات التي حدثت في الساحة الفلسطينية على نحو عام الى مواضع اخرى ولم تثر ايضا تساؤلات تتعلق بالطبيعة الاساسية للسياسة الخارجية الامريكية واتجاهها. والامور اليوم تختلف وليست الفروق الحالية في التوجه فيما يتعلق بمضامين وثيقة الاطار التي تصاغ في العاصمة الامريكية، ليست سوى طرف جبل الجليد الذي يتصل جزؤه الرئيس الخفي اتصالا قويا بالقلق المتزايد في اسرائيل مما يبدو أنه حماسة امريكية زائدة للانفصال عن الشرق الاوسط من طرف واحد. إن الامريكيين يفعلون ذلك بسعي حثيث الى تسويات في مراكز توتر مركزية (في الصعيد الفلسطيني وفي الجبهة الايرانية مثلا)، تُمكن العم سام من الانسحاب من المنطقة دون خشية تصعيد خطير قد يجذبه الى القِدر الفوارة بخلاف رغبته. يُخشى اذا من أن يكون غناء بجعة الدبلوماسية الامريكية في المنطقة وأن جهود وزير الخارجية جون كيري التي لا تكل بين القدس ورام الله ليس سوى حلقة واحدة في ‘خريطة طريق’ أكثر طموحا يفضي واحد من سبلها من واشنطن الى طهران مباشرة. ويصاحب ‘خوف الهجران’ هذا ايضا معرفة أن الرئيس اوباما استقر رأيه على دخول كتب التاريخ على أنه الضد المطلق لسلفه في البيت الابيض جورج بوش الابن، ولا يعني هذا فقط أنه طوى نهائيا خيار استعمال القوة العسكرية بل يعني أن التفكير في التدخل الخارجي مصدرا لتغيير نظام الحكم (كما حدث في العراق قبل عشر سنوات) يثير زعزعته. وحتى لو أمكن أن نفهم الجذور النفسية لهذا الاحجام العميق عن كل طريقة عمل قد تجعل الرئيس الحالي يشبه سلفه المكروه في الوعي العام فان التمسك الوسواسي حقا بطريقة عمل نباتية سلبية جدا يوحي بضعف عام وهو بمنزلة ‘علامة شاهدة’ سافرة على تهاوي العصر الامريكي بشكل سريع. على سبيل المثال لم تنكر الادارة فقط التزامها الصريح أن ترد بالقوة على الاستعمال الكثيف للسلاح الكيميائي الذي قام به نظام الاسد على سكان مدنيين عاجزين، بل امتنعت ايضا في مراحل القتال الاولى عن أن تمنح ‘نواة الحكم’ المعتدلة المشايعة للغرب بين المتمردين الرعاية والمساعدة العسكرية الكبيرة، وإن لم يكن الحديث ألبتة عن تدخل امريكي عسكري مباشر بل عن تأييد ودعم للتيار المركزي بين القوات المعارضة للاسد. إن مجرد التفكير في هذه الاستراتيجية أثار خوفا في البيت الابيض من أن تفسر بأنها محاولة لاحداث تغيير نظام الحكم وأن تعيد اوباما في نفق الزمان مباشرة الى ايام الايديولوجية المحافظة الجديدة لادارة بوش الابن. والخلاصة أنه على هذه الخلفية من الضعف العام والتحلل من مسؤولية القوة العظمى أصبح للوعود والالتزامات الامريكية لاسرائيل باعتبارها جزءاً من رزمة التسوية للقضية الفلسطينية، معنى جديد لا يمكن تجاهله. إن مفهوم الصلة بين مجاميع وموضوعات سياسية واستراتيجية مختلفة يعود اذا من هاوية النسيان الى مركز المسرح ويصبح معطى مركزيا في منظومة الحسابات من المؤكد أنه يقف في نظر اسرائيل مثل اشارة تحذير في هذه الايام من الوساطة الامريكية الحثيثة.