بصدد عرض ‘كفر ناعوم’ وتخفف الفنانة المغربية لطيفة احرار من ملابسها في احد المشاهد:عبد الصمد الكباص يعيش المشهد الفني والإعلامي اليوم جدلا كبيراً بسبب مشهد ظهرت فيه الفنانة المسرحية لطيفة أحرار متخففة من ملابسها في أحد مشاهد ‘كفرناعوم’ المسرحية التي أعدتها وأخرجتها أحرار انطلاقا من ديوان ‘رصيف القيامة’ للشاعر المغربي ياسين عدنان. هنا محاولة لتجاوز كل هذا الصخب الذي انخرطت فيه الصحافة المغربية من خلال قراءة تطمح إلى الاقتراب أكثر من الرهان الفني والفلسفي لهذا العمل المونودرامي الذي شكل عملياً الافتتاح الفعلي للموسم الثقافي والفني في المغرب.لا بد أن يكون عرض ‘كفر ناعوم أوتوـ صراط’ الإبداع الجديد لمسرح الأصدقاء انعطافا جديدا في مسار المسرح المغربي . فهو يرسخ شكلا خاصا من البناء الفرجوي ويرسي أسس تأويل جديد للعرض المسرحي والممثل والنص والمتفرج ، ويقيم علاقة متفردة مع أفق التلقي.ما يشكل عتبة تميز هذا العرض هو أنه لا شيء مجاني فيه، بل هو أكثر من ذلك لا يستعمل إلا ما يفرض ضرورته في بناء العالم الذي يقترحه على المتفرج الذي يخرجه من نطاق الاستهلاك النمطي الذي يقتل الحواس فيجعل العين عاجزة عن رؤية إلا ما سبق لها أن رأته من قبل ، والأذن غير قادرة على الإصغاء إلا لما قيل سلفا ، ويكون التلقي مجرد تمطيط لشكل أغرقه التكرار في الابتذال. كما لو كان الزمان مجرد ترديد لصدى لحظة واحدة لا يولد فيها أي جديد ولا يحدث خلالها أي مختلف.إن الأمر يقتضي في اقتصاد العرض المذكور إعادة صياغة فكرة المتفرج نفسه وتحديد جوهره باعتباره قابلية متجددة للدهشة التي تحدد طبيعة علاقته بما يعرض أمامه على أساس البحث عما يكسر نمطية الأشكال المجترَّة ويُحدث الخلخلة اللازمة. مثلما يعيد صياغة فكرة العرض المسرحي نفسه بتكريسه كبناء جمالي للحواس يمكنها من حياة جديدة، يوقد شعلتها ليُخرجها من عماء التحصن وراء ما أنجز سلفا من معان ٍ والتعلق بما تم وكان من دلالات ليعيد تواصلها مع جِدة العالم ومع انسياب الزمن ودهشة الكائن. لذلك فمسرحية ‘كفر ناعوم’ ليست فقط مجرد عرض ينضاف إلى عروض أخرى، ولكنها حفر للشرخ الذي بدا ضروريا إحداثه في كيان المسرح المغربي من أجل منحه مستقبلا لن يكون ممكنا مع الاسترسال في التملق لغباء العين و تكاسل ذكاء المتفرج. ومن ثمة فالمؤشر الإيجابي لهذا العمل لا يمكن أن يندرج ضمن مفهوم التراكم، و إنما ينظر إليه من خلال ما يرسيه من انقطاع في نسيج الفرجة المُرسَّمة في عين المتفرج ووجدانه. أول درس قدمته الفنانة لطيفة أحرار والكوريغراف المغربي المقيم في باريس خالد بنغريب والايراني ساشار زاريف من خلال هذه التجربة هو أن المسرح أصلا اشتغال على الجسد وبالجسد. إن الأمر يبدو كما لو كان تذكيرا بما تم نسيانه تحت نفوذ التقاليد التي تجعل من المستحيل وجود إبداع إلا حيث تعم الثرثرة ويتضخم اللغو ويصبح كل شيء ناطقا رسميا باسم الانطباعات الفجة والميولات المبتذلة، و حيث أن