غزة: وجد نازحون فلسطينيون في مدينة غزة أنفسهم في الشارع بلا مأوى ولا مكان آمن، بعد رحلتيّ نزوح مروا بها تحت وطأة التهديد والقصف في غضون أقل من يومين.
والأحد، أجبر الجيش الإسرائيلي الآلاف من الفلسطينيين على إخلاء منازلهم في البلدة القديمة وأحياء التفاح والدرج شرق مدينة غزة والتوجه نحو المناطق الغربية، تحت تهديد القصف وبعد إنذارهم بالإخلاء تمهيدا لتنفيذ عملية عسكرية هناك.
وترك هؤلاء ممتلكاتهم وأمتعة وفتات الطعام القليل الذي يمتلكونه في ظل مجاعة جديدة باتت تضرب مفاصل الحياة.

لكنهم فوجئوا فجر الاثنين، بتنفيذ الجيش عملية برية مفاجئة في المناطق الغربية ما اضطرهم إلى النزوح إلى أماكن أخرى.
ليصدر الجيش لاحقا بيانا يطالب فيه السكان بإخلاء المناطق الغربية وبعض المناطق جنوب المدينة، والتوجه بشكل فوري إلى منطقة المواصي غرب مدينة دير البلح، بوسط القطاع.
وسادت حالة من الاضطراب والخوف أوساط النازحين، الذين لم يعرفوا وجهتهم المقبلة، في ظل اكتظاظ منطقة المواصي وسط وجنوب القطاع بالنازحين، والتي طالبهم الجيش بالتوجه إليها.
والمواصي هي مناطق رملية على امتداد الخط الساحلي، تمتد من جنوب غرب مدينة دير البلح وسط القطاع، مرورًا بغرب خان يونس حتى غرب رفح.

وتعد المنطقة مفتوحة إلى حد كبير وليست سكنية، كما تفتقر إلى بنى تحتية وشبكات صرف صحي وخطوط كهرباء وشبكات اتصالات وإنترنت، وتقسم أغلب أراضيها إلى دفيئات زراعية أو رملية.
وجراء الحرب وقيود إسرائيلية، بات سكان غزة ولا سيما محافظتي غزة والشمال، على شفا مجاعة، في ظل شح شديد في إمدادات الغذاء والماء والدواء والوقود، مع نزوح نحو مليوني فلسطيني من السكان القطاع الذي تحاصره إسرائيل منذ 17 عاما.
وسبق أن أفادت مصادر ميدانية، بأن الجيش الإسرائيلي توغل فجرا بشكل مفاجئ في مناطق واسعة جنوب غرب مدينة غزة تحت غطاء ناري كثيف استهدف طرقات ومبان سكنية، ما أدى إلى مقتل وإصابة عشرات ونزوح آلاف الفلسطينيين باتجاه أحياء شمال غرب المدينة.
وحسب مصادر طبية فلسطينية، فإن الغارات الإسرائيلية استهدفت مبان سكنية وطرقات ومنازل وأسفرت عن عشرات القتلى والجرحى في مناطق متفرقة.
وقال الجيش في بيان: “للسكان المتواجدين في مناطق الصبرة والرمال وتل الهوا والدرج من أجل أمنكم عليكم الإخلاء بشكل فوري إلى مأوى دير البلح في المنطقة الإنسانية”.

