هكذا صارت حال ‘الاهرام’، طبعا لا أقصد الأهرام الصخرية الشامخة التي تشهد أن الحضارة المصرية وعراقتها واقعٌ ماثِلٌ وأنّ الإنسان المصري يستطيع حين يريد أو حين يُوجَّه الوِجهة السليمة، وإنما أعني المؤسسة التي تُصدر جريدة ‘الأهرام’ المصرية في ثلاث طبعات يومية وطبعة دولية وأخرى عربية. وللقلائل ممّن لم يسمعوا قط عن جريدة ‘الأهرام’ فهي من أقدم الجرائد العربية، أسسها الأخوان من أصل لبناني ‘بشارة وسليم تقلا’ وصدر أول عدد منها بالإسكندرية في أواخر 1876. وقد تعاقب على إدارة أو رئاسة تحرير الجريدة على مدى عقود العديدُ من أعلام مصر والعالم العربي في الصحافة والأدب أمثال: خليل مطران ومحمد حسنين هيكل وفكري أباظة وإحسان عبد القدوس.. كما احتوت على مقالات دورية لعدد لا حصر له من الأدباء والمفكّرين كالمنفلوطي والبارودي وشوقي وطه حسين والعقّاد وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم كثير، فبنت على مدى عقود، ومن دون حاجة إلى التزوير بالفوتوشوب، شهرةً وشعبية لا تُضَاهَى بمصر على الأقل، وإن كانت مصداقيتها مثار جدل قديم. نعم صدق أو لا تصدق، كل هذا الصرح صار مهدّدا بالانهيار، بعد أن استقرت على رأس إدارة الجريدة ورئاسة تحريرِها قياداتٌ يبدو أنّها ذات نزوعات أبعدَ ما تكون عن المهنية والمصداقية الإعلامية. كل شيء ذي قيمةٍ في مصرَ صار ينهارُ إن ماديا أو معنويا مع عميق الأسى والأسف، العمارات والمسارح والمتاحف (سرقة زهرةِ الخشخاش وزهورٍ كثيرة أخرى!) ومنظومة النقل بعَبَّاراتها المهترئة (أو بالأحرى غوّاصاتها!) وقطاراتها الملتهبة المرعبة، وأصبح العديد من مؤسسات الدولة ومنظوماتها في ترنُّحٍ أو على شفا التداعي كالمنظومات الصحية والتربوية والصناعية والزراعية، والمؤسسات القضائية والدينية كالأزهر ودار الإفتاء بعد أن ساءت علاقة النظام بالإسلاميين المعتدلين والكنيسة القبطية على السواء، وها قد جاء دور المؤسسات الإعلامية وعلى رأسها ‘أسطورة الأهرام’. وعلى ذكر الإعلام فقد عانت الصحافة المستقلة بمصر من المنع والعقوبات المادية على الخصوص على غرار نظيراتها العربية تماشيا مع آخر ما جادت به عبقرية مجلس وزراء الإعلام العرب الدائم الانعقاد. لكنّ ‘الأهرام’ التي صارت أداة طيّعة في أيدي النظام وحزبه الحاكم لم تكن لتتعرّض لمنعٍ أو عقوبات وهي دائمةُ الاصطفاف جنب النظام، ولو ضدا على رغبة وانتظارات معظم الشعب المصري كما حصل في قضايا عدة، كقضية إغلاق النظام المصري معبر رفح، تنفيذا لرغبة الصهاينة وأوليائهم وتشديدا لحصار الإخوة في العروبة والملة، وقضية هدم الأنفاق وبناء الجدار الفولاذي لمفاقمة آثار الحصار الجائر الذي يشارك فيه قلبا وقالبا وبشكل سافر. لم تأتِ إذن بداية انهيار ‘الأهرام’ جرّاء منع ٍ أو عقوبات، وإنما على نفسها ونظامها جَنَتِ ‘الأهرام’ تماما كما جنت على نفسها وأهلها براقش. نعم جنت ‘الأهرام’ على نفسها وعلى مهنيتها ومصداقيتها حين أعمتها رغبتُها في الدفاع المستميت عن نظام يعاني الأمرّين من اكتساح مؤسسة ‘الجزيرة’ عالم الإعلام المرئي العربي وتسليطِها الأضواء على عيوبه ونقائصه، فعمدت إلى محاولة تشويه سمعة القناة وإدارييها وصحافييها بنشر ما يبدو أنه أكاذيب في أكاذيب حول تعرض المذيعات المستقيلات للتحرّش، فلم يكن من القناة التي أثبتت أن لها إدارة عملية ومتبصرة من خلال تصرفها في قضايا، من بينها قضية صحفيِها تيسير علّوني وقضية تهديدات بوش والعديد من قضايا منعها أو إغلاق مكاتبها والاعتداء على طواقمها، لم يكن من القناة إذن إلا أن جرّت مؤسسة ‘الأهرام’ إلى القضاء المصري والأجنبي، على اعتبار أن الجريدة تصدر بالخارج أيضا، ويبدو حسب الدكتور محمد سليم العوا محامي الجزيرة في هذه القضية أن موقف ‘الأهرام’ ضعيف، وأنها بادرت عبثا إلى الاعتذار وطلب الصلح. ولم تكتفِ جريدة ‘الأهرام’ بهذه السقطة المهنية والأخلاقية، بل زامنتها مع سقطة أخرى لا تقل عنها إنقاصا من القدر والمصداقية المهنية، إذ أرادت أن تُكحّلَ (بكُحْلِ الفوتوشوب) للنظام لتجمله فأعمَته، لقد حاولَت سُدىً تجميل ‘صورة’ رئيسها ‘المفضّل’ الذي يحفظ وإياها جيدا كرامة المصريين (يحفظانها من الأجانب وباقي العرب ليُمَرغاها كيف ومتى وحيث شاءا)، ونسي أسامة سرايا رئيس تحرير ‘الأهرام’ حين انبرى يبرر زلّة التزوير تلك بأعذار أقبحَ منها، أن صُوَرَ القادة والرؤساء لا تجمَّل لدى الرأي العامّ المحلّي أو الدّولي في ثوانٍ بتعديلِ لقطةٍ ببرنامج الفوتوشوب الحاسوبي، وإنما بالتنمية وإفساح المجال للتعددية الحزبية الحقيقية والتداول الديمقراطي للسلطة والعمل على إرساء الحريات ودولة المؤسسات وإقرار الشفافية والكفاءة في إسناد المسؤوليات والمناصب والتوزيع العادل للثروات وغيرها من مقومات الحكم الرشيد، وهو ما كان أمام الريس وأمام أمثاله من العرب الملتصقين بكراسي الحكم مُتّسَع ٌ من الوقت، بل عقود وعقود ليفعلوه فلم يفعلوا وهم في ريعان وعنفوان السلطة، ولن يفعلوا وقد بلغوا من الفترات الرئاسية عتيا. لقد كان أمام هؤلاء متسع من الوقت وعدد لا يحصى من الاستحقاقات والحكومات والدورات التشريعية والقمم العربية، وقت كان كافيا (وزيادة) لدول كماليزيا وكوريا وإسبانيا واندونيسيا وتركيا والهند والصين والبرازيل واللائحة تطول، ليجدوا لهم مكانا مرموقا بين الدول المتقدمة إن على المستوى الاقتصادي والتنموي أو على المستوى السياسي والحقوقي. وعودة إلى فضائح ‘الأهرام’ التي ستغدو لا شك لمدة غير قصيرة موضوع تندّر، فقد أدهشتني سرعة وصول فضيحة الفوتوشوب إياها إلى صفحة التعريف بجريدة الأهرام على ‘ويكيبيديا’ الموسوعة الحرة على الإنترنت. فمن منّا يضمن مستقبلا بعد فضيحتي ‘اختلاق التحرش’ و ‘الفوتوشوب’ ألاّ تزوّر ‘الأهرام’ صورته وتضع مومِسا بين ذراعيه ثوان قبل النشر؟ وإن كنت أعلم أنها تعرف من أين تؤكل الكتف وتفضل تقديم الخدمات للْعِلْيَةِ، كما أنها تستهدف الحيتان الكبيرة في بحر الإعلام اللُّجِّيّ، ولا تأبه بالأسماك الصغيرة الحرّة التي تسبح على أطراف هامش الحرية المتاح.
عبد اللطيف البوزيدي المغربklmok.blogspot.com