وساوس الديكتاتور المخلوع وهواجس ابنه المنبوذ!

حجم الخط
0

ناصر عراقما الذي دار بالضبط في ذهن الرئيس المخلوع حسني مبارك لحظة أطاح به الشعب المصري العظيم من فوق عرش السلطة مساء الجمعة 11 شباط (فبراير) الماضي؟ وماذا جال بخاطره وهو يلملم أشياءه الثمينة قبل أن يهجر عرين الرئاسة إلى الأبد؟ هل تذكر سنوات طفولته وهو يلهو ويمرح بين حقول قريته كفر المصيلحة في المنوفية؟ هل استعاد توبيخ أمه له عندما لم يمتثل إلى أوامرها بعدم الاستعلاء على الصبية من رفاق قريته؟ هل تساءل كيف جرؤ المصريون على التصدي له وتحدي جبروته التاريخي؟.

هل تلفت حوله بحسرة، فتأمل الذهول الذي يعتري ابنه الأصغر جمال، فأشفق عليه، ثم لعنه في سريرته لأنه كان وراء مصيبته هذه التي لم تخطر على بال الإنس والجن؟ هل أمر سكرتيره الشخصي الذي أمسك بيده وهو يهرول خارجاً من قصر العظمة إلى رصيف المنبوذين قبل أن تصل الملايين لتنتزعه من فوق قمة البذخ انتزاعاً، أقول هل أمر سكرتيره هذا بأن يمنحه قليلاً من الماء يبلل به روحه التي جفت، وضميره الذي تيبس بعد التصاقه بكرسي الأبهة ثلاثين عاماً طوالا ً؟

هل تذكر كيف أنه كان أحد القادة الكبار الذين شاركوا في التخطيط والإعداد لحرب تشرين الول (أكتوبر) المجيدة عام 1973، ومع ذلك لم يشفع له تاريخه العسكري من أن يحميه من تدفق الحشود المقهورة التي انقضت على نظامه المهترئ واستبداده الكريه، مطالبين برحيله في التو واللحظة؟ هل ابتسم، من فرط الألم، عندما تذكر أن أحد شباب المتظاهرين الذين شاهدهم في قناة ‘الجزيرة’ يرفع لافتة في ميدان التحرير كتب عليها (امشي بقى يا أخي… مراتي وحشتني). هل عض بنان الندم بقوة لأنه ترك أمور الدولة لابنه المدلل وأصدقائه يديرونها باعتبارها إقطاعية خاصة لهم، فكان ما كان، واضطر إلى الفرار من القصر الرئاسي تحت دوي الملايين الذين يهتفون بسقوطه وبطلانه كحاكم أوحد ومتوحد؟ هل رمق السيدة زوجته بنظرة غل لأنها أصرت على التوغل في شؤون الدولة، تأمر هذا وتعيّن ذاك وتطرد آخر؟ هل همّ بأن يعنفها بسبب إلحاحها المزعج بضرورة أن يهيئ كرس العرش ليعتليه ابنها الأصغر، الذي يشبهها، في أقرب فرصة؟ هل تذكر حفيده الراحل، فشكر المقادير لأنها خطفت روح الطفل المسكين قبل أن يرى جده الحنون مهاناً ومطروداً؟

هل طلب مستشاره المالي ليخبره كيف سيحمي مليارات الدولارات التي نهبها طوال فترة حكمه، بعد أن سربت الصحافة العالمية مقدارها الخرافي؟ أم استدعى الطبيب ليرجوه أن يخفف عنه هذا الصداع المخيف الذي يشطر رأسه منذ أن انفجر الناس في 25 كانون الثاني (يناير) الفائت ضد نظامه المتغطرس؟

هل استعاد مذاق الرجفة الذي انتابه من هول الهيبة حين التقى جمال عبد الناصر لأول مرة؟ أم انزعج عندما خرقت أذنه الذكرى المشؤومة لصوت الرصاص المنهمر الذي يخترق جسد السادات وهو يقف بجواره في يوم المنصة المشهود؟ هل بكى عندما رأى ابنه الأكبر علاء، الذي يشبهه كثيراً، ينخرط في نحيب حاد وهو يطالع على الفضائيات سيل الشعارات التي سخرت منه وفضحت جبروته وبطشه وبغض الناس له؟

هل شتم المصريين ووصفهم بأنهم ‘شعب جاحد لا يقدر عظمة رؤسائه وعبقريتهم، فقتلوا السادات وطردوني؟’ أم أخذ يكيل لنفسه الكثير من التقريع لأنه لم يفهم الناس، ولم يقرأ التاريخ، ولم يستوعب ضرورات العصر؟ هل تذكر وزير داخليته حبيب العادلي الذي أوهمه بأن ‘المتظاهرين شرذمة من المأجورين، وأن الملايين من الناس تحبك سيدي الرئيس، فنم مرتاحاً ولا تقلق’، فراح يسبه ويلعن اليوم الذي أصدر فيه قراره المشؤوم بتعيين العادلي هذا وزيراً لداخليته؟ أم انتبه إلى أن وزير إعلامه أنس الفقي ظل يخدعه طوال السنين الفائتة، مؤكداً له أن الشعب كله يتدله في حبك سيدي الرئيس؟

