وطني، يا مرفأ الأحزان!
علي القاسميوطني، يا مرفأ الأحزان!قال لي أبي وهو يودّعني في مطار بيروت: ـ ستعبر الي الضفة الأخري، يا بُنيّ… ثم سكت فجأة وأشاح بوجهه بعيداً عني، مصوّباً نظره الي الشمس الغاربة وراء المطار وكأنّه يحاول أن يدفن دمعة مكابرة في الأفق النائي، أو يلقي بها في أعماق البحر السحيقة دون أن ألحظ ذلك. وبعد هنيهة عادت نظرته من السماء الي الأرض مثل قوس قزح واستقرّت عليّ، واستأنف كلامه قائلاً:ـ ستعبر، يا بُنيّ، الي الضفة الأخري، وستري وجوهاً جديدة، وأشجاراً مورقة، وستناديك أصوات متنوّعة. ولكن، ولكن لا تنسَ أهلكَ ونخيلك علي شاطئ الفرات. لتبقَ ظلال سعف النخيل علي عينيك كأهدابك، ولتبقَ أهازيجنا علي شفتيك كريقك. واعلمْ أنّنا سنظلّ نناديك علي البُعد، وسنذكرك كلّ يوم عند انبلاج الفجر، وابتسام الصباح، وضحكة الشمس، وزغردة الطيور الطليقة. سنذكرك كلّما استمرأنا طعاماً واستسغنا شراباً. سنذكرك مع الشمس الغاربة والنجمات الطالعة، وسنري صورتك في وجنة القمر. سنحمّل النسيم سلاماً اليك. سنردد اسمكَ في صلواتنا داعين الله أن يحفظك ويردّك الينا سالماً… .وقطع كلامه مرة أخري وأشاح بوجهه عني نحو الأفق البعيد، ثم اختنقت الكلمات، ولم يسعفه صوته، فضمّني الي صدره.لم أفُه بكلمة، لم أنظر في عينيه، بل أخذتُ كفّه اليمني بين يديّ، وضعتها علي موضع القلب منّي، ثم مرّرتها علي وجهي، قرّبتُها من فمي، لثمتُ أصابعها واحدة واحدة، نفذت رائحةُ المسك منها الي رئتيّ. ما أطيب رائحتك يا أبي، وما أطيبك. كنتَ تحنو عليّ طفلاً، فأحببتُك. وعلّمتني وناظرتني فتيً فاحترمتُك. كيف أنسي يا أبي تُربة أهلي، وماء الفرات، ونخلة أُمّي. فقد تشرّبت بها روحي، وسرتْ في دمي، ونبضَ بها قلبي. وهل يحيا المرء بلا قلب؟ كيف أنسي يا أبي وطني؟ ليتني كنتُ أستطيع ذلك لحظة واحدة لأستريح، فهو يسكن كياني، ويملأ أحلامي. ألا تعلم، يا أبي أنّني، منذ ذلك الفجر الذي احترفتُ فيه الرحيل، والشمس تشرق كلّ صباح في عيني من العراق، وتغيب كلّ أصيل في العراق، وأنّ ساعتي أدمنت توقيتَ بغداد، أينما ذهبتُ، لأنّ هذه الساعة التي أهديتَها اليّ، ذات يوم، تعمل بالنبض، بنبض قلبي الذي تجسّه في معصمي. وقلبي ينبض بحبّ الوطن.تقول، يا أبي، أَنني قد أنسي وطني حينما أعبر الي الضفة الأخري، وأنتَ علي يقين، يا أبي، أنّني في أيّ المحيطات أبحرتُ، وفي أيّ البحار نشرتُ أشرعتي، فانّ بوصلة القلب ستبقي متجهةً دائماًً نحو منائر وطني، وأنّ سارية الروح ستظل أبداً ملفّعة بشال أُمّي وضفائر أختي. وسأستنشق عبير بستاننا في نسيم البحر. وسوف يغتسل طيف بلادي في مجري مركبي، وأري خيال أعناق نخلاتنا في الغمائم فوق السفن. وسيجري ماء الفرات، علي الدوام، في عروقي وأوردتي وشراييني ودمعي. وسألبثُ صادياً ظمآنَ لن أرتوي الا ببلّ شفتيّ ببضع قطرات من ماء الفرات الفرات.