وسط مقاربات بين إسطنبول وقرطبة : آيا صوفيا… تشعل جدلا ساخنا بين فلسطينيي الداخل

 وديع عواودة
حجم الخط
3

الناصرة ـ «القدس العربي»: أشعل تصريح الرئيس التركي طيب رجب أردوغان حول آيا صوفيا جدلا واسعا في صفوف الفلسطينيين داخل أراضي 48 ، بين من باركه وهلل وكبّر له، وبين من حمل عليه بشدة، فيما يؤكد مؤرخان مختصان في تاريخ الدولة العثمانية ضرورة قراءة القضية بسياقها التاريخي رغم اختلاف موقفيهما حيالها.
ويوضح المؤرخ المختص المحاضر في جامعة حيفا البروفيسور محمود يزبك لـ “القدس العربي ” أنه لم يفاجأ بالقرار التركي بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد مجددا، داعيا لقراءة القضية بسياقها التاريخي الواسع.
ويستذكر تصريحات الرئيس التركي حينما انتخب رئيسا لبلدية اسطنبول قبل نحو عقدين، وفيها قال إن اسطنبول ستصبح من أهم مدن العالم وأكثر إسلامية من قبل. ويضيف “في نظرة لاسطنبول اليوم يمكن القول إنه حقق الهدفين”. ويستذكر يزبك أن الدولة العثمانية أبقت على الكنائس في أراضيها على حالها، منوها لقيام السلطان العثماني محمد الفاتح بشراء موقع الكنيسة من ماله الخاص وأوقفها وقفا ذريا.
وردا على سؤال عما إذا كان ذلك يمنح الشرعية للرئيس أردوغان بتحويلها مجددا إلى مسجد، قال يزبك “لقد تم بناء أربع مآذن محيطة بآيا صوفيا التي لم يغير محمد الفاتح اسمها وظلت مسجدا حتى حولها كمال أتاتورك إلى متحف، والسؤال من منحه الحق بالتدخل في الأوقاف الإسلامية فقد استثنى وقتها دائرة الأوقاف الإسلامية؟.
ويشير المؤرخ يزبك إلى توجه جمعية “البر والإحسان” التي تدير الأوقاف في تركيا إلى المحكمة عام 2003 بهدف إعادة آيا صوفيا الى ما كانت عليه كمسجد، وخلال التداول القضائي كان أردوغان قد جهز نفسه فأقام احتفالية دولية كبيرة بمناسبة الذكرى السنوية لفتح القسطنطينية وقرأ بنفسه سورة الفاتحة داخل آيا صوفيا وهو بلا شك يلعب على الوتر الإسلامي، وجاء قراره هذا الأسبوع بعدما أصدرت المحكمة التركية حكمها بإعادة فتحها كمسجد.
كما يوضح يزبك أن صراعا يدور منذ سنوات بين أردوغان وحزب العدالة وبقية القوى الإسلامية، وبين رئيس بلدية اسطنبول الكبرى إمام أوغلو العلماني الراغب بتغيير الطابع الإسلامي للمدينة، وسبق أن حاول تغيير شعارها.

المساجد في اليونان

لافتا إلى أن إعادة فتح آيا صوفيا يندرج اليوم ضمن مشروع أسلمة المدينة، وأردوغان هنا يستند لقرار المحكمة، وعلى إثره سبق وأعلن عن 23 يوليو/ تموز الجاري موعدا لفتح آيا صوفيا للصلاة وبالتحديد الساعة الثالثة عصرا إلا سبع دقائق، وهو توقيت فتح المدينة عام 1453.
ويشير يزبك لظاهرة تدمير المساجد أو تحويلها لكنائس، ويقول إن اليونان وحدها قامت بتدمير 380 مسجدا في منطقة سالونيكي، ولم ينج منها سوى مسجد واحد تم تحوله لكنيسة. ويتابع “هناك صور توثق ذلك قبل مشروع الهدم”.
وردا على سؤال إذا كان مصير المساجد هذا مبررا لتحويل آيا صوفيا لمسجد قال يزبك “لا. لكن المعارضة هنا ليست دينية ولا مبدئية بل سياسية، ولو كانت المعارضة لاستعادة المسجد في موقع آيا صوفيا بريئة لكانت قبلت بذلك”. ويؤكد أن الدولة العثمانية منذ نشأتها لم تقم بتغيير أي كنيسة أو كنيس، ويضيف “بالعكس فقد سمحت ببناء آلاف الكنائس واتهامها بالهمجية ينم عن جهل”.

