الخرطوم – «القدس العربي»: انخرط مبعوثون دوليون، أمس الخميس، في اجتماعات مع الأطراف السودانية في العاصمة الخرطوم، ضمن مساع لاستعادة مسار الانتقال الديمقراطي في البلاد، الذي أنهاه انقلاب الجيش السوداني في 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
ومنذ الانقلاب ظلت البلاد تشهد أزمات سياسية وأمنية واقتصادية متفاقمة، كان آخرها أحداث العنف التي وقعت في ولاية غرب دارفور وأودت بحياة أكثر من 200 شخص، خلال الأيام الماضية.
وقالت سفيرة النرويج في السودان، سيريس لوغان، في تغريدة على حسابها في تويتر: “إن مبعوثي وممثلي مسؤولي الترويكا، والاتحاد الأوروبي، وألمانيا وفرنسا، وصلوا إلى الخرطوم، أمس الخميس لدعم الشعب السوداني ودفع أصحاب المصلحة للبدء والعمل على استمرار تدابير بناء الثقة. ”
وتأتي زيارة الوفد الغربي بالتزامن مع إطلاق سراح عدد من قادة الحرية والتغيير وإعلان الآلية المشتركة لبعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وإيقاد، منتصف مايو/أيار المقبل موعداً لانطلاق حوار “سوداني ـ سوداني” لحل الأزمة الراهنة في البلاد.
وقالت الآلية المشتركة إنها ستبدأ الاجتماعات التحضيرية للحوار عقب عطلة عيد الفطر، مباشرة، رغم وجود قوى سياسية لم تتخذ قرار المشاركة في الحوار حتى الآن. فيما حذر رئيس بعثة الأمم المتحدة لدعم الانتقال الديمقراطي في السودان (يونيتامس)، فولكر بيرتس، من انزلاق البلاد نحو المجهول حال لم يتم الوصول لحل للأزمة السياسية الراهنة في أقرب وقت ممكن.
وقال مبعوث الاتحاد الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، في مؤتمر صحافي الأربعاء، إن الحوار بين الأطراف السودانية الذي تقوم الآلية الثلاثية بتيسيره، سيكون شاملاً ولا إقصاء فيه لأحد، مبينا أنهم سيعملون من خلال المبادرات المطروحة على إدارة حوار شفاف يتوافق مع مطلوبات الشعب السوداني لاستعادة الوضع الدستوري.
وأضاف: “نسعى لتعميق القناعة التي توصل إليها أغلب الفاعلين بضرورة قيام حوار وطني نزيه وشفاف بين مختلف القوى السياسية للاتفاق حول قضايا سياسية يمهد الطريق للوصول وضع دستوري ديمقراطي في المرحلة الانتقالية.”
وبينما ترفض لجان المقاومة وتجمع المهنيين السودانيين الحوار مع قادة الانقلاب والانخراط في الاجتماعات التحضيرية المعلنة، رهن المجلس المركزي للحرية والتغيير المشاركة في الحوار بمجموعة من الشروط، أبرزها إنهاء حالة الطوارئ وتهيئة المناخ للعملية السياسية بالتزام السلطة العسكرية بوقف العنف ضد الحراك الجماهيري الرافض للانقلاب وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين.
ولفت إلى أن العملية السياسية المطلوبة يجب أن تعمل على إنهاء حالة الانقلاب وتسليم السلطة للمدنيين.
وطالب القيادي في الحرية والتغيير، الأمين العام لحزب الأمة القومي الواثق البرير، المكون العسكري برفع حالة الطوارئ وتهيئة المناخ للحوار عبر طاولة مستديرة لمناقشة الحلول في الملتقى التحضيري.
واعتبر البرير إطلاق سراح بعض المعتقلين خطوة إيجابية، مشيرا في حديثه لـ”القدس العربي” إلى ضرورة إثبات العسكريين جديتهم في الوصول إلى حل للأزمة الراهنة في البلاد والمضي في خطوات بناء الثقة وصولا لإنهاء الانقلاب واستعادة الانتقال الديمقراطي.
ويأمل البرير أن تقوم الآلية المشتركة والمجتمع الدولي بدور إيجابي عبر تيسير حوار سوداني- سوداني وفق ضوابط تحضيرية، يعمل على الوصول لحلول حقيقية في ظل الوضع المتأزم في البلاد.
ولفت لمؤشرات وصفها بالخطيرة لانزلاق البلاد إلى منحدر خطير، خاصة بعد الأحداث الدامية في غرب دارفور.
إلى ذلك، أكد القيادي في الحرية والتغيير، المتحدث الرسمي باسم حزب التحالف الوطني السوداني، شهاب الدين الطيب موقف المجلس المركزي للحرية والتغيير الرافض للمشاركة في الاجتماع التحضيري في حال لم يتم تنفيذ شروط العملية السياسية المعلنة من الحرية والتغيير.
وأشار للـ”القدس العربي” إلى انخراط المجلس المركزي للحرية والتغيير والوفد الغربي في اجتماع أمس، ناقش الأزمة السياسية في البلاد.
وشدد على أن المطلوب من المجتمع الدولي في الوقت الراهن هو دفع العسكر لإنهاء الانقلاب، مؤكداً أن المجلس المركزي للحرية والتغيير لن يتعاطى مع أي عملية سياسية لا تسعى لإنهاء الانقلاب واستعادة مسار التحول الديمقراطي في البلاد والعمل على وضع ترتيبات دستورية جديدة تنأى بالبلاد من مشاركة العسكر في العملية السياسية.
وأوضح أن الحرية والتغيير ترحب بجهود الآلية المشتركة وتعمل على تقديم تصور للعملية السياسية المطلوبة لحل الأزمة الراهنة.
وتباينت آراء المراقبين حول مدى فعالية التحركات الدولية لدفع العملية السياسية في السودان.
وقال الخبير الدبلوماسي السفير السابق، الرشيد أبو شامة لـ”القدس العربي” إن زيارة المبعوثين الغربيين للخرطوم والاجتماعات التي تنخرط فيها مع الأطراف السودانية، قد يكون له أثر كبير على مستقبل العملية السياسية في السودان.
ولفت إلى اهتمام الترويكا والاتحاد الأوربي بإنهاء حالة الانقلاب واستعادة الانتقال الديمقراطي في البلاد، في وقت تواجه مخاطر التمدد الروسي في السودان
. وأشار إلى أن الوفد سيعمل على دفع مسار إعادة البلاد إلى ما قبل 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي ودعم العملية السياسية التي أطلقتها الآلية المشتركة، لافتا إلى المخاوف الغربية من انزلاق البلاد خاصة بعد أحداث دارفور الأخيرة في وقت قد يفوت السودان حال لم يتم استعادة الانتقال الديمقراطي فرص عديدة للاستفادة من برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
إلى ذلك، شككت أستاذة العلاقات الدولية في جامعة الخرطوم تماضر الطيب، التي تحدثت لـ”القدس العربي” في جدوى زيارة الوفد الغربي في ظل الوضع الانقلابي الراهن في البلاد. وقالت إن التحركات الدبلوماسية غير مجدية طالما لن تستطيع أن تثني العسكريين عن مواصلة الانقلاب.
وأشارت إلى الموقف الحاد الذي ظل يصدره قادة الانقلاب ضد التدخلات الغربية خاصة بعد توصيفها للوضع الراهن في البلاد بالانقلاب ودعوتها لخروج العسكر من العمل السياسي.
ولفتت تماضر إلى أن الانخراط في تسوية جديدة لن يكون مقبولا من الفاعلين في الشارع ولجان المقاومة التي أعلنت بشكل واضح رفضها للحوار والشراكة مع العسكر.
ورأت أن خطوات الغرب والآلية الثلاثية لدفع الأطراف السودانية للدخول في تسوية جديدة محاولة لاستعجال إيجاد حل للأزمة السودانية، مشيرة إلى أنها لن تكون مجدية لأنها لن تقدم الحلول التي يطلبها الشارع بالتحول الكامل للدولة المدنية.
ورجحت أن تستخدم الدول الغربية ما حدث في دارفور للضغط على العسكر لتقديم تنازلات لجهة أن قادة الانقلاب ادعوا ان الأزمة الأمنية في البلاد ضمن الأزمات التي دفعتهم للسيطرة على السلطة، مشيرة إلى أن العسكر ربما يقدمون بعض التنازلات لتلافي حرج الانهيار الأمني في البلاد ولسعيها لتسوية تنقذها من تداعيات الانقلاب.
إلا أن أي تسوية لا تخرج العسكر من السلطة لن تكون كافية للشارع السوداني الساعي للحكم المدني الديمقراطي، حسب تماضر التي أشارت إلى المواقف المتقدمة لثورة ديسمبر/ كانون الأول 2018، التي لا تبدو كسابقاتها، أي أن النماذج التاريخية التي تعمل بعض الأطراف للاستعانة بها للوصول لتسوية قد لا تكون ذات جدوى في الوقت الراهن.