هل شعر بأسف شديد لأنه لم يتعظ بما يكفي من المصير المفجع لزميله في الرئاسة زين العابدين بن علي، فلم يهتم بإطفاء نيران الغضب التي تتقد في صدور المصريين جراء الفقر والقهر والاستبداد؟ أم أنه لعن وزير خارجيته أبو الغيط الذي نفى أي شبه بين تونس ومصر؟

هل استدعى زكريا عزمي، ظله الدائم منذ سنوات طويلة، ليصوب نحوه ألفاظه النابية موبخاً إياه بحدة لأنه كان يستخف بالتقارير الأمنية التي تحذر من انتفاضة الشعب بصورة فجائية ضد القهر والفقر والفساد، قائلاً له: (كل الأمور تحت السيطرة سيدي الرئيس، فلا تقلق ونم مرتاح البال في قصرك الهادئ في شرم الشيخ)؟.

هل اعترف، ولو سراً، بأنه أخطأ في حقنا نحن المصريين البسطاء، فلم يهتم بتطوير البلد ولا بإقامة العدل، ولا بإشاعة فضيلة الحرية، فذرف الدموع ندماً على ما صنع في حق نفسه وشعبه وبلده؟ أم أنه عدّ نفسه أنقذ الوطن من السقوط في بئر الضياع فور مقتل السادات، فشيّد بنية تحتية متماسكة، بعد أن كانت هذه البنية قد أصابها العطب بسبب إهمال السادات الذي كان يلهث وراء مجد شخصي مزيف؟

هل ارتعب من فكرة أن يجرجره الثوار إلى المحاكم بتهم القتل والفساد، أو التربح من وظيفته؟ أم أنه تجرع كأس الأمان لأن المشير حسين طنطاوي رئيس المجلس العسكري الذي يمسك بزمام السلطة الآن لن يسمح بأن يهان قائده على الملأ؟

هل تذكر الرئيس الأمريكي أوباما، فلعنه بصوت مسموع لفت انتباه زوجته التي ترنو إليه طوال الوقت بعيون دامعة وقلب محطم؟ أقول هل لعنه لأنه لم يؤازره في محنته هذه، فخرج على العالم من بيته الأبيض ليطالبه بالرحيل؟ ‘هل نسي أوباما ما فعلته من أجله عندما طلب مني أن أساند نتنياهو في صراعه التاريخي مع الفلسطنيين، وهو ما استجبت له برحابة صدر، مثلما فعلت دوماً مع رؤساء أمريكا الذين سبقوه؟’. هل صرخ بصوت متحشرج: (لماذا وقفت ضدي يا أوباما وأيدت شرذمة من شعبي العاق؟). هل أمر سكرتيره الشخصي أن يصله تليفونياً بأوباما وهيلاري كلينتون ليخبرهما بصراحة أنه يكرههما، وأنه سيحرض عليهما كل أصدقائهما من الحكام العرب؟ أم آثر الصمت، والاكتفاء بعزف أنشودة الشتائم لأوباما في سريرته؟ أما ابنه المدلل جمال، ترى… كيف قضى ليلة طرد أبيه من عرين السلطة؟ هل نظر شذراً إلى القادة العسكريين الذين التفوا حول والده المهزوم الذي رمقهم بذهول، وهم يجبرونه على الرحيل فوراً قائلين له: (عليك بالمغادرة الآن سيدي الرئيس)؟ أم أنه توارى عن أعينهم حين لمحهم يدخلون من باب قصر الرئاسة، مدججين بعزيمة من حديد على تلبية مطالب ثورة الشعب في إبعاد أبيه وإخراجه بالقوة من عرين السلطة؟

هل حاول أن يتصل بحبيب العادلي علّه يقترح حلاً لهذا المأزق، لكنه تذكر أنهم قبضوا على وزير الداخلية وحددوا إقامته قبل يومين؟ أم خطر له أن يتصل بصديقه الحميم أحمد عز ‘الذي بهرني بذكائه الحاد، وأقسم أمامي أنه سيضعني على عرش مصر في تشرين الأول (أكتوبر) المقبل’؟ أم أنه اكتشف أن موبايل صديقه مغلق، ونسي أنه هو الآخر قد تم إلقاء القبض عليه؟

هل تذكر غرفة جهنم التي تقبع في مكان سري داخل مقر الحزب الوطني على كورنيش النيل في القاهرة، فوضع يده في جيب سترته ليستخرج منها سلسلة المفاتيح، ويتأمل مفتاح غرفة جهنم هذه التي تحتوي على ملفات تضم أدق أسرار رجال الدولة، حتى يتمكن من ابتزازهم متى شاء عملاً بنصيحة صديقيه العادلي وعز؟ أم أنه حاول التخلص من مفتاح هذه الغرفة الجهنمية بإلقائه من النافذة، حتى لا يتورط إذا تم اكتشافها من قبل الشعب؟

هل صرخ في خادمه طالباً منه أن يعد له كأساً من الويسكي ليتخفف من حمى التوتر التي تعتريه منذ انطلاق الثورة في 25 يناير؟ أم زجر زوجته الجميلة حين تساءلت مذعورة كيف وصلت الأمور إلى هذا المستوى المؤسف؟ هل حاول الهرب من النظرات القاسية لشقيقه الأكبر علاء التي تلاحقه في أي مكان يذهب إليه داخل القصر؟ أم أنه قرر مواجهة أخيه والدفاع عن نفسه؟

هل اتصل بمستشاره المالي طالباً منه إيجاد حل سريع لحماية المليارات من (دولاراته ويوروهاته وجنيهاته)، حتى لا يستعيدها الشعب الثائر إذا علم بأمرها ومكانها وكيف نهبها؟ أم ودّ أن يبكي على صدر أمه الملتاعة متوسلاً إليها أن تغفر له شططه وهوسه بالسلطة؟ أم همّ أن يصرخ في وجه والدته معاتباً ومعنفاً لأنها هي، وليس أي أحد آخر، من غرز في روحه هذا الغرام المشبوب بالسلطة هاتفاً: (أنت من ظللت توسوسين في أذني أنني رئيس مصر القادم بعد أبي)؟ هل خطر له أن يطلب من قائد طائرته الخاصة أن يستعد ليغادر البلاد بأقصى سرعة قبل أن تتفاقم الأوضاع ويجد نفسه محاصراً أو سجيناً؟ أم أنه طمأن نفسه بأن رجاله في الحكومة والحزب الوطني، وأصدقاءه من رجال الأعمال سيعملون بكل طاقاتهم لاستعادة السلطة التي فقدها، والهيلمان الذي ضاع؟

هل ذرع أروقة القصر ذهاباً وإياباً بعصبية يعتصر روحه ندم كبير لأنه لم ينتبه بما يكفي إلى أن الناس قد كرهته وكرهت أباه وحزبه وحكومته و(عزه) صديقه الذي احتكر الحديد واحتكرني؟ أم أنه رغب في تناول قرص منوم ليساعده على مصادقة النوم الذي يخاصمني منذ أن نزعت الجماهير عن نفسها ثياب الخوف وهتفت بسقوطه مع أبيه؟

هل تذكر شلة المنافقين من الوزراء ورجال الأعمال والصحافيين والمثقفين الذين كانوا يكيلون له المديح في الصباح والمساء مرددين بحماس: (لا مشكلة سيادة الرئيس في أن تكون أنت سيادة الرئيس رسمياً بعد والدك العظيم)؟ أم أطلق لسانه ليسدد أقذع الشتائم نحو صفوت الشريف ومفيد شهاب وعليّ الدين هلال وزكريا عزمي الذين باعوه عند أول ثورة، فلم يخبروه عندما كانوا يلقنونه دروساً في السياسة أن الشعوب تنتفض وتثور ضد حكامها، مهما كان بطش الأجهزة الأمنية، إذا شعرت بالظلم والفقر والقهر؟

هل حاول الاتصال بمعارفه من المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين راجياً منهم أن ينقذوه؟ أم اتصل برجاله المخلصين طالباً منهم المجيء فوراً ليعيدوا ترتيب أوراقهم من أجل استرداد السلطة والحفاظ على الثروة بأي وسيلة، خاصة وأنه سمع من أحدهم أثناء تلقيه دروس السياسة عن شيء اسمه الثورة المضادة؟ أم أنه فقد الأمل تماماً في العودة إلى عرين السلطة، فجلس محطماً على كرسي فخم يحتل زاوية قصية في الممر الواصل بين غرفته وغرفة أخيه في الدور الثاني من القصر الرئاسي؟

هل استدعاه أبوه، فذهب إليه بخطوات مرتبكة، خفيض الرأس غير قادر على النظر في عينيه، بينما الدموع تنهمر على وجه أمه وهي تراه هكذا ذليلاً منكسراً؟ أم أنه واجه أباه بصلف معاتباً إياه بشدة لأنه لم يستجب إلى إلحاحه المستمر بضرورة أن يتخلى له عن السلطة فوراً، ليعيد صياغة الحكم وفق النظام الجديد الذي سأضعه مع صديقي الحميم أحمد عز؟

هل اشتبك مع أبيه في مشادة حادة حول ما جرى؟ وهل تدخل شقيقه علاء ليدافع عن والده بقوة متهماً أخاه بالغباء ‘لأنك وضعتنا جميعاً في هذا الموقف البائس’؟ هل بكت الأم حين رأت ابنيها على شفا حفرة من الانهيار، بينما زوجها المتهالك يتأمل الجميع بوجه متغضن وهو يمضغ مرارة الحسرة على العرش الذي ضاع والأسرة التي تفككت؟

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية