تواجه السلطات السعودية التي تلتزم الصمت حيال الحادث، انتقادات حقوقية واسعة، مع اتهامات بالتسبب في اغتيال حقوقي وناشط، لم يرتكب أي جرم سوى أنه طالب بإصلاحات.
الدوحة ـ”القدس العربي”: ينضم الحقوقي والأكاديمي السعودي الدكتور عبد الله الحامد الذي وافته المنية في سجنه نتيجة إهمال طبي (متعمد)، إلى قائمة ضحايا ولي العهد الحاكم الفعلي في المملكة، الأمير محمد بن سلمان، الذي يشن حملة اعتقالات واسعة، ضد نشطاء الرأي، ويستهدف كل من يخالفه الرأي، أو يغرد خارج السرب.
وتحدثت حسابات مهتمة بشؤون وحقوق الإنسان ومعتقلي الرأي في المملكة، إلى تعرض الحامد لجلطة دماغية، بعد تركه لساعات مغميا عليه في زنزانته، قبل نقله منها متأخراً لتلقي العلاج.
ودفعت القضية المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، لتسليط الأضواء على ما يحدث في سراديب السجون السعودية، وإبراز الانتهاكات الجارية هناك.
السلطات الرسمية في الرياض، لم تستجب للمناشدات الحقوقية، وصرخات الاستغاثة التي أطلقتها منظمات وجمعيات أهلية، وكشفت أيام قبل وفاة مؤسسة جمعية الحقوق المدنية والسياسية حالته الحرجة، ونبهت لخطورة الأمر، منذ نقل إلى قسم العناية المركزة وهو في حالة غيبوبة كاملة.
ونبهت منظمة “القسط” لحقوق الإنسان السعودية، سلفاً أن حالة الحامد، الصحية حرجة جراء تعرضه لجلطة في المخ، ودخوله غيبوبة أثناء تواجده في سجن الحائر بالرياض، وأنه يعاني من وضع صحي متدهور، منذ أكثر من ثلاثة أشهر ولم تقبل السلطات الإفراج عنه، على الرغم من كبر سنّه الذي شارف على السبعين.
مناشدات
وكانت مفوضية شؤون حقوق الإنسان في الأمم المتحدة سابقا، نافي بيلاي، علقت على قضية عبد الله الحامد في تقرير نشر حزيران/يونيو 2014 قالت فيه: “في الـ9 من آذار/مارس 2013 أدين مدافعان عن حقوق الإنسان هما عبدالله الحامد ومحمد القحطاني بتهم منها مساءلة نزاهة المسؤولين ونشر معلومات كاذبة وتشكيل منظمة غير مرخصة” لافتة إلى أن المحكمة “قررت سجنهما لـ10 و11 سنة” داعية حينها لإطلاق سراح “كل المدافعين عن حقوق الإنسان”.
واتهم حساب معتقلي الرأي السلطات السعودية بإهمال حالة الحامد الصحية بشكل متعمد حتى وفاته، بعد تركه لساعات في غيبوبة قبل نقله للمستشفى.
ووصفت المنظمات الحقوقية الحادث الذي تعرض له الحامد بـ”الإهمال الصحي المتعمد” لكون الجهات المسؤولة رفضت إجراء عملية جراحية كان بأمس الحاجة إليها، حيث سبق لمنظمة العفو الدولية أن دعت السلطات السعودية إلى الإفراج عنه عاجلاً، لكن من دون أي استجابة من الرياض.
انتقادات
وتواجه السلطات السعودية التي تلتزم الصمت حيال الحادث، انتقادات حقوقية واسعة، مع اتهامات بالتسبب في اغتيال حقوقي وناشط، لم يرتكب أي جرم سوى أنه طالب بإصلاحات، وكان واحدًا من ثلاثة حقوقيين اعتقلوا في العام 2004 على خلفيّة مطالبتهم بـ”اعتماد نهج ديمقراطي” وعرفت قضيّتهم إعلاميًا باسم “الإصلاحيين الثلاثة”.
وقالت المقررة الأممية المعنية بالإعدامات التعسفية والمنفذة خارج نطاق القضاء، اغنس كالامار، إن الحادث خبر حزين للغاية في أول أيام رمضان 2020: سجين الرأي والشاعر والناشط بمجال حقوق الإنسان، عبد الله الحامد، توفي في الحجز بالمملكة العربية السعودية، أرقد بسلام”.
وتابعت: “حقوق الإنسان في الأمم المتحدة والإجراءات الخاصة في الأمم المتحدة طالبتا بإطلاق سراح سجناء الرأي من الحجز مع بدايات كوفيد-19 (فيروس كورونا الجديد)”.
ووصفت مديرة البحوث ببرنامج الشرق الأوسط في منظمة العفو لين معلوف، الحامد بـ”البطل المدافع عن حقوق الإنسان في المملكة العربية السعودية”.
وقالت “نتضامن مع عائلته وأصدقائه الذين حرموا خلال السنوات الثماني الماضية من وجوده نتيجة القمع غير الإنساني للدولة”.
وتابعت “هو وجميع معتقلي الرأي في السعودية ما كان يجب أن يكونوا في السجن في المقام الأول”.
وتنتقد الجهات الحقوقية السلطات السعودية لكونها زجت بأكاديمي في السجون، من دون سبب ارتكبه، سوى أنه عضو مؤسس في جمعية الحقوق المدنية والسياسية في السعودية “حسم”. والجمعية – وشعارها “اعرف حقوقك” – كانت ملتزمة بتعزيز الحقوق المكرسة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكذلك المعاهدات والمعايير الدولية الأخرى.
لم تكن جهود الحامد بصفته مدافعاً عن حقوق الإنسان وكاتباً وأكاديمياً، لتكون محل تقبل السلطات الرسمية، التي دفعت نحو فصله من منصبه أستاذاً للأدب المعاصر في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، بسبب نشاطه.
تضييق متواصل
تعرض الدكتور الحامد مراراً وتكراراً لأحكام تعسفية بسبب عمله السلمي منذ عام 1993 وجر للمحاكم في مناسبات كثيرة.
ولم يغفر له النظام السعودي مشاركته مع عديد الإصلاحيين في تشكيل تيار الدعوة إلى الإصلاح السياسي الدستوري، من خلال عدة بيانات أصدرها في 2003 مع نحو 100 شخصية، دعوا فيها إلى التحول إلى الملكية الدستورية، وتحقيق الفصل بين السلطات الثلاث، التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، ومحاربة الفساد واستقلال القضاء.
وفي 16 آذار/مارس 2004 اعتقلت وزارة الداخلية عددا من تلك الشخصيات، منهم الحامد، ووُصفت الاعتقالات أنها: للتحقيق في البيانات التي “لا تخدم الوحدة الوطنية وتماسك المجتمع القائم على الشريعة الإسلامية”.
وأطلق سراح الموقوفين، الذين وافقوا على التعهد بعدم المشاركة في نشاطات سياسية بدون التنسيق مع الحكومة وتوجيه البيانات لها، إلا أن الحامد، ومتروك الفالح، وعلي الدميني، رفضوا التعهد فاستمر احتجازهم، وهم المعروفون باسم “الإصلاحيون الثلاثة” واعتقل أكثر من سبع مرات.
ففي آذار/مارس 2012 ألقي القبض على كل من الدكتور الحامد ومحمد القحطاني، وهو أيضاً أحد الأعضاء المؤسسين لجمعية “حسم” واستجوبا بشأن عملهما مع جمعية “حسم” ونشاطهما السلمي. وبعد سنة، حُكم عليهما بالسجن لمدة 11 و10 سنوات على التوالي، بتهم “الخروج على ولي الأمر” و”القدح علناً في ذمة المسؤولين ونزاهتهم” و”زعزعة أمن المجتمع والتحريض على مخالفة النظام من خلال الدعوة إلى التظاهر” و”تحريض المنظمات الدولية على المملكة”.
وينظر إلى الحامد، على أنه داعية الحركة الإصلاحية الأول ومؤسسها، وأحد أبرز وأهم الداعين إلى التغيير السياسي نحو الملكية الدستورية في السعودية، ومن أبرز المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات العامة.
وتتلخص رؤية الحامد الإصلاحية، في أن نظام الحكم في السعودية، ملكي مطلق لا يجب أن يستمر بهذا الشكل الذي “يجمع بين استبدادين؛ سياسي وديني” إنما لابد من أن يتحول إلى ملكية دستورية تكتفي الأسرة المالكة بالعرش وولاية العهد، بينما يفسح المجال أمام الشعب للمشاركة السياسية في الحكم على غرار النظم الملكية الديمقراطية القائمة في أكثر من دولة بالعالم، حيث يكون الشعب هو الحاكم وهو ولي أمر الحاكم، وليس العكس. ومن داخل سجنه، كان الحامد يمارس نشاطات سلمية للتعبير عن الرفض للنظام السياسي القائم والانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون.
حملة
اعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش الحقوقية الدولية أن وفاة المعتقل في السجون السعودية الدكتور عبد الله الحامد دليل واضح على تدهور حالة حقوق الإنسان في المملكة. واعتبرت المنظمة أن السلطات السعودية لا تعلن عن حالات الوفاة في المعتقلات، كما أنها لا تفصح عن أعداد سجناء الرأي ودعاة حقوق الإنسان لديها، وترفض السماح لمنظمات حقوق الإنسان بزيارة المعتقلين والاطلاع على أوضاعهم.
ومنذ حملة الاعتقالات التي نفذها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في 2017 وقبلها أيضا، اعتقلت السلطات المئات من الدعاة والإصلاحيين وناشطي حقوق الإنسان وغيرهم، بينهم الحامد.
ويعاني معتقلو الرأي من انتهاكات جسيمة في السجون التي تضم العشرات من “الرموز” الإصلاحية، وقادة الرأي الذين يتعرضون للإهمال الصحي “المتعمد” خاصة كبار السن، وهي الفئة العمرية لغالبية المعتقلين، حسب المنظمة.
ومن بين المعتقلين الكبار في السن؛ الطبيب والأكاديمي سعود مختار الهاشمي، الذي يعاني من أمراض مزمنة مع “إهمال” سلطات السجن في تقديم الرعاية الصحية التي يحتاجها بعد أن أمضى 15 عاما في السجن، حسب شقيقته منى مختار الهاشمي.