وفاة مروان محفوظ في دمشق.. مصادفة؟! وأيمن زيدان عاتب على الوطن!

حجم الخط
5

منذ حوالى عشر سنوات تطغى على نبرة الممثل والمخرج السوري أيمن زيدان، في مقابلاته وكتاباته على مواقع التواصل الاجتماعي، مسحة من الخيبة المشوبة بأثر من المرارة، خيبته هو بالناس، خصوصاً أبناء الوسط الفني، وهو لا يكفّ عن الزعم أنه مهمل، وأن الإهمال تعدّاه (وغالباً بسببه هو) إلى ابنه الممثل حازم زيدان، مع العلم أن الأب والابن على السواء ظهرا في أبرز أفلام «المؤسسة العامة للسينما» في السنوات الأخيرة.
النبرة تفاقمت أخيراً إلى حدّ ذهب البعض إلى تفسيرها على أن الرجل معترض (حتى لا نقول «معارض») على حال البلد وأنه قرر أن يهجّ.
كان ذلك بناءً على عبارة كتبها: «ما عاد أمامك سوى أن تنزح من فسحة الوطن التي كانت يوماً أرحب من الدنيا… إلى ما تبقى من زوايا الحنين لزمن لن يعود». لكن زيدان سرعان ما استدرك، قبل أن يتفاقم التأويل: «لن أفكر يوماً أن أغادر وطناً يسكنني… توقفوا عن سخف التأويل». أي أن الفنان يعود إلى شكل من أشكال «الوطن ليس فندقاً».

أي غرور في أن يسمي المرء نفسه نسراً والناس غربان!

لا مشكلة لبطل «نهاية رجل شجاع» مع الوطن نفسه، فله عبارة لا تُنسى، جاءت إثر ارتكاب «الوطن» مجزرة كيماوية: «كيميائي بالوطن ولا بارفان بالغربة» المشكلة على ما يبدو مع الناس، ففي منشور مرفق مع بورتريه له، وهو غالباً ما يكتب مرفقاَ صورة شخصية حديثة: «لا أدري لماذا تشيخ النسور في أوطاننا باكراً… بينما يعلو نعيق الغربان ليخدش فسحة أرواحنا…؟».
لا ضرورة لتفسير أن النسور هنا تعني الفنان نفسه، لكن لا ذنب للناس بمرور الزمن على أجسادنا، في النهاية كلنا سنشيخ يا أبو حازم، ثم أي غرور في أن يسمي المرء نفسه نسراً والناس غربان!
لكن ماذا لدى زيدان على الناس بالضبط حتى يذكّر دائماً بجحودهم؟!
لا شك أن الرجل يقصد تلك الفترة الذهبية من حياته عندما أدار شركة إنتاج تلفزيونية تعود ملكيتها إلى أبناء عبدالحليم خدام (نائب الرئيس آنذاك) وكان بطلاً لأهم أعمالها، إن لم نقل كل أعمالها. تجربة أوصلته إلى مقعد نيابيّ في البرلمان، مع مسدس على الخصر، والأهم من ذلك كله القدرة على التحكم برقاب ولقمة عيش مئات من الفنانين الزملاء.
ليس صعباً أن نجادل في أن ذهب تلك الحقبة كان «فالسو» وأبرز علاماتها مسلسلات نجدت أنزور الفانتازية المضحكة حيناً، أو التاريخية المصنوعة بقرار سياسي رسمي، إلى هزليات هشام شربتجي المديدة، و«كليبات» باسل الخطيب، وسواهم.

ذهب تلك الحقبة كان «فالسو» وأبرز علاماتها مسلسلات نجدت أنزور الفانتازية المضحكة حيناً، أو التاريخية المصنوعة بقرار سياسي رسمي، إلى هزليات هشام شربتجي المديدة، و«كليبات» باسل الخطيب، وسواهم.

قدم زيدان في تلك الحقبة نموذجاً لطاغية فني، إن جاز التعبير، فمن موقع المدير استبعد مخرجين وممثلين وفنيين، وكان سؤال الصحافة الأول له على مدار سنوات ما الحكمة من استبعاد، ووضع الكثيرين على قائمة سوداء (على رأسها بسام كوسا ممثلاً، وهيثم حقي مخرجاً).
لفتتني أمس رثائية أيمن زيدان المتأخرة لزميل دراسته الراحل طلال نصر الدين، الممثل والمخرج والكاتب. نصرالدين قضى جراء مرض عضال وكان نموذجاً لفنان كافح بالأظافر لتقديم نص في كتاب، أو عرض على الخشبة، ولم نسمع مرة أن الفنان المدير، البرلماني، مدّ له يد العون، بدور في مسلسل، أو تعاون في الكتابة.
الأمر نفسه يسري على زملاء آخرين بعضهم ما زال حتى الآن حبيس أقبية دبلجة مسلسلات الكرتون.
لن يتاح لزملاء زيدان حتى أن يظهروا مثله على الشاشات والمنابر العريضة لإعلان خيبتهم ومراراتهم، ولا ندري كيف ينظرون إلى نبرة الأسى والتشكّي الزيدانية تلك، كما أن من المستبعد أن ينصفهم الزمن من جديد بفرص وأدوار تليق، لكن مع أيمن زيدان الفرصة كلها ليقدم اعتذاراً ما، ليقول كم طغى، واستبدّ بالرفاق، وكم تاه وتمادى في الدفاع عن حملة المسدسات.

أي ثقافة تنتصر؟

رحل أخيراً في دمشق المغني اللبناني مروان محفوظ، أحد أجمل أصوات الغناء في العالم العربي، والذي التصق اسمه خصوصاً بأعمال الرحابنة في عزّ عطائهم.
لا يمكن تجاهل أن وكالة أنباء النظام السوري كانت أول من نعاه، ذلك أنه الفنان توفي في دمشق، وذلك ليس مجرد مصادفة. قالت «سانا»: «نعت وزارتا الثقافة والإعلام ونقابة الفنانين الفنان العربي اللبناني الكبير الذي وافاه الأجل عن عمر 78 عاماً على أرض البلد الذي أحبه وغنى له.. وطنه الثاني سوريا».

مروان محفوظ

مروان محفوظ

ونقلت الوكالة أن الفنان جاء دمشق «بدعوة من وزارة الثقافة لإحياء حفل في «دار الأسد للثقافة والفنون» ضمن مهرجان «الثقافة تنتصر» ولكن قبل موعد الحفل بأيام معدودة تم إلغاء جميع الأنشطة الثقافية الجماهيرية كإجراء استباقي لمواجهة وباء كورونا، ومع ذلك ظل مروان محفوظ في دمشق إلى أن عاودت وزارة الثقافة نشاطها فأحيا حفلته وتهيأ للعودة إلى لبنان، ولكن المنية عاجلته قبل أن يستطيع ذلك حيث تمكن منه فيروس كورونا وغدر به، رغم كل ما أحيط به من رعاية واهتمام».
فات الوقت الآن على معاتبة المغني المحبوب، أو سؤاله عن أي ثقافة تلك التي راح ينتصر لها في دمشق، ولا يبدو أن علينا، في هذه البلاد، أن نتوقع الكثير من مغن، أو ممثل، ما دام المثقف غالباً ما أثبت دورانه الأبدي في فلك الاستبداد.

٭ كاتب فلسطيني سوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية