محمد كريشان
إذا لم يكن للمسلسل التلفزيوني الفلسطيني الذي يحمل هذا الاسم من أثر سوى إثارة سخط كل من حركتي ‘فتح’ و’حماس’ معا فقد نجح بامتياز. هاتان الحركتان اللتان لم تبدعا في السنوات الماضية إبداعهما في المناكفات الفارغة ومحاربة طواحين الهواء، آن لهما أن يتواضعا قليلا وتجلس قياداتهما أمام التلفزيون لمتابعة حلقات هذا المسلسل الذي بثته قناة فلسطين الفضائية ليروا أنفسهم في المرآة دون مساحيق. اللقطات الساخرة من القيادة الفلسطينية وممارساتها وكذلك من حركة ‘حماس’ ثأرت لمئات آلاف الفلسطينيين والعرب الذين فقعت مرارتهم المماحكات اليومية لهذين الفصيلين اللذين لم يجمعا على شيء مؤخرا إلا إدانة هذا المسلسل الجريء خفيف الظل. يكفي أن تدخل على موقع ‘يوتيوب’ الالكتروني لترى أن الإقبال على مشاهدة هذا المسلسل، المتمثل في لوحات لا تتجاوز الربع ساعة، في ازدياد واضح بل بات من ضمن العروض التي يقترحها الموقع على رواده عند فتحه. وما كان لهذا المسلسل الضاحك أن تكون له هذه الشعبية لو أنه اقتصر على نقد ‘حماس’ لأن ذلك سيحسب مباشرة ضمن تصفيات الحساب الرخيصة، لكنه امتد لنقد الفساد في السلطة وسياسات الحكومة والمفاوضات العبثية مع ذكر الأسماء دون مواربة. هنا بالضبط تكمن مصداقية أي عمل إبداعي هزلي فنقد المعارضة ورموزها أمر سهل ومتاح بل ومحبذ من قبل الذين يريدون فقط التقرب لأصحاب القرار والترويج لهم. نفتقد في البلاد العربية هذا النوع من الأعمال النقدية الساخرة واللاذعة التي يفترض أنها لا تقتصر على إبراز بعض عيوب المجتمع وسلوكياته الخاطئة وإنما أيضا ممارسات السلطة لأن الرئيس والوزراء ليسوا آلهة ولا أنبياء ولا معصومين. وإذا كان البعض يركز في نقده لمثل هذا النوع من الأعمال على طابع المبالغات التي يصحبها فإن ذلك ليس إلا جزءا أساسيا من الإبداع نفسه فهي ليست عملا دراميا واقعيا بل هي اعمال هزلية لاذعة، تماما كما هو الكاريكاتور فأنت لا تستطيع لوم الرسام في أنه بالغ في تصوير أنف طويل لشخص ما فهذا جوهر العمل طالما أنه لم يختر التصوير الشمسي مثلا. المبالغة والتضخيم عنصر محوري في فن الإضحاك والاستهزاء فقد ظل مثلا الرئيس الفرنسي جاك شيراك طوال سنوات رئاسته وقبلها في المعارضة شخصية التندر الرئيسية المحببة في إحدى القنوات الفرنسية التي تقدم نشرات أخبار بالدمى المتحركة ولم يتركوا شيئا من عيوبه إلا وسلطوا عليه مجهرا عملاقا. توجد في لبنان تجارب تلفزيونية فكاهية سياسية نقدية جيدة ولكنها، كأي شيء آخر في لبنان، يرى صاحبها القذى في عين أخيه (ذرة متطايرة من الخشب) ولا يرى الجذع في عينه، كما يقول الحديث النبوي الذي صار مثلا، وفيه ينتقد من يجهد نفسه في تدقيق النظر في عيب أخيه فيدركه مع خفائه ويعمى عن عيب في نفسه وهو جلي واضح. ولهذا كان لكل تلفزيون تقريبا برنامجه الطريف الذي لا يمس إلا الآخرين. ومع خفة دم ما يعرض في لبنان من نقد لسياسيين كبار من الحكومة والمعارضة إلا أن تناول زعيم حزب الله في برنامج ‘بس.. مات وطن’ على قناة ‘أل بي سي’ في حزيران/يونيو 2006 مثلا أثار موجة غضب لا حدود لها في بعض الأوساط لا سيما، أن لا أحد يتطرق إلى مقامات دينية أخرى كالبطريرك الماروني أو المفتي وجميعهم يختلط لديهم إجمالا الديني بالسياسي كنصر الله. وفي تونس ظهر مؤخرا في التلفزيون الرسمي برنامج ساخر للدمى المتحركة متقن فنيا لكنه مدرك تماما لحدوده فلا يقترب منها على الإطلاق. أما الظرف وروح النكتة عند المصريين فلم يجدا طريقهما إلى حد الآن في أي عمل تلفزيوني سياسي مسل يتناول بصريح العبارة وبالاسم السياسيين من رسميين ومعارضين إذ ظل الأمر كله حبيس مقالات في بعض الصحف المستقلة والمعارضة. ترى لماذا يستكثرون علينا أن نضحك من هؤلاء الذين يضحكون علينا؟