“وصية رجل حكيم” من محو الأمية إلى “نحو” الأمية

كمال القاضي
حجم الخط
0

بمبادرة من المركز القومي للثقافة السينمائية، وفي ضوء تكريم المخرج داود عبد السيد على هامش مهرجان الجونة، وأيضاً بمناسبة رحيل الفنان جميل راتب، تم عرض الفيلم التسجيلي الأول في مسيرة عبد السيد الفنية “وصية رجل حكيم” في شؤون القرية والتعليم الذي تم إنتاجه في عام 1976 وعمد المخرج فيه إلى مناقشة قضية الأمية التعليمية التي كانت وما زالت القضية الأهم والعائق الأساسي أمام التنمية الثقافية، وأهداه إلى عميد الأدب العربي طه حسين، صاحب الشعار الأشهر، التعليم كالماء والهواء. ولأن جميل راتب كان هو الممثل الصاعد آنذاك، ويحمل هموما وشجونا وطنية، اختاره داود ليكون المعلق على أحداث الفيلم التوعوي التثقيفي المهم.

ويرجع الفيلم بالذاكرة إلى فترة الستينيات، حيث محاولات الدولة والنخبة المتعلمة لمحو أمية العمال والفلاحين للتماهي في نسيج المجتمع الجديد لإزالة آثار الجهل وتعويض الفرص الضائعة إبان فترة الاحتلال ومرحلة الحكم الملكي، وقد أضاء المخرج وكاتب السيناريو داود عبد السيد الكثير من الجوانب التي كانت مبذولة لتفعيل مشروع محو الأمية تفعيلاً حقيقياً، والنزول به عبر قوافل التوعية إلى القرى والنجوع للاحتكاك بالفلاحين والعمال احتكاكاً مباشراً للتعرف إلى مشكلاتهم المحورية المتسببة في هجرة المدارس والتعليم، وبالقطع جاءت كل الردود متمحورة حول الاحتياجات المادية، وعدم القدرة المادية، ما يضطر الآباء للدفع بأبنائهم للعمل في الحقول والمصانع ليكونوا عوناً لهم في مواجهة ظروف الحياة والمعيشة.

وقد رصد الفيلم حالات الندم الشديد للذين فاتهم قطار التعليم وباتوا يعولون في مسألة تدارك الأزمة على الأجيال الجديدة، وبدورة كان الفنان القدير الراحل جميل راتب متحمساً للفكرة التنويرية، ومن ثم اجتهد في نقل إحساسه بمشكلة الأمية من خلال التعليق الذي أخذ شكل المواجهة والصدام في كثير من المشاهد المؤثرة مع أشباح الجهل والظلام، الذين تربصوا بالمثقفين والمتعلمين في القرى والنجوع والمدن الصغيرة، خوفاً من تصاعد موجات التنوير وإدراك الفئات الهامشية لحقوقها، وهي إشارة ذكية للمتغير الذي حدث بعد انتهاء مرحلة المد الثوري، وفترة الأحلام الرومانسية التي عاشت فيها الطلائع المصرية إبان قيام ثورة يوليو/تموز 1952 وزهو التغييرالمأمول، فقد خشي النظام بعد ذلك من تطور الحالة النهضوية الثقافية التنويرية، وتشكيل جبهة قوية للمعارضة تكون معنية بالنقاش والتحقيق والبحث عن الحقوق الاجتماعية والسياسية، فتمثل خطراً داهماً على النظام الذي تولى الحكم بعد فترة الحُكم الناصري، وأخذ في تبديل المفاهيم وعمل على تشجيع الاقتصاد الحر وتطبيق نظام انفتاح “السداح مداح” الذي وصفه الكاتب الصحافي الراحل أحمد بهاء الدين واستفز به الرئيس السادات في حينه.

هكذا عطف المخرج الكبير على الأزمة السياسية التي جاءت بمقتضى الحال، ومثلت عقبة كأداء أمام المشروع التنويري، مشروع محو الأمية فصار معلوماً للعامة والبسطاء باسم مشروع “نحو الأمية” وهو السير في عكس الاتجاه الحقيقي للمعنى والهدف والمسيرة، ولعل المخرج نجح في نقل المفهوم بدلالاته الكاملة، من خلال مشاهد بعينها صور فيها شباب القرية المتعلمين وهم يمشون في مدقات القرية ودروبها المظلمة حاملين المصابيح المضيئة، كناية عن قدرة العلم على تبديد الظلام الفكري والعقلي، وإضاءة طريق المستقبل الواعد للشباب، ولكنها المحاولات التي لم تنجح، والمشروعات القومية التي لم تكتمل بفعل المؤامرات المدروسة والمُحكمة على المواطن البسيط كي يظل سجين الجهل، لا يعرف شيئاً عن حقوقه، وواجباته، يعيش فقط ليأكل ويشرب وينام وينجب، بدون أن يسأل أو يستفسر.

يلخص الفيلم في نحو عشرين دقيقة مأساة المواطن المصري الأمي، عبر مراحل الصراع في حقبة الحُكم الناصري وما أعقبها من اغتيالات كثيرة جرت بفعل التصفية للمشروعات التنموية المرتبطة بالعقل الجمعي، خوفاً من انقلاب السحر على الساحر وتحول مشروع محو الأمية إلى قنبلة موقوتة تنفجر في وجه أصحاب القرار والسُلطة، ممن دعموه ودعوا إليه وذللوا العقبات أمامه. صورة واقعية لمجتمع لا يزال يعاني من فيروس الأمية التعليمية، كان لداود عبد السيد السبق في التحذير من أخطارها مبكراً جداً، يعاد النظر الآن في التجربة الفنية الفريدة كوثيقة سينمائية مهمة تؤكد قدرة المخرج على الرصد والتحليل منذ بداياته الأولى وحتى الآن، فهو صاحب مجموعة الأفلام الإنسانية المهمة، “الصعاليك” و”الكيت كات” و”سارق الفرح”  و”مواطن ومخبر وحرامي” و”رسايل البحر”، وأفلام أخرى اعتنت بطرح الأمراض المزمنة وفجّرت الألم وأطلقت صرخات الاستغاثة في فراغ الإبداع المُطلق بدون خوف أو حذر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية