ابراهيم الحجري
أثارني مقال الشاعر أمجد ناصر إذ تناول فيه موضوع الانتظار منذ انتظار بينلوبي ليوليسس إلى انتظار عرفات ماراً بماركيز، كونديرا وكفافي. لقد كان أولئك الناس نوعاً من حل.
يذكرني استشهاد أمجد ناصر بكفافي هنا باستشهاد إدوارد سعيد في كتاب الأنسنة والديمقراطية بنفس المقطع الأخير من قصيدة كفافي (في انتظار البرابرة)؛ كان إدوارد يستشهد به للتذكير بفائدة وجود الآخر المعادي بالنسبة للبناء العام.
ماذا عن انتظارنا نحن؟ أليست لحظة وفاة الرسول العربي هي فاتحة الانتظار العريض الطويل: انتظار المخلص، أم أنه الانتظار الديني؟ إنها الورطة اليهودية الأولى. في اليهودية الجميع في انتظار عودة أرض الشعب المختار والملك سليمان، في المسيحية في انتظار ابن الله، في الإسلام نحن أيضاً في انتظار عيسى لينصر دين الله على الكافرين ولو كره المشركون، في انتظار أن يتكلم الشجر والحجر ويقول (هذا يهودي خلفي فاقتله).
إنه انتظار جميل حقاً: انتظار شبيه بانتظار غودو، وعلى الطريق الزراعي أيضاً إنه انتظار ما لا يأتي، ما لا يحدث، الفكرة الكبرى نفسها في انتظار يوم الدينونة والدين والقيامة. الجميع في انتظار الله ليعدل بين الجميع ويعلن انتهاء الحياة والعالم الذي نعيش فيه ليقدم لنا في المقابل العالم الآخر.. الجنة الكئيبة (لا عمل) وجهنم المازوشية (لذة التعذيب).
إنه الانتظار؛ في الأنظمة العسكرية يقوم النظام بإيهام الشعب بأنه متوجه إلى حياة أفضل، يؤمن الشعب وينتظر، وحتى من لا يؤمن بالنظام يؤمن بالمخلّص. نفس الفكرة الدينية تلعب لعبها السياسي هذه المرة، الرئيس يقدم دوماً بوصفه المخلّص، لكن على الجميع الانتظار وعدم الاستعجال، ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة؛ ذاك مثل لا علاقة له بعصر السرعة، إنها ليست سرعة بل انتظاراً.
الناس في انتظار الحل القادم، فلسطينيون في انتظار انتهاء الاحتلال والعودة للحياة الطبيعية، عراقيون في انتظار الهدوء والعودة، لبنانيون في انتظار الوفاق والعودة، في المغرب العربي في انتظار تحسن الأحوال والعودة، في الجزيرة العربية في انتظار اكتمال بناء الدولة العصرية، أو أنهم جميعهم في انتظار موت الرئيس.
هل يعيش العربي في انتظار الموت، الصغير ينتظر يكبر: موت الصغر، الشاب ينتظر العمل: موت البطالة، الرجل والمرأة ينتظران الزواج والانجاب: موت العزوبية، الوالدان ينتظران أن يكبر الصغار: موت الطفولة، الكبار في انتظار الموت: موت الجميع.
ربما كان الموت نوعا من حل.. نستغرب في وطننا العربي من أي معاملة يتم انجازها مباشرة نحن متعودون علي الانتظار، لا شيء مستعجلا أو عاجلا، أبداً انه الحل بالتأكيد، الموت هو الحل، الانتظار الكبير.
السلطات تنتظر الموت والأمة تنتظر الموت، تقوم تتنفس قليلاً ثم تتذكر أنها في انتظار الموت (المخلّص) فتعود لوقار الانتظار، شعوب بأكملها تراهن علي وفاة الرئيس لتصير الأوضاع أفضل، لكن لا أفضل بل هم يحزنون.
انتظر.. لحظات. سآتي، سيأتي، سيتغير الحال، ولو كانت الدنيا تدوم لواحد لكان رسول الله فيها مخلدا، أليس المتنبي هذا (فالموت آت والنفوس نفائس والمستعز بما لديه الأحمق) برأ المتنبي ساحته بأن النفوس نفائس لكن اللغة والثقافة متورطتان في الانتظار، في مستنقع الانتظار، كم حقبة لزمت الطبيعة لتصل الي الانسان فاذا به بعد أن وصَلـَت اليه ينتظر.. موته!!
نظر وانتظر، انه يري عبر الانتظار كل الحياة تري من خلال الانتظار، انه المنظار، (نظر وفكر ثم قتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر..) الوليد بن المغيرة ينتقم من الثقافة وتوابعها، انظروا انتظروا، نظر نظرة في النجوم.. فقال اني سقيم. انتظار يأتي قبله موتك ذاك هو الانتظار.