إبداعنا لا يمكن أن ينتزع عطف الجمهور وتعاطفه إلا بمجاملة الغباء والاجتهاد في مدحه. فالمسرح في صلبه هو تلك الحياة المنفتحة للجسد، التي تدفع إمكاناته إلى حدودها القصوى. وفي غياب الجسد ليس هناك من مسرح مثلما ليس هناك من وجود. في المستوى الأدنى لهذه الحقيقة نعثر على فكرة تأسيسية بسيطة هي أن الجسد أداة المسرح وحقل انطباقه إلى حد أن ‘ما نقوله عن الجسد هو ما نقوله عن المسرح’ كما أكد جاك ديريدا في تأمله حول آرتو ومسرح القسوة. وما عمل على إنجازه عرض ‘كفر ناعوم’ هو أنه أعاد إلى المسرح ما كان في ملكيته وسرق منه، أي الجسد. و ذلك ليس له سوى دلالة واحدة هي التأسيس لولادة جديدة تمر بالضرورة بنوع من إعادة تربية الأعضاء كما قال آرتو وابتكار أفق جديد للحواس، لأن لا بؤس يصيب الناس أسوأ من تحقير حواسهم وازدراء رغبتهم والحط من شأن أجسادهم. تذكرنا لطيفة أحرار وفريقها الإبداعي بأن العالم بكامله، عالمنا نحن الذي نستطيع أن نشير إليه بهذا الاسم، ينفتح مع أجسادنا ويختفي باختفائها. وفي المسرح عندما يسترجع الجسد فالأمر لم يعد متعلقا بالتمثيل وإنما بالحياة نفسها التي توقّّع حضورها كحدث. ومن يرفض الجسد يرفض المسرح والحياة معه، ربما يتعلق أكثر باللغة و بأشكال مجزأة من الحكي، لكن، إطلاقا لا يتعلق بالمسرح. من يدافع عن قمع الجسد في ظهوره على خشبة المسرح يقمع معه العين أيضا، ويفضل مسرحا بلا مسرح، أي بلا حياة. إنه يبحث عن صيغة ميتة للحياة. ما اقترحته لطيفة أحرار في ‘كفر ناعوم’ يمنحنا فرصة للاقتراب من حقيقة أخرى، مفادها أنه حيث تطغى اللغة يتقلص حضور الجسد. إنهما معا حدّان غير متكاملين. لذلك عملت على تقليص حضور اللغة في العرض ليكون الجسد هو سيد الموقف فيه، مبدأه وغايته. وبذلك فهي ترسم خط قطيعة آخر مع ما ترسخ كتقاليد للفرجة المسرحية في المغرب تقوم أساسا على تضخم الكلام والإكثار منه حتى يكف العرض عن أن يكون فضاء مشهديا ليصبح كلاما يسمع من دون حاجة للعين ولا للبصر. إن الجسد في حضوره الكثيف لا يمكن أن ينيب عنه الكلمة لأنها عاجزة أصلا عن استيعابه، لأن الجسد كما قال نيتشه هو مكان تسجيل الحدث واللغة مجال تبديده. تشتغل لطيفة أحرار في عرضها على العوالم القيامية لديوان ‘رصيف القيامة’ لياسين عدنان. في ذلك قيمة إضافية لهذه المغامرة، أي أن تجعل ما يفلت أصلا من التصور قابلا للرؤية واللمس، أن تمسك بما يتبقى من الضوء في عبوره السريع، وأن تجعل من الومضة أبدية. ما ينبغي التذكير به هنا هو أن الثورة الحقيقية تحدث أولاً في الفن قبل أن تجد حقل انطباقها في الوجود. فقد تحررت المرأة وجسدها في لوحات فناني عصر النهضة قبل أن تتحرر بعد ذلك بقرون طويلة في الحياة والواقع. تلك حكمة أخرى يجب أن يذكرنا بها هذا العمل الجميل والعميق لإدراك القوة الفعلية لما ينجزه. فعندما ينتصر التكرار ينتصر الموت على فعل الحياة . ووحدها الأسماك الميتة تسبح مع التيار.. كاتب وباحث في الفلسفة من المغربqd