سليم عزوز
ما زلت عند رأيي بأن أفضل عمل درامي في رمضان هذا العام، هو مسلسل ‘حملة دعم جمال مبارك’، ولا أدري لماذا كلما شاهدت حلقة من حلقاته تذكرت فيلم ‘همام في أمستردام’، بطولة خالد الذكر محمد هنيدي، مع أن عملي المفضل هو مسلسل متعدد الحلقات، وليس فيلما، وهو ينتمي إلى مسلسلات ‘الست كوم’ التي تغرق الشاشة الصغيرة هذه الأيام.
مسلسل ‘حملة دعم جمال مبارك’ نجح في احتلال موقع الصدارة، وإجلاء ‘راجل وست ستات’ عنها، بعد أن أصبح ‘الاستظراف’ هو سيد الموقف، وأصبح أشرف عبد الباقي يبذل جهدا جباراً من اجل إضحاك الناس، في حين أن مسلسلنا البديع لا يبذل أبطاله جهدا يُذكر، ومع هذا فإنهم ينتزعون الضحكات من المشاهدين.. الضحكة تلو الضحكة، لأنه يعتمد سياسة كوميديا الموقف.
الجو في القاهرة حار هذا الصيف، إذ ترتفع درجات الحرارة إلى حد يدفعني للاعتقاد بأنني أعيش في صحراء نجد، مع ارتفاع بشع في درجات الرطوبة، وإذا كنا وكما هي العادة في شهر رمضان نشاهد غزارة في الإنتاج الدرامي، فان القاسم المشترك الذي يمثل قاعدة لأعمال هذا العام هو التفاهة، لكن يظل مسلسل ‘دعم جمال مبارك’ هو الأفضل، الذي ألوذ به لتسلية صيامي، ومحاولة التغلب على الجو الخانق، الذي جعل من مناخ مصر الذي اشتهر بالاعتدال، مناخا خليجيا بدون إمكانيات.. وكما تقاسمنا الهم، فلابد من أن نتقاسم الثروة.
نجم المسلسل سالف الذكر كان ضيفا على برنامج ‘من القاهرة’، فأطربنا عندما شبه جمال مبارك بجمال عبدالناصر، ليس لتشابه الأسماء، ولكن لان كلاهما انحاز للفقراء، وكنت أظن أن الفتى يسخر، فنظرت إليه فوجدته جادا، بشكل دفعني للتساؤل هل أنا في حلم أم في علم؟!
ففي اعتقادي أن جمال مبارك نفسه لا يمكنه ان يدعي ذلك، ليس تواضعا، ولكن لأنه ليس مشغولا بان يكون مثل جمال عبدالناصر، لأن ‘ماما أمريكا’ لا تريد لمن يحكم مصر ان يكون مثل الرئيس الراحل، وصاحبنا يقدم مسوغات تعيينه رئيسا على انه سيسير على نهج المحبة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل.
لا بأس، فالنجم لم يشر إلى أن المشترك بين جمال، وجمال، هو تبني سياسة التحرر الوطني، ولكن في الانحياز للفقراء، وفي يقيني ان نجل الرئيس لا يدعي انه منحاز للفقراء، الذين لم يسبق له التعرف عليهم أو رؤيتهم، إلا من خلال الأعمال الدرامية التي تدور أحداثها في الحارة المصرية، وفي الأحياء العشوائية، فهو قد ‘شاهد الفقراء فيديو’. وفي الإعلانات التي كانت تبث تلفزيونيا عن جمعية المستقبل، التي أسسها وسعى من خلالها للتأكيد على أنها تضم تحالف قوى الشعب العامل، كان من يمثلون الفلاحين فيها، في قمة الاناقة، وتشعر أن جلابيبهم تم تفصيلها في بيوت الأزياء العالمية.
ونظرة إلى خياراته في الحكومة الحالية، سنقف على انحيازاته الطبقية، فعلى يديه جرى الزواج المحرم بين السلطة والمال، ومجموعة الوزراء رجال الأعمال هم من اختياره، وبعضهم خلط بين ذمته المالية، وذمة الدولة المصرية، وهم الذين سهلوا لأصدقاء البيزنس الاستيلاء على أراضي الدولة، ليس بالمتر ولكن بالكيلو، وبتراب الفلوس، طالع على سبيل المثال لا الحصر الحكم القضائي ببطلان عقد ‘مدينتي’ لصاحبها هشام طلعت مصطفى المتهم بقتل المغنية اللبنانية سوزان تميم، ووثيق الصلة بأهل الحكم.
ثم ان مشروع جمال مبارك السياسي يسهر على إخراجه رجل الحديد والصلب أحمد عز، الذي ازداد ثراء بعد تمكنه من السيطرة على الحزب الحاكم، ولا يمكن ان يتزعم مثل هذا الرجل مشروع نجل الرئيس ثم يقال انه مثل جمال عبد الناصر في انحيازه للفقراء، إلا في الشق الخاص بالعطف الإنساني، وبكرم الرأسمالي مع خدم القصر، وبقيام (الباشا) بدس مبلغ من المال في يد (البنت سعدية الشغالة) لتشتري لأولادها (كسوة العيد) فتنحني وتقبل يده وهي تلهث بالدعاء (ربنا يخليك لنا يا سعادة الباشا)، فتفيض عيون الحضور بالدموع لكرم (الباشا) وعطفه. والقوم لا يعلمون ان فقراء مصر ليسوا هم (البنت سعدية الشغالة)، ولا الواقفون ينظرون وقد تأثروا بهذا الموقف الإنساني المؤثر.
تلفزيون احمد عزعلى ذكر احمد عز، فالمذكور لم يكفه النعيم المقيم الذي يرفل فيه الآن، وجمعه بين الحسنين: السلطة والثراء المالي، فقد قرر دخول مجال صناعة الإعلام واثق الخطوة يمشي ملكاً، وقرر تأسيس فضائية تحمل اسم (البيت بيتك)، مع انه لم تظهر عليه ملامح الاهتمام بهذا المجال في أي مرحلة من مراحل حياته.
فاشل باذن الله، ذلك بان عز يريد وجاهة اجتماعية، في أمره كله، والبعض يتباهى بأنه يملك صحيفة أو فضائية، وبعض أثرياء هذا الزمان يتباهون بجمال زوجاتهم، فيمشي الواحد منهم مختالا بجانب السيدة حرمه، كما لو كان قد حصل على جائزة نوبل في علوم الذرة.
الإعلام لا ينجح إلا بالحرية، وأهل الحكم في عالمنا العربي بحكم (طبائع الاستبداد) ليسوا مؤهلين للنجاح في هذه الصناعة، والرئيس السادات على سبيل المثال أصدر مجلة ‘أكتوبر’ ووفر لها كل الإمكانيات المادية لتنجح ولكي ينسب نجاحها له، ففشلت، فأصدر جريدة ‘مايو’ ففشلت أيضا، والحزب الحاكم في مصر الذي يفخرون بأنه حزب (القاعدة العريضة) لم ينجح منذ تأسيسه في أن يصدر صحيفة ناجحة. وفي السابق كانت النكتة ان الصحافي إبراهيم سعدة هو رئيس تحرير اكبر الصحف توزيعا واقل الصحف توزيعا، فقد كانت ‘أخبار اليوم’ تتجاوز حاجز المليون نسخة توزيعا، وكان توزيع جريدة الحزب الحاكم التي يرأس تحريرها في نفس الوقت لا يتعدى الثلاثة آلاف نسخة!
صاحبنا عز يريد ان يقوم بالتخديم على مشروعه السياسي بمشروع إعلامي، قد يحتاج له يوما، لاسيما ان سيطرته منفردا على مقاليد الأمور في الحزب الحاكم تدفعه لان يحلم بما هو أكثر.. وهي أحلام مشروعة، وأنا احلم مثلا بأن يأتي اليوم الذي أتمكن فيه من الموازنة العامة للدولة، حتى أتحسس الأموال المرصوصة. كان لي صديق يجمع بين الثراء والبخل، وكنت اسأله وما قيمة المال إذا لم يبدده صاحبه بالاستمتاع به، وليس كما يبدد القائمون على تلفزيون الريادة الإعلامية مال الشعب المصري على إنتاج الفشل وإعادة إنتاجه ثم إعادة تدويره.
صديقي قال لي ان تحسس الأموال المرصوصة يجلب السعادة وبدون إنفاقها، فقلت لابد من خوض التجربة بالتمكن من ذلك من خلال منصب وزير المالية.
يقولون: ‘إذا سرقت اسرق جملاً، وإذا عشقت اعشق قمراً’، وفي السابق كنت احلم بالقصر الجمهوري حيث الخدم والحشم، لكن الكاتب البديع ممتاز القط رئيس تحرير جريدة ‘أخبار اليوم’ حاليا، عدد في مقال تاريخي حجم التضحيات التي يقوم بها الرئيس مبارك، ضمن مقتضيات الواجب الوظيفي، وقال ضمن ما قال انه محروم من ‘طشة الملوخية’. ليس لدي استعداد للاستغناء عن الملوخية وطشتها، ولو من اجل موقع خليفة المسلمين.
الحب العذريبطل مسلسل ‘ حملة دعم جمال مبارك’ قال في برنامج ‘ من القاهرة’ انه باع ‘عفش بيته’ من اجل الإنفاق على حملة جمال مبارك رئيسا، وهذا نوع من الحب لم يعد له وجود في هذه الدنيا، فهذا بشحمه ولحمه ‘الحب العذري’. في برنامج ‘تقرير خاص’ على قناة ‘ الحرة’ قال البطل ان جمال مبارك يتعرض لغبن شديد لمجرد انه نجل الرئيس. ومن الواضح أن الإخلاص بلغ بصاحبه مداه، فباع ‘ عفش بيته’ من اجل أن يرفع (الغبن الشديد) عن نجل الرئيس. وفي اليوم التالي قالت احدى بطلات المسلسل ان رجل أعمال بعينه تبرع لإنتاج هذا العمل بمليوني جنيه، عدا ونقدا، ونفى رجل الأعمال المتهم.
في حلقة سابقة من هذا المسلسل على قناة ‘الحرة’ انتصب مصطفى علوي عضو لجنة السياسات بالحزب الحاكم خطيبا، وقال ان الحزب الوطني هو الحزب الأكبر في مصر.. حزب الثلاثة ملايين عضو.. الحزب الكبير، تمنيت ان يسأله السيد يوسف مقدم الحلقة عن حدود كبره، ومؤكدا انه كان سيرد عليه ‘كبير أد البحر’!. علوي أستاذ العلوم السياسية كان يرد على كلام قيل ان الحزب الحاكم يدفع بهؤلاء (الذين باع قائدهم عفش بيته من اجل جمال مبارك) وعلق ان الحزب الوطني اكبر من هذا، فهو لا يحتاج إلى مثل هذه التحركات.
وائل نوارة سكرتير عام حزب ‘الغد’ قال في ‘الحرة’ مفسرا ما يجري ‘أحيانا عندما يخجل إنسان من فعل قبيح فانه يدفع آخرين للقيام به’. وسأل السيد يوسف: هل ترشيح جمال مبارك فعل قبيح؟
ورد نوارة: التوريث هو الفعل القبيح.
أستاذ العلوم السياسية الفطحل وعضو الحزب الكبير، يعلم ونحن نعلم ان حزبه لا يمكن ان يستمر يوما في الحكم إذا أجريت انتخابات نزيهة.. مع انه حزب كبير، وطويل القامة، وعريض المنكبين.
في النهاية لا يفوتني أن اشكر فريق العمل بمسلسل جمال مبارك لأنه نجح في تسلية صيامنا.. والى الحلقات القادمة.
أرض جوفي رمضان هذا العام تراجعت الدراما السورية ولم يتقدم احد.
مسلسل ‘الجماعة’ لصاحبه وحيد حامد، مثل دعاية لجماعة الإخوان المسلمين.. محظوظة هذه الجماعة بخصومها.. فالمسلسل ذكرني بالهجوم الفج الذي قام به تلفزيون الريادة الإعلامية في الانتخابات البرلمانية الماضية ضد الإخوان فتعاطف معهم الناس وحصدوا 88 مقعدا.
يحيي الفخراني في ‘شيخ العرب همام’ هو نجم الدراما الأول لشهر رمضان.
ليس صحيحا أن البعيد عن الشاشة بعيد عن القلب كما ذكر احد المعلقين.. فأنا أتمني عودة جمانة نمور الى شاشة ‘ الجزيرة’ على أحر من الجمر.
بعد محمود مراد ترك الـ ‘بي بي سي’ الى ‘الجزيرة’ كل من نوران سلام، وعثمان فرح، ومراسل السودان محمد الطيب. ليطرح هذا سؤالا لماذا تحولت ‘بي بي سي’ الى مكان طارد للكفاءات؟
المضحك ان القوم في تلفزيون الريادة الإعلامية قالوا ان الكوادر التي ستدير القناة الإخبارية الجديدة يتدربون في الـ ‘بي بي سي’.. اختيار الشؤم والندامة.
نجحت الكنيسة في لبنان في منع مسلسل ‘المسيح’ على قناة ‘المنار’ من دون ادنى اعتراض من الذين يصدعون رؤوسنا بالحديث عن حرية الإبداع.. تُرى ما هو الموقف لو ان مؤسسة دينية إسلامية اعترضت على عمل ما؟!
صحافي من مصر[email protected]