وفيات اليوم
محمد السمهوريوفيات اليومنظر لها وهو يتابع نشرة الاخبار المسائية .. شرب رشفة من كأس الشاي وهو يتحسس طرف الكنبة بتوتر، نظرت له خلسة دون أن ينتبه، وتابعت شاشة التلفزيون.. همهم قائلا: علينا ان نغير هذه القناة اريد ان اشاهد قناة الحيوانات .أمسكت بجهاز التحكم وبدأت تبحث عن الغابات في شاشة التلفزيون لغاية ما توصلت لها. ـ إن الاسود يثيرونني بكسلهم… انبطاحهم المتواصل… انقضاضهم علي الفريسة الغبية. طريقة التهامهم للحم.. خضوع اللبوءة لهم.. رغم أنها عامود العائلة، المسألة ليست ذكورة بالمعني الذي نفهمه نحن بل الذي تفهمه الغابة وقوانينها.شاحت بوجهها وهي تتابع الضباع وهم يحاولون النيل من بعض ما تبقي من جيفة الثور تركته الاسود واضجعت تتثاءب، وظلت صامته حانقة تتابع التلفزيون وهي تستمع له. ـ سئمت حياتي. ظلت متوترة تهز قدمها اليسري.. دون ان تنبس بكلمة. ـ عاد يقول نعم ان حياة الغابة أجدي أن نتعلم منها أكثر من صراخ جاري الفاشل علي أبنائه الفاشلين في كل شيء. وأجدي أيضا مما أفعله من أجل كل من هم حولي، موجها كلامه لزوجته وأكثر جدية منك أنت التي تجلسين تبثين توترك لأسباب أجهلها، وعليّ أن أقرأ البخت لكي أعرف بما تفكرين. وواصل: وأجدي أيضا بالوقت الذي يمضي عليّ، وأنا أتحول إلي إنسان يلبس البيجاما، ويتعشي ويسأل عن دورس تافهة تؤدي في نهاية الامر بالابناء الي البطالة والتسكع في الشوارع، وأجدي بأن أفهم ما يحصل لكِ ولي.. بيتي التافه هذا الذي أدفع أجرته رغم أنه لا يستحق، التزاماتي تجاه الضرائب والمصاريف المستحدثة وغلاء المعيشة، أخبار فلسطين والعراق وافغانستان والقرن الافريقي بل القارة الافريقية خلافات الزعماء في لبنان،كوارث الطبيعة حتي الطبيعة دخلت علي خط أميريكا وباتت تنافسها علي الخراب، عليّ أن أفهم لماذا يحصل معي ذلك وبالذات هذه اللحظة .. اسمعي .. أنظري في وجهي وأنا أحدثك .. عليك ان تجيبي عليّ وإلا..؟! ـ إهدأ .. المسألة أن هناك واجبات عليك القيام بها لماذا إذن تزوجتني وفرغت كل خطاباتك التراثية والتاريخية في رحمي، والآن ماذا تريد، إن لم يعجبك الحال فافعل ما تريد.. وواصلت حديثها وهي في وضع استفزازي دون ان تنظر له: نعم هناك واجبات عليك ان تقوم بها، أنت بالنسبة لي لم تعد سوي كنبة في هذا البيت، هل أنا مسؤولة عن غلاء المعيشة والحروب والكوارث الطبيعية.. هل أنا المسؤولة عما تعانيه في العمل والشارع والمقهي والحي.. ـ لم أعد سوي حيوان آدمي يخرج من البيت، ليعود إليه مدمراً من الحياة والعمل والاوامر الداخلية والخارجية.ماذا تريد مني أن أفعل لكَ..؟ ـ هل تسمعين من جاراتك عن قصص تعيد الحياة بدلا من الثرثرات التافهة عن فلانة خرجت وفلانة دخلت ومسن تزوج بشابة ثم مات ليلة الزفاف ثم زوجها اخوها الاكبر مرة اخري بعد انقضاء العدة، وماذا أقول: كل القصص التي تدار في هذا البيت بعد خروجي، وغيرها من ثرثرات.. فوضي مستترة في كل مكان في هذا البيت، وكأن بيتي لقاء برلماني فيما أنا مقهور غير قادر عن التعبير عن نفسي، ولا حتي في الحمام اثناء تبولي.هل تذكرين يوما أننا جلسنا وتحدثنا دون حضور الغائب الحاضر للآخرين. ظلت صامتة يزداد التوتر لديها منبئأً بانفجار مدمر.وجه ضربة محكّمة للتلفزيون أدي لكسره ووقوعه، ثم أخذ نفسا طويلا.. شعر ولأول مرة أنه في حالة نزاع مع كل ما يحيط به.. وأنه غير قادر علي التعبير عما يجول في صدره. فقد خرج من العمل وهو مركول من مديره المتسلط الذي حسم من راتبه ثلاثة أيام، قابله في الشارع شرطي صفعه علي وجهه بسبب وقوف سيارته علي طرف الشارع أثناء نزوله لشراء بعض الحاجيات، وقرب الجامع أنبه إمام وخطيب الجامع لأنه لا يأتي إلي الصلاة بما في ذلك صلاة الجمعة، وعند مدخل الحي تلقي ضربات وإهانات من مجموعة من المتسكعين المشهود لهم بسوء الاخلاق في الحي، وعند دخوله وهو في حال يرثي لها قابله عند درج البناية جاره مدير المدرسة وأنبه ايضا لأنه لا يأتي إلي احتفالات المدرسة ولا يتابع شؤون أولاده.. موبخاً إياه علي إهماله التربوي.وحين دلف الي البيت واجهته زوجته بالتذمر والشكوي من أمه وأهله ومطالبته له ان يضع حداً لتدخل أسرته في حياتها، وهددته أنها ستترك البيت والاولاد، وتذهب إلي بيت أهلها إذا لم يحسم هذا الخلاف ولصالحها.ظلت تحرك قدمها اليسري بتوتر دون أن تنظر إليه..لم تعرف ان آخر ما فعله قبل قليل كان مشهداً أخيراً أسدل فيه الستارة علي حياته ومات.. وبقيت هي تحرك قدمها اليسري حتي توقفت الي الابد.كاتب فلسطيني 0