مرت الفترات السياسية المختلفة والجميع هنا ينتظر، أينما كانوا ينتظرون، فكل الأبطال الذين وصلوا الي الآن خانوا المسيرة ولم يكملوها، هكذا نحن في انتظار العالم الجديد، أو الاشتراكية الجديدة، أو الشرق الأوسط الجديد، الجديد، الجديد: الكل ينتظر الجديد من الاقتصاد الي الأدب، الأمل في الجديد، سيتزاحم الناس في بلد الانتظار لرؤية الجديد، ما الجديد؟
عيش في بلاد الانتظار بامتياز، هنا حيث الوقت لا معني له، العمر لا قيمة له، ان حساب الزمن خارج الوعي، الزمن الذي يقاس به الانتظار هو ذاته في الانتظار.
العاشق ينتظر معشوقته بلهفة لكنها لا تأتي ولن تأتي لكنه ينتظر، رغم شكه في قدومها لكنه لا يبارح الانتظار، انه الأمل عندما يكون مفسدة، الأمل يجعل الانتظار طويلاً، الحلم عندما يفسد الوقت، الوقت فاسد انه انتظار ولا شيء غيره.
الانتظار وهم الحياة، بطء اتخاذ القرار عادة عربية بامتياز، تنعقد القمم العاجلة بعد أسبوعين من وقوع سبب القمة العاجل، لا نزال نطبخ علي الحطب، تعاملنا مع الغاز خطر، قد نقتل أنفسنا اذا استعجلنا أو ندمر العالم.
الانتظار بوصفه حلاً لكل المشاكل، الولد جائع ننتظره لينام وينسي، ننتظر أي أن نضحي بالوقت، الوقت مقابل ما يصل، الولد المشاغب ننتظره يكبر ويهدأ، الجميع يهدأ الكل سيهدأ حتماً كل ثورة مجرد فورة ستهدأ واذا لم تهدأ فخفف النار قليلاً تحتها ثم أشعلها من جديد واذا فارت خفف وهكذا في النهاية لن يكون هناك ماءٌ لتفور من جديد انتهي الماء: ماء الوجه.
الوضع المتأزم يلزمه الانتظار ليهدأ، الفقر يحتاج صبراً لينتهي، الانتظار يتحول الي عادة، المسافر الذي ينتظر يتحول الي مقيم.. حتي في جهنم ـ الحمراء ان كان هناك بيضاء ـ ، الانتظار أكبر مفسدة، التلفزيون يهوِّن الانتظار. مدمنو تلفزيون، يرحل الوقت، العمل التافه أيضاً، يورطك حتي تجد نفسك تعودت، صار الانتظار عادة لا تستطيع التخلي عنها.
مدمنو انتظار. المنفيون ينتظرون. ان اكبر حدث في الحياة وهو ولادة طفل جديد لهذا العالم لا يأخذ أكثر من تسعة أشهر، ما بال العرب ينتظرون مولودا منذ مئات الأعوام، انتبهوا فقد يكون حملكم كاذباً.
في النهاية وفي الملل من الانتظار والتعب، تلعب اللعبة النفسية لعبتها علي الأقل يمكننا التصديق أن للاوعي دوراً هنا، ان المشكلة ترحل الي اللاوعي اذن فهي غير موجودة وهكذا: لا يتكلم أحد عن المشكلة لأنه ما من مشكلة أبداً، أيّ مشكلة؟!
يا للسخافة التامة عندما تنتظر كل هذه الجموع مخلصاً جديداً، مرة أخري، انهم يطلبون من السماء أن ترسل لهم مخلصاً جديداً، لكن السماء لا تفقه اللغة الصينية كما يقول الفيلسوف الصيني.
في اللحظة التي خرج فيها ابن لادن من العدم زمرت الشعوب وطبلت لقد اعتقدت فيه مخلصاً مرسلا من السماء وأنه سينتصر، هكذا يصبح صدام حسين بطلاً قومياً مرة وديكتاتوراً مرة أخري وهكذا الجميع، انه عدم التمييز الذي يطبع المنتظر، الرجل القادم هو الذي أنتظره.. لا ليس هو، آه ها هي أتت، لا ليست هي وهكذا حتي تختلط الأمور كلها وينعدم التمييز وتذهب الحساسية ويذهب العمر مع الحساسية الذاهبة.
الرئيس ريغان ذهب هل كان أحد ما ينتظر ذهابه في هذا العالم، حسنا لقد ذهب الرجل يا أيها الرجال هل تنتظرون شيئاً آخر؟ أما من أحدٍ يلغي هذه الوظيفة كما ألغي سركون بولص وظيفة الجلاد؟ هدوءا لا ترفعوا أصواتكم انهم ينتظرون أمراً مهماً….
شاعر من عُمان