سليم البيك’لم أتوقع بأني سأنتهي من الكتاب بهذه السرعة’. قد تكون هذه الجملة، كدعائية، الأكثر استهلاكا، ً والفكرة الأسهل كتابة لمن يود أن يكتب مروّجاً، وبسرعة ربّما، عن كتاب ما، صحيح. لكنها (الجملة) رغم ذلك، الأنسب لأستهل بها كتابة ليست سريعة ولا دعائية أو ترويجية لكتاب انتهيت منه ‘بهذه السرعة’ مع شعور جيّد بأني بدأت، أصلاً، بقراءته.
كتاب رئيس تحرير جريدة ‘القدس العربي’ عبد الباري عطوان ‘وطن من كلمات.. رحلة لاجئ من المخيم إلى الصفحة الأولى’، والذي يروي سيرة كاتبه (العنيدة والعصامية جداً) من مخيمات اللاجئين في غزة حيث وُلد وتنقّل بينها قبل هجرته إلى عمّان فالقاهرة للدراسة، ثم إلى لندن مروراً، وغير منتهياً، بمشاكل متزاحمة.
قد يتعدّى الكتاب سيرة صاحبه ليكون سيرة غير مكتملة للقضية الفلسطينية، لما يسرده الكاتب من سيرة هذه القضية منذ ولادتها، مدمجها بسيرته منذ ولادته، مروراً بسَير تطور كلا السيرتين، وبشكل منقطع قد يلتبس فيه تسلسل السيرة الذاتية زمنياً بالتقطيع غير الزمني وحسب المواضيع، مدمجاً (كذلك) بين الأسلوبين في رواية السيرتين: عطوان الصحافي، وفلسطين القضية، في كتاب لا يعوزه الانسجام الذي لا بدّ منه في أي أوتوبيوغرافي، وحتى ـ بالمناسبة- أي عمل أدبي ناجح، ( هل نقول رواية؟)كيف لا يكون هذا الدمج والكاتب ابن مخيمات غزّة؟ والتي هُجّر إليها والداه من أسدود، وتهجّر، بفعلٍ من الاحتلال غير مباشر، إلى الأردن حيث عايش زمن الثورة الفلسطينية هناك، ثم إلى القاهرة حيث عايش زمن عبد الناصر، وقد ضاقت به، وبقلمه، البلاد العربية ليهاجر إلى بريطانيا، ثم ليستقلّ بمشروعه مؤسّساً فيها، وباقتراح ودعم أوّلي من الشهيد أبو جهاد الوزير، جريدته التي ستصبح الصحيفة العربية المستقلة والمختلفة.
الكتاب المهدى إلى كافة أطفال المخيمات، والفلسطينيين منهم تحديداً، يذكر حياة البؤس التي عاشها الجيل الثاني بعد النكبة في المخيّمات، وليس غريباً أني أقرأ فيه قصصاً من مخيّمات غزّة، وقد سمعتها ذاتها من جدّي وأبي في مخيّم النيرب في حلب. نحكي كثيراً عن أهمية أن يكتب أو يسجّل جيل النكبة مذكّراته لحفظ تراثنا الشفوي والمكتوب، لكن قد لا يقلّ عن ذلك أهمية تسجيل الرواية الفلسطينية لجيل ما بعد النكبة في المخيّمات، هي جزء من سيرة القضية التي لا بدّ من تسجيلها بكل مراحلها فردياً وجماعياً، وهو ما نقرأه ضمن هذه السيرة الذاتية/الجمعية.
لن أفوت في تفاصيل السيرة والمراحل والمشاكل الكتاب مليء بهذه الأخيرة- التي مرّ بها (وسأترك التلخيص السردي الكسول لمحتوى الكتاب للمراجعات ‘العربية’) لكني سأشير إلى أن هنالك فصولاً عن محمود درويش وإدوارد سعيد وياسر عرفات، فيها ما قد يرغب أي فلسطيني بمعرفته، غير تلك التي تنشرها الصحافة، إضافة إلى الحالة والظروف التي تأسست ضمنها ‘القدس العربي’ وهو ما قد يرغب أي صحافي ومحرّر بمعرفته، وفصولاً عديدة موزّعة على الكتاب بدمج ‘توريطيّ’ بين الترتيب الزمني والموضوعات، كما ذكرت.
لعطوان صدقيّته وعفويّته في الطرح السياسي اليومي، أكان عبر تعليقات تلفزيونية أو افتتاحيات مكتوبة، وتكون محكمة. في هذا الكتاب نجد كلّ ذلك، مضافاً إليه حميمية السيَر، وهي ما تكون أكثر كشفاً لشخص الكاتب، وهذا ما نجده هنا: سعيد (كما تناديه عائلته وأصدقاؤه) هو من كتب هنا سيرة عبد الباري عطوان الصحافي.
أحاول دائماً تفادي الكتابة عن الكتب، كما يَخيب أملي من (ولا أثق بـ) كثير من المراجعات، ها أنا أتصفّح الكتاب ويروّعني الكم الهائل من التفاصيل فيه التي لا بدّ لأي كتابة عنه أن تشملها.
سأبرئ هذه الكتابة من هذا العبء وأتنصّل من كونها تتناول الكتاب عينه، قد يسبّني كل من يقرأه لأني لم أشر إلى كذا وكذا (لستُ أقل خيبة من كاتبي المراجعات)، لكني فعلاً لم أتوقّع بأني سأنتهي منه بهذه السرعة، أسلوب عطوان الكتابي وموضوعات الكتاب تتحمّل كل العبء في ذلك.