قيم الماضي ومصطلحات الحاضر

وبشأن المقاربات بين الدولة العثمانية وفتوحاتها وبين العرب وفتوحاتهم في الأندلس، قال إن الحديث يدور عن احتلال في الحالتين، لكنه يدعو لعدم جعل مصطلحات الحاضر تطغى على قيم الماضي، لافتا لعدم حاجة تركيا لهذه المقارنة مع الأندلس، لأن تاريخها يتحدث بنفسه إذ لم يحصل أن حولوا كنيسة واحدة لمسجد وآيا صوفيا تم شراؤها رغم تشكيك بعض الجهات بذلك.
ويتابع “في فلسطين حول الصليبيون المسجد الأقصى لاسطبل ولكنيسة وقبل وصولهم للبلاد اعتدوا على آيا صوفيا وحولوها لكنيسة لاتينية وارتكبوا مجازر بحق المسيحيين الروم الأرثوذوكس”.
وخلص يزبك للتحذير بالقول “نحن كفلسطينيين هنا علينا ألا ننجر والتورط بمهاترات وخلافات دون معرفة كافية عن مواضيعها. هذه قضية قيمية ليست دينية وهناك آراء مختلفة حيالها”.

تحويل المساجد لكنائس ليس مبررا

وردا على سؤال “القدس العربي” يرى المؤرخ الدكتور عادل مناع المختص في التاريخ العثماني أن المقارنات التاريخية يعبث بها السياسيون في أحيان كثيرة لأسباب أيديولوجية أو سياسية وغيرها، مشددا على عدم جواز القيام بمقارنات بين أمور في القرن الخامس عشر والقيم التي سادت فيه وبين أمور وقيم الفترة المعاصرة.
ويتابع “على سبيل المثال كانت العبودية في الولايات المتحدة مسموحا بها فهل يجوز للسعودية اليوم استعباد البشر بزعم أن أمريكا سبقتها بذلك؟”.
بين اسطنبول وقرطبة
ويستذكر الدكتور مناع أن العثمانيين توسعوا في الأجزاء الأوروبية من آسيا الوسطى حيث اتخذوا من مدينة بورصة في البداية عاصمة لإمارتهم
ويشير إلى أن المسلمين يسمون الاحتلال العثماني للعاصمة البيزنطية، مدينة القسطنطينية ” فتحا”، وهكذا الحال مع الأندلس، لافتا لكون الحالتين احتلالا، ولكن فيما حول العثمانيون الكنيسة أو الكاتدرائية الأهم في المدينة إلى مسجد في القسطنطينية التي صارت اسطنبول، فإن الإسبان حولوا المساجد المبنية في أراضيهم خلال احتلالها مجددا من يد المسلمين إلى كنائس. وتابع “بعد خمسة قرون جعلها اتاتورك متحفا في محاولة لإظهار انفتاح تركيا على الغرب، وليكون مقبولا من أوروبا، واليوم يبادر أردوغان لأسباب أيديولوجية وسياسية له ولحزبه لاستعادة المسجد، وهذا ما سيرضي الكثير من الجهات الإسلامية في تركيا وخارجها”.

لماذا النبش في التاريخ القديم ؟

ويوضح الدكتور مناع أنه شخصيا يعارض مثل هذه المبادرة كونها “نبشا في التاريخ القديم وإحياء لخلافات ونزاعات”، معتبرا أن هذا لن يساعد تركيا في العالم، مرجحا أن الرئيس أردوغان قد يئس من الاتحاد الأوروبي وأخذ يتطلع نحو الشرق، وهذا ينسجم مع سياسات تركيا في ما يتعلق بالعالم العربي، كما يتجلى في العلاقات مع ليبيا وقطر غير آبه بموقف الأوروبيين.
ويتابع “كذلك ليس هناك نقص بالمساجد في اسطنبول. وفي المقابل لو سئلت عن خطوة أتاتورك عام 1934 لقلت وقتها : إن تحويل المسجد لمتحف خطوة غير شرعية بالمفهوم الديني، ولكن هذا أصبح واقعا وتحويله مجددا لمسجد هو نوع من المساس بالمسيحيين الشرقيين وتوتير لعلاقات تركيا مع العالم المسيحي بشكل عام، موضحا أنه حتى تحويل المساجد إلى كنائس في إسبانيا أو في فلسطين وغيرها فلا يمكن تبرير خطئك بالإشارة إلى أخطاء الآخرين”. ويتابع “لا سيما أن أوروبا اليوم توافق على تشييد مساجد حتى في دول لم تشهد ذلك من قبل، وينبغي أن يسرنا ذلك فلماذا نتحرش بالعالم المسيحي كله؟ فليبقى متحفا وهذا طبعا رأيي الشخصي لكن للسياسة والسياسيين حساباتهم”.