وطني هو ذلك النهر المنساب برقّة في أحضان قريتنا الوديعة. وطني هو النخلات التي تحنو علي النهر ويتدلّي سعفها الطويل في مجراه، فتمتزج خضرتها بزرقة السماء علي صفحة مائه. وطني هو سرب البجع الذي كان يسبح مع مجري التيار قادماً من أعالي النهر، فكنت، في طفولتي، أسبح نحوه جذلاً، أُطلقُ صرخات الفرح، أطارده بمرح، ترفرف أجنحته، يرتفع طائراً علي سطح الماء، فأنبهر به. وطني هو قبلة أُمّي علي جبيني، وضمّة أُمّي الي صدرها، وحكايات أُمّي والنعاس يداعب أجفاني في دفء فراشي، وخلطة الحليب بالعسل التي كنتَ تسقيني في فطور الصباح، وجدائل أختي الكبري وهي تقودني الي المدرسة. وطني هو الراعية الصبيّة، عيدة، ذات الوجه الأسمر المليح المتناسق التقاطيع، والجسم الناحل الصغير، والذؤابتين المنفلتتين من عصابة رأسها السوداء. عيدة التي كنت، في صغري، أجري خلفها وهي مسرعة الي عملها في المروج، وأنا أنادي: عيدة، عيدة فتلتفت اليّ، ملوحة بعصاها مهدّدة، وهي تقول: وجعة شديدة، وأيش تريد من عيدة؟ فكنتُ أضحك للهجتها البدويّة، وللحزم البادي علي وجهها الأسمر. هل كنتُ أعبث، يا عيدة، حين كنتِ تعملين بجدّ، فاستحققتُ لعنتكِ؟ اذن، الآن وقد أدركتُ معني العمل بعد هذا العمر، أعذركِ واطلب منكِ العفو. أتدرين، يا عيدة، أنّ ذاكرتي ظلتْ موشومة بملامحكِ التي لوحتها شمس بابل بسحرها، موشومة بعينيك اللامعتين، بشفتيك المكتنزتين، وببريق أسنانك اللؤلؤية. ما تذكرتُ طفولتي، يا عيدة، الا وكنتِ أنتِ تركضين في مروجها الخضراء بهمّة وحزم، تردّين نعجة شاردة الي القطيع، أو تنحنين لتحتضني حملاً لم يستطع مجاراة القطيع، أو تعدّين غنمك بالعصا قبل العودة الي المراح، وتركضين وتركضين وكلبك يجري خلفك دوماً كما لو كان مشدوداً بخيط الي أذيال ردائك ذي القبّ المطرّز والسلهام الطويل. ولكنْ، قولي لي، يا عيدة، أين أمسيتِ اليوم؟ هل عدا عليك الزمن الذي لا يرحم كما عدا عليّ؟ هل غزا الشيب مفرقك؟ هل أقعدتك الشيخوخية فلا تستطيعين المشي، بله الركض؟ أم أنّ يد الموت قطفتك قبل الأوان كما كنا نقطف التفاح في بستاننا؟ وكيف مرّت حياتك؟ هل كنتِ سعيدة؟ أم أنّ الناس في القري والأرياف لا يعرفون معني السعادة؟ حسناً، هل تزوجتِ؟ وهل كان زوجك رجلاً طيّباً؟ هل عاملكِ برفق؟ هل أنجبتِ أطفالاً بمثل ملاحتك، وسمرتك، وحدّة لسانك؟ وأين هم الآن؟ هل أُتيحت لهم فرصة التعلّم في المدرسة؟ هل مارسوا أعمالاً أقل عنتاً من الفِلاحة والرعي؟ أم التهمتهم نيران الحروب التي دمّرت وطني؟أتذكرك، يا عيدة، فأضحك من أعماقي. أنا الذي نسيت طعم الضحك في فمي منذ سنوات. أضحكُ من كلماتكِ التي كنتِ تنطقينها بنبرة حادّة: وجعة شديدة، وأيش تريد من عيدة؟ هل كنتِ تعدّينني طفلاً شقيّاً يبتغي اضاعة وقتك فتردعيني بأقسي الكلام، وبتلويح من عصاك الطويلة؟أتذكّر أنّ أمي ذات يوم طلبت من قارئةِ كفّ ألمّت بقريتنا أن تقرأ كفي وكنتُ يومها صبيّاً. أخذت المرأة كفّي، بسطتها بين راحتيها، أطالت النظر اليها، ثم تحوّل نظرها تحديقاً، اكفهرّ وجهها، زمّت شفتيها، لوت عنقها، أدارت وجهها نحو اليمين ونحو الشمال، كأنّها تبحث عن مهرب. لم تُرِد أن تنطق بما رأت، لم تشأ أن تصدم أُمّي. تُري هل رأت تلك المرأة فعلاً دمي يُسفَح في غربتي؟ أم بلغت أُذنيها صدي بكائياتي السومريّة. رفعتُ رأسي لأنظر في وجه أَبي. لمحتُ احمراراً في عينيه. قرأتُ فيهما غضباً يُخفيه مثل جَمر تحت الرماد، أحسستُ أنّه يدثّر قلقاً عميقا بكبرياء جريحة، كما يقلق أَسد مكبّل في قفص وهم يقتادون شبله بعيداً عنه، لا يدري الي أين. بدت علي ملامحِ وجهه تلك الهيئة التي استحوذت عليها يوم أخبروه باستشهاد ابنه البِكر أحمد في معركة جنين في فلسطين. ولكي أغيّر الموضوع، سألته:ـ وكيف خلّفتَ أُمّي وراءك، يا أبي؟قال بإباء:ـ كم كانت تودّ مرافقتي لرؤيتكَ. ولكنّني كنت أعلم أنّ قلبها لا يحتمل ساعة الوداع فأقنعتُها بالبقاء .تمنيتُ في تلك اللحظة أن أعود الي قريتي وأن لا أسافر الي أمريكا. تمنيتُ أن أعود وأُلقي ببقايا روحي المبعثرة في أحضان أمي، أطوّق عنقها بيديّ، أقبّل وجنتيها، وألثم يديها، وأشمّ رائحة الحناء في ذوائبها البدويّة. ولكنّني غادرت البلد مُكرَها نزولاً عند رغبة أبي والحاح أمي وحثّ الرفاق لي. وجئت الي بيروت مع رفيق لي حفاظاً علي حياتنا. ولكن ما معني حياتي وأنا بعيد عن أهلي ونهري وبستاني ونخلاتي وجوادي ومروجي الخضراء. وهل يبقي معني لذاتي مجرّدة من أحاسيسي ؟ كلّ الكائنات في قريتي تتشبث بجذورها شامخةً حتي الموت، فأشجار النخيل في بستاننا تموت وهي واقفة؛ وأسراب البلابل تموت وهي محلِّقة؛ الا أنا، فها أنا ذا أسير، بخنوع مطأطئ الرأس، أبحث عن منفي موحش الدرب لأدفن فيه خوفي وجُبني.لم أحمل معي شيئاً يُذكَر من قريتي، مجرّد أشياء صغيرة ليست ذات شأن ولكنّها كانت تعني لي الكثير الكثير. وضعتُ في حقيبتي حفنة تراب من بستاننا، وخوصة خضراء انتزعتها من احدي سعفات نخلتنا برفق وبيد مرتعشة وشفتين واجفتين كأنني أعتذر لها عمّا أفعل أو أتلو عليها بكائيات الوداع، وريشة من ريشات بطتي الأثيرة كانت ملقاة علي حافة الحوض في حديقة المنزل، وشالاً أسود لأُمّي أخذته من صندوق ملابسها دون أن أخبرها، طويتُ فيه نايي وخبأته وسط ملابسي في الحقيبة. ولكنّ قصدي الحقيقيّ منه أن ألفَّ به رأسي اذا ما داهمتني الحمّي يوماً ما لعلّ رائحة أُمّي العالقة به تُشفيني مثل تميمة أو بلسم سحريّ. وارتديتُ بذلتي السوداء كما لو كان لون الفراق أسود. وعبرت باحة الدار في اتجاه الباب، ولكنني توقفتُ في وسط الباحة عند البئر. رفعت الغطاء عنها، نظرتُ اليها، حدّقتُ فيها، رأيتُ القمر منعكساً في مائها العميقة، وعادت اليّ القصة التي سمعتها عن بئري هذه، رمز الحياة والموت لي ولأمي. (فقرات من رواية للكاتب عنوانها مرافئ الأحزان ستصدر عن دار الآداب في بيروت)كاتب من العراق0