– واقع مرير
من جانبه، قال المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل: “في مدينة غزة، الواقع مرير وصعب في ظل تواجد الجيش بالمناطق الشرقية وتهديده لأحياء التفاح والدرج (شرق المدينة)، حيث نزح سكانها للمناطق الغربية التي تم تهديدها مجددا فجر الاثنين”.
وأضاف للأناضول: “لا يعلم النازحون الآن إلى أين سيتوجهون فلا وجود لأي مكان أو نقطة آمنة في غزة”.
وأعرب عن خشيته من تداعيات الأوضاع في ظل “إخلاء المستشفى المعمداني بمدينة غزة بما من شأنه أن يؤثر على الخدمة الصحية المقدمة للمواطنين”.
وأوضح بصل أن هذه الأوضاع تتفاقم في ظل قصف عنيف تتعرض له أنحاء مختلفة من مدينة غزة، التي تعيش أصلا ظروف صعبة ومجاعة.
وتابع: “الواقع الإنساني في غزة صعب، وفاقمه إغلاق المخابز القليلة العاملة نتيجة الإخلاء”.
وفي 12 يونيو/ حزيران الماضي، توقع مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن يواجه نصف سكان غزة الموت والمجاعة بحلول منتصف يوليو/ تموز المقبل، ما لم يتم السماح بحرية وصول المساعدات.
وأشار بصل إلى وصول مناشدات من عشرات العائلات التي ما زالت محاصرة في منازلها بمناطق التوغل مع تواصل القصف الإسرائيلي وإطلاق النيران.
وطالب بوجود موقف دولي لـ”إيقاف المجازر التي تحدث بحق الأبرياء في غزة”.
وقالت الفلسطينية ليلى فايز (47 عاما)، من حي تل الهوا، إنهم اضطروا للنزوح من منزلهم المدمر الذي فضلوا أن يعيشوا به بدلا من الالتجاء لمراكز الإيواء المكتظة، وذلك “تحت القصف المفاجئ والكثيف”.
وتابعت، وهي تجلس على أحد أرصفة منطقة غرب غزة: “ظروفنا المعيشية كانت صعبة للغاية حتى قبل العملية العسكرية الأخيرة، والآن أصبحت حياتنا جحيما لا يطاق”.
وأوضحت أن عائلتها “فقدت كل شيء والآن باتت بلا مأوى تفترش الشارع بلا أمتعة ولا طعام”.
وأشارت إلى أن “القصف الذي تتعرض له مدينة غزة في اليومين الأخيرين كثيف ويكاد لا يتوقف”، معربة عن “خوفها على حياة أطفالها جراء هذا القصف”.
وطالبت العالم بالنظر إلى معاناتهم والضغط على إسرائيل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة.
أما “أم أحمد” رضوان، من حي التفاح، فقالت: “نزحنا أمس من التفاح باتجاه المناطق الغربية بحثا عن مأوى آمن”.
وتابعت: “لكن فوجئنا فجرا بقصف عنيف وعملية عسكرية وإنذار بالإخلاء، هرعنا وبدأنا بالخروج تباعا”.
وأوضحت أن الحياة في مدينة غزة “باتت عبارة عن حالة من الرعب الدائم جراء العمليات الإسرائيلية المباغتة”.
وأشارت إلى عدم وجود مأوى لعائلتها تنام فيه، لافتة إلى استحالة النزوح نحو مدينة دير البلح كما طالبت توجيهات الجيش.
وأضافت عن ذلك: “منطقة المواصي مكتظة بالنازحين، لو ذهبنا هناك لن نجد مكانا يأوينا، كما هو الحال هنا”.
وختمت قولها قائلة: “سنبقى في العراء، لا نعرف أين نذهب”.
بدوره، حذر المكتب الإعلامي الحكومي سكان مدينة غزة من الاستجابة للدعوات الإسرائيلية بالنزوح إلى دير البلح، قائلا إنه “استدراج نحو أفخاخ الموت والقتل والإعدامات الميدانية”.
وقال المكتب الحكومي: “نشر جيش الاحتلال بعض الخرائط التضليلية التي تدعو أبناء شعبنا الفلسطيني إلى النُّزوح من مدينة غزة إلى الجنوب على أنها مناطق آمنة، وهذه الدعوات هي دعوات كاذبة وتحمل خطورة بالغة على حياة المواطنين”.
وطالب المواطنين بـ”عدم الانصياع مطلقاً إلى تلك الدعوات التي تهدف لاستدراج المواطنين إلى أفخاخ الموت والقتل والإعدامات الميدانية، على غرار ما جرى بشكل مُتكرر من عشرات عمليات الإعدام الميداني للمواطنين الذين حاولوا سابقاً النزوح على شارعي الرشيد غرب مدينة غزة وعلى شارع صلاح الدين شرق مدينة غزة”.
وتابع: “تكرار هذه الأخطاء الفادحة وهذه المأساة تجعل المواطنين يدفعون ثمن ذلك دماءهم وأرواحهم وحياتهم، وإن مخططات الاحتلال مكشوفة ومفضوحة”.
وكانت حركة حماس قد حذرت من انهيار مسار العملية التفاوضية لوقف إطلاق النار بغزة، جراء “تصعيد العدوان بغزة والإمعان بمحاولات التهجير القسري للسكان”.
وتجري في العاصمة القطرية الدوحة والعاصمة المصرية القاهرة خلال الأيام القادمة مفاوضات غير مباشرة بين إسرائيل وحماس بوساطة مصرية وقطرية، للتوصل الى اتفاق لتبادل أسرى إسرائيليين بأسرى فلسطينيين في السجون الإسرائيلية، ووقف إطلاق النار في غزة.

وعلى مدار أشهر وأمام التعنّت الإسرائيلي بغطاء أمريكي، لم تنجح جهود الوساطة بالتوصل لاتفاق، حيث أعيقت على خلفية رفض نتنياهو الاستجابة لمطالب حماس بوقف الحرب بشكل كامل.
ومنذ 7 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تشن إسرائيل حربا مدمرة على غزة بدعم أمريكي، خلفت أكثر من 126 ألف شهيد وجريح فلسطينيين، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد عن 10 آلاف مفقود وسط دمار هائل ومجاعة أودت بحياة عشرات الأطفال.
وتواصل تل أبيب الحرب متجاهلة قراري مجلس الأمن الدولي بوقفها فورا، وأوامر محكمة العدل الدولية باتخاذ تدابير لمنع أعمال الإبادة الجماعية وتحسين الوضع الإنساني المزري بغزة.
(الأناضول)