أخطاء الإسبان

في سؤال المقاربات التي تضمنتها منشورات التواصل الاجتماعي قال مناع إن العثمانيين والمسلمين بشكل عام يفاخرون بأن معاملتهم لغير المسلمين كانت متسامحة مقابل العداء لدور العبادة والآثار العربية والإسلامية في إسبانيا.
وتابع “وهذا سلوك يحسب على الإسبان، ففي تلك الفترة التي تعرض الموروث العربي والإسلامي في الأندلس للتغيير، كان العثمانيون يحتلون مناطق في أوروبا ويعاملون المحليين بقمة التسامح بصرف النظر إن كانوا مسيحيين أو يهودا، وبالمناسبة فرّ اليهود وقتها من الأندلس ومن ملاحقة أتباع الفاتيكان فاختاروا اللجوء إلى الدولة العثمانية وليس فرنسا وغيرها من المناطق الأوروبية المجاورة لمعرفتهم أن معاملة العثمانيين أفضل”.
على غرار يزبك يستذكر المؤرخ مناع أيضا أنه خلال فترة التمدد العثماني عانى المسيحيون الأرثوذوكس أيضا في القسطنطينية من معاملة أتباع الكنيسة الكاثوليكية، وهذا حصل قبل ذلك في فترة الحملات الصليبية.
وتابع “وقتها تنبه الفاتح إلى أن كنيسة آيا صوفيا تقع في مركز المدينة ولم يكن فيها جامع بعد فصلى فيها، بعكس موقف الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب داخل كنيسة القيامة في القدس، فيما بقيت الأغلبية الساحقة من الكنائس والكنس في المدينة على حالها طيلة قرون”. ويضيف “وهذا بعكس ما فعله الإسبان مع الكنس والمساجد وبقية المعالم الإسلامية في الفترة نفسها”.
تحذير من مخطط التفتيت
وداخل أراضي 48 اشتعل النقاش حول آيا صوفيا في منتديات التواصل الاجتماعي التي كانت أصلا قد شهدت جدلا ساخنا آخر حول قيام بعض الجهات الإسلامية بمهاجمة سيدة أعمال تدير مصنعا للطحينة، داعين لمقاطعتها بسبب تبرعها لجمعية تدعم المثليين بخدمات خط هاتفي للاستشارة.
ولم يقتصر الجدل على التراشق بين علمانيين ومتدينين وتقليديين، بل تخللته نعرات طائفية أحيانا، ما دفع الأسير المحرر والناشط السياسي والأهلي أمير مخول للتحذير من خطورة انزلاق الجدل والتورط بما يؤدي لتفتيت وحدة الفلسطينيين.
وتساءل مخول في صفحته “هل المسلسل القادم من مؤامرة تفتيت المجتمع الفلسطيني هو الدفع نحو النعرات الطائفية؟. كيف نفسّر أنه كلما تطورنا وتقدمنا خطوة، هناك ما يشدّنا الى الوراء؟”.
وتابع “لن يكون من السهل إشعال نار الطائفية، فالمناعة المجتمعية قوية، لكنها وفي حال اشتعلت ستحرق مقومات المجتمع بكامله. لدينا كجماهير وكمجتمع نقاط قوة كثيرة، وفي صلب قوتنا بوصلة سياسية جماعية جوهرية صحيحة”، معتبرا أن “احد أهم شروط المشاريع التصفوية الأمريكية الاسرائيلية التي تستهدف الحق الفلسطيني هو إضعاف جماهير شعبنا في الداخل وهزيمة إرادتها وطريقها الكفاحي التاريخي”. واضاف محذرا “إننا مستهدفون مباشرة ضمن هذه المشاريع. لدينا كل مَواطن القوة والوحدة القائمة على التعددية، تعالوا نعززها ونقوى بها أكثر”.
اللعب في النار
ومن جهته يرى الكاتب الصحافي مرزوق حلبي ضمن منشور طويل أن هذه خطوة أخرى في إطار سياسات أردوغان “الإسلامويّة” الشعبويّة التي اعتاد في إطارها على شحن مشاعر الجمهور الإسلامي في تركيا وخارجها.
وهذه الخطوة تستهدف كسب ودّ المسلمين خارج تركيا تحديدًا، في منطقة الشرق الأوسط حيث لتركيا مشاريع ووجود وسياسات ورغبة في كسب شرعية لهذا الوجود/ التدخّل، في ليبيا وقطر وشمال سوريّة وفي بلادنا”.
وخلص حلبي لتأكيد معارضته لخطوة أردوغان “مهما يكن فإنها خطوة مرفوضة تعزّز صراع الهويات الدينيّة وتدقّ إسفينًا آخر بين مسلمي المشرق والمسيحيين فيه كُرمى لعينيّ أردوغان ونزعاته الإمبراطوريّة. إنها سياسة اللعب بالنار”.
إياد سليمان
وقال الناشط السياسي إياد سليمان إن قضية “آيا صوفيا” بالأساس قضية تركية حضارية، وثقافية، وسيادية، ولها جذور قومية، ووطنية، ودينية، فالقوميون الأتراك تحمسوا للقرار أكثر من الإسلاميين، لا بل أن خصوم أردوغان مثل: عبدالله غول، وباباجان، واحمد داوود اوغلو، أصدروا بيانات قوية للإشادة بالخطوة، والأعجب أن منافس أردوغان على رئاسة الجمهورية محرم اوغلو مرشح حزب الشعب الجمهوري المعارض أيد الخطوة بقوة.
ويلفت إياد سليمان الى ان القضية ليست مسجدا، وكنيسة، ومتحفا، بل القضية أن تركيا تسيدت العالم لقرون، ثم أهينت في عقر دارها مرارا، وحاولت 22 دولة أوروبية مع استراليا، ونيوزيلندا، اجتياح اسطنبول لأجل أيا صوفيا، في معركة استمرت لتسعة شهور على بوابات مضيق الدردنيل عام 1915 حيث انتصر العثمانيون في “جناق قلعة” بعدما فقدوا ربع مليون شهيد منهم آلاف من الآردن وفلسطين، ولا تزال أسماؤهم على القبور مرسومة، وموسومة بحسب بلداتهم، هناك انقلاب عسكري مدعوم أطاح بالسلطنة العثمانية التي توافق العالم الآخر على تفكيكها بالتدريج، بدءا بالجيش عام 1826، مرورا بالعلماء عام 1867 وصولا لخلع اليهود للسلطان عبد الحميد عام 1909وانتهاء بإعلان الانقلاب على السلطنة، وعلى الإسلام، والقرآن، والأذان، واللغة العربية، والتاريخ الإسلامي، وذبح 26 ألف عالم، وفقيه، ومفتٍ، وإمام، وقلعت جذور الإسلام توطئة لعلمنة تركيا بشكل متوحش، ومن ذلك تحويل مسجد آيا صوفيا إلى متحف عام 1934. وكان المخطط ضد الإسلام قد بدأ في مؤتمر سالزبورغ، برئاسة الحاخام ديفيد هيرش عام 1731 ومنذئذ تم تدشين مسلسل توهين الأمة.
ويورد ضمن مقارناته ما شهدته بعض دول شرق أوروبا التي ” لم يتبق فيها مسلم واحد في جزر ايجة، والمتوسط، وأحرقت مساجدهم، ولا يسمح في برلمان اثينا ببناء مسجد واحد لمليون مسلم يوناني”.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية