وصفي المعصراني: الكثير من الجنود انشقّوا عندما شاهدوا آلاف الناس يتظاهرون وهم يغنّون

حجم الخط
0

يعتبر ان الغناء جعل الثورة في سورية اسلوب حياةلندن ‘القدس العربي’ من حسام الدين محمد: ‘حمص ستستمر بالمظاهرات بعد سقوط النظام’ يقول وصفي المعصراني ضاحكا. غير ان هذا لهذا القول الطريف أسبابه، فبرأي المعصراني ان أهم ميزات الحراك الثوري في سورية هو انه تحوّل الى اسلوب حياة: رقص وغناء وحماس جماعي يربط مثل خيط كهربائي عالي التوتر بين الشعب السوري في كل مدنه وبلداته وقراه.

يمكن اعتبار وصفي المعصراني احد انجازات الثورة السورية فهذا الشاب الطويل جميل المحيّا انقلبت حياته كما انقلبت حياة كل السوريين، واختار الغناء والموسيقى للانخراط في الأحداث، وهو أمر جعله يُعرف في صفوف السوريين بسرعة كبيرة، كما أدى الى تنقّله من بلد الى آخر ليقدّم حفلاته الخيرية لدعم المنكوبين واللاجئين والمتضررين في سورية. التقيته بعد حفلته في لندن وسألته لماذا اختار هذا الطريق:

انا اعزف وأغني من عمر 13 سنة. كنت اقوم بحفلات في سورية على نطاق ضيق ولما انتقلت سنة ال2000 الى جمهورية التشيك (والدتي تشيكية) كنت اهتم بالموسيقى والاغاني الغربية اكثر من الاغاني العربية ولكن الناس لا يعرفونني في العالم العربي رغم انني قدمت حفلات في المانيا ودبي ولكن كنت مهتما بالموسيقى الغربية.

بدأت اشتغل بالموسيقى العربية مع انطلاق الثورة السورية واول اغنية أنجزتها كانت ‘درعانا تنادي’ والتي كانت من اوائل اغاني الثورة عندما حصلت المجزرة في درعا.

الأغنية غلب عليها الطابع الغربي البحت حيث كانت الأجهزة مؤلفة من غيتارات لا علاقة لها بالأسلوب العربي، ولكن الكلمات كانت عربية.

أنجزت بعد ذلك اغنية ‘حمص يا دار السلام’ في الشهر الرابع على انطلاق الثورة السورية كذلك كان الأسلوب فيها غربيا اكثر مما كان عربيا.

بعض الناس ترددوا مع انطلاقة الثورة في تحديد موقفهم، هل ساورك اي تردد؟

لم يكن لدي أي تردد بل كنت مع الثورة مئة بالمئة. لم يكن هذا موقفا سياسيا بل موقف انساني. الناس كانت تذبح في العراء. مع ذلك فسؤالك صحيح فسياسيا كنا كلنا، كسوريين، بحالة مسح دماغ. التربية التي تربيناها كانت تمنعنا من التفكير واتخاذ مواقف. هذه اشياء ما كان مسموحا لنا بمناقشتها كان بديهيا الابتعاد عن اي شبهة موقف سياسي، لكن هذه القاعدة انكسرت للابد، فمن غير البديهي وغير المعقول ان تجد اشخاصا بعمري يذبحون ويقتلون لمجرّد رفع صوتهم ضد الظلم. النظام الذي يتصرف هكذا بشعبه نظام لا يمكن السكوت عليه بعد الآن.

سرعان ما اصبحت ايقونة من ايقونات الثورة السورية، كيف حصل ذلك؟

بالبداية ما كان الهدف من الاغاني نشرها ولا كان الهدف ان اكون مغنيا للثورة. كانت حالة عاطفية واسلوبا من اساليب المشاركة بالتظاهر بيني وبين نفسي.

انا من حمص. ولدت بحمص وعشت بحمص حتى 1997 حين انتقلت الى دمشق وعشت هناك 3 سنين. لديّ هناك اصدقاء كثيرون. ارسلت لهم هذه الاغاني كنوع من التضامن معهم، وحين ظهرت اغنية ‘درعانا تنادي’ على يوتيوب خلال اسبوعين صار لديها 50 الف مشاهدة وانتشرت كثيرا حتى صارت بعض القنوات التلفزيونية تحكي عنها. من هنا بدأ الشباب يقولون لي ان الفنانين السوريين تخلوا عن الثورة ونحن بحاجة ان تدعم الجانب الفني وهنا احسست بأن الأمر تحول من مجرد تضامن الى مسؤولية وواجب اخلاقي ووطني.

الهدف من الاغاني التي كانت حزينة توجيهها للفئة الصامتة والناس الرماديين والمؤيدين للنظام. كانت اغان حزينة، كذلك كانت الاغاني الهادئة موجهة للفئة الصامتة والمؤيدة للنظام لعل افرادها يحسون بمآسي العائلات المنكوبة، اما الاغاني الحماسية فكانت موجهة للثوار لاعطائهم دفعا معنويا.

في المرحلة الثانية من تطور عملي ظهرت اغان مثل ‘سكابا’ و’عالهودلا’. هذه الأغاني كانت موجهة للداخل، وكان الثوار والمتظاهرون يضعونها على جوالاتهم ويحفظونها كي يستطيعوا ان يغنوها بشكل جماعي في المظاهرات.

هناك ايضا اغان طلبها مني الثوار على الارض وأرسلوا لي كلمات هذه الأغاني وحتى اصواتهم وهم يغنونها بالمظاهرة. الشيء نفسه حصل مع شباب دوما في الشام حيث أرسلوا لي كلمات ولحن اغنية، وكذلك فعلت تنسيقيات ادلب حيث كانوا يرسلون اصواتهم وهم في قلب المظاهرات وهم يرددونها بصوت جماعي. كنت اخذ هذا الصوت الجماعي واعالجه كي يدخل مع الاغنية ككورس جماعي.

هل لك ان تعطيني مثالا على ذلك؟

يعني اغنيات مثل ‘انا طالع اتظاهر’ و’سكابا’ و’عالهودلا’ وضعت في خلفيتها اصوات متظاهرين حقيقيين على الارض، ومؤخرا صار عبد الباسط ساروت رمزا من رموز الثورة فحصل تعاون بيني وبينه على صعيد الاغاني التي يغنيها والتي اشتغل عليها بشكل محترف كي يتم بثها على التلفزيونات والاذاعات لتصل الى الناس. من الاغاني التي عملناها انا والساروت ‘حرام عليه’ و’جنة جنة’ و’حلم الشهادة’، وقبل ايام قام عبد الباسط ساروت بتسجيلها بصوته. هذه هي طريقة العمل التي نعمل بها معا وهناك عدة اغان على الطريق سنشتغلها معا.

تجربتك، حقيقة، ذات فرادة خاصة، فما هو احساسك بالدور الذي تقوم به؟

احساس ثوري بحت وليس احساسا فنيا. انا اعرّف عن نفسي في جولاتي حول العالم في حفلات تبرعية لسوريا بأنني ثوري واقول للناس لا تعاملوني كفنان ولكن عاملوني كمتظاهر. الناس تقدم ارواحها وانا أقدم ما استطيع في هذا المجال. الله اعطاني موهبة وانا اسخر هذه الموهبة لوطني واعتبر ما اقوم به وظيفة ثورية وليس اكثر.

انتهيت من تسجيل 22 اغنية للثورة انطلقت في جولات جمع تبرعات بدأت بهولندا مرورا بمانشستر فموسكو ثم جلت في سبع ولايات أمريكية انا والفنان يحيى حوا وها قد عدت الى لندن ثم اعود الى امريكا في جولة ضمن تسع ولايات، وبعدها كندا ومن بعدها الى الخليج والسعودية لازور كل دول الخليج.

وما هو الدافع لجولاتك هذه؟

حرام كان ان تبقى الاغاني على اليوتيوب، وخطر لي انها يجب ان توظف لجمع تبرعات للداخل السوري، والحمد لله في امريكا استطعنا ان نجمع مليون دولار كانت الناس تتحمس وتبكي حين تسمعنا. النجاح بالنسبة لي يقاس بحجم تبرعات الناس للشعب السوري، لأننا في الخارج هذا هو واجبنا لاننا غير قادرين على عمل اي شيء غير دعم اخوتنا بالمساعدات الانسانية والطبية.

هل دفعك الوضع في سورية الى العمل السياسي المباشر؟ في بداية الثورة كنت منضما الى مجموعة الحراك السلمي السوري الناشطة بمجال التوعية والاغاثة والتواصل حيث قمنا بمشاريع عديدة منها ‘اوقفوا قتل الاطفال’ الذي قام بثلاثين دولة في العالم وثائقيات في كل هذه البلدان الانتقال من هذا العمل الى العمل الفني كان خطوة اخرى بالعمل الثوري تحليلي لظاهرة الشعب السوري انها ثورة سلمية واسلوبها الفني بالمظاهرات اختلفت عن مظاهرات تونس ومصر حيث الجميع يشاركون بالغناء. المراقب العربي او الغربي عندما يرى جيشا يبيد شعبا وهذا الشعب يرد على الرصاص بالغناء. اعرف شخصا دفن اخوه الشهيد وفي المساء كان يغني. هذا اعطى مظهرا حضاريا كان شيئا جديدا ورائعا ودليلا على قوة هؤلاء الناس وعلى قوة هذه الاغاني. لدينا اخبار ان هذه الاغاني تؤثر في المؤيدين والكثير من الجنود انشقوا عندما شاهدوا 10 الاف شخص يغنون اغنية واحدة. ائتلاف الناس واتحادها على رأي واحد في التظاهر هناك نقاش وخلاف اما عندما تغني فانك ضمن موجة واحدة وهذا اعطى ثمارا مجدية جدا بالتظاهر السلمي وهذا كانت قوتهحتى الثورة اليمنية حولت الثورة الى أسلوب حياة يومية وحتى ان الحماصنة يتمازحون ويقولون انه ‘حتى لو سقط النظام ما حنوقف التظاهر كل شيء لحال’! انت نفسك من حمص، وحمص اخذت دورا مركزيا في الأحداث جعلها قلبا لسوريا الثورة هل يجعلك هذا تحس بالفخر؟

لا يوجد كلام بالدنيا يمكن ان يعبر عنها الشجاعة التي قدمها الشباب بحمص وكذلك الوعي والثقافة وروح النكتة رغم القتل والحصار والعذاب. هذه امور لا توصف بكلمات لا اعرف كيف اصفها اذا قلنا حمص الصمود لا يكفي. احب هنا ان اقول كلمة واحدة ‘ما بدي مجّد حمص وانسى باقي المحافظات’. النسيج الاجتماعي لحمص هو الذي سمح لها ان تكون بهذه الصورة لكن الجماعة الأهلية في سورية في كل مدنها وكذلك بدمشق وحلب هي نفس الروح ونفس الوطنية ولكن الظروف تختلف. انا اعرف عندما تكون هناك ظروف لا احد سيقصر وسترى وطنية مثل التي تراها بحمص وحماه اكبر دليل على ذلك عندما تخرج فيها مظاهرات بمئات الالوف، ولكن الظروف اختلفت فقلّت اعداد المتظاهرين. الشعب في حمص كله عائلة واحدة والناس تعرف بعضها البعض. في دمشق النظام يلعب على ان الناس لا تثق ببعضها. اصدقائي يخرجون فيرون مظاهرات تهتف بالحرية وعندما ينضمون اليها يكتشفوا انها كمين وبالتالي يم يعد بالامكان ان تعرف ان كانت المظاهرة حقيقية ام خدعة امنية اما بحمص فلم يستطيعوا ان يفعلوا الأمر نفسه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية