إجراءات التحقيق في نسختها الأولى تظهر وجود مخالفات ومسؤوليات تتعاكس عمليا مع جوهر التصريحات الرسمية القليلة التي صدرت عن مسؤولين في الحكومة.
عمان ـ «القدس العربي»: اكتشفت سلطات النيابة الأردنية وجود مخالفات مباشرة للقانون دفعت باتجاه توقيف 19 شخصا ومنع سفر 10 أشخاص غيرهم فيما يتعلق بالتحقيق الأولي في ملف وفيات الحجاج.
بعيدا عن المسار القضائي القانوني المختص وفي الإطار السياسي يمكن القول إن صدور قرارات التوقيف ومنع السفر لدليل ملموس على السبب في الجدل والنقاش العام الذي أثارته هذه القضية.
وفي الإطار السياسي أيضا إجراءات التحقيق في نسختها الأولى تظهر وجود مخالفات ومسؤوليات تتعاكس عمليا مع جوهر التصريحات الرسمية القليلة التي صدرت عن مسؤولين في الحكومة عندما أثارت المسألة ضجيجا في الشارع الأردني أثناء عطلة عيد الأضحى المبارك.
الحيثيات هنا وفي إطارها القانوني التحقيقي تثبت بأن المواطن الأردني إعلاميا على الأقل شعر بوجود مشكلة مبكرا وطالب بإجراءات خلافا للسيناريو الذي افترضته الحكومة قبل ذلك عندما تحدثت مبكرا بصيغة تنصلية عن وفيات لحجاج غير نظاميين.
ما اقترحته «القدس العربي» في تقرير سابق لها هو أن أسئلة محددة تحتاج لجواب بيروقراطي وسياسي وأن الرواية الرسمية ينبغي أن لا تقف عند حدود الحديث عن حجاج نظاميين أو غير نظاميين.
الأسئلة مبكرا كانت بعناوين من بينها معرفة الطريقة التي غادر بها هؤلاء غير النظاميين إلى أداء فريضة الحج بدون تصاريح من وزارة الأوقاف؟
لاحقا تظهر قرارات النيابة بالتحفظ لأغراض التحقيق بأن بعض الجهات الخاصة وليست الحكومية لها دور ما في إرسال حجاج غير نظاميين بدون التأكد بعد إرسالهم من أما عودتهم سالمين طبعا أو ضمان تقديم الخدمات لهم، الأمر الذي لم يحصل ونتجت عنه فاجعة وفاة 99 حاجا أردنيا تم دفن غالبيتهم في المملكة العربية السعودية.
العدد قابل للزيادة والرواية البسيطة تتحدث عن فارق إداري بين «نقل حجاج» أو التوكل بمناسكهم ووسط هذا الفارق وقعت الإشكالية.
الفارق في النقاش هنا هو أن وزارة الأوقاف تعاملت في البداية مع المسألة باعتبارها خارج صلاحيتها وإلى أن تكتمل التحقيقات طبعا قد يفهم الأردنيون عموما ما الذي حصل بصورة محددة أو لماذا حصل أصلا، فجزء من مسؤوليات مديريات الحج في وزارة الأوقاف فرضيا هو التأكد من تصاريح حجاج يحملون الجنسية الأردنية.
يمكن طبعا بالمقابل ترك التفاصيل لجهات التحقيق القضائية.
بالتالي الإجابة على كل الأسئلة المطروحة.
لكن وفاة هذا العدد الكبير من الأردنيين في يومين فقط ملف تدحرج عمليا ولا يمكن إدارته بالطريقة التي ادير فيها في البداية قبل أن تصدر توجيهات أحدثت فارقا من جهة رئيس الوزراء وإحالات للملف من النيابة بقرار من رئاسة الوزراء ما سلط الضوء على أن الأحداث أصبحت أوضح والضجيج أقل عندما تحركت الحكومة.
في كل حال بالتوازي لا يزال الملف مفتوحا للسؤال الإداري والسياسي.
وبالتوازي طرحت قضية وفيات الحجاج أسئلة إدارية وسياسية لا بد من الإجابة عليها وهي إجابة ليست من الصنف الذي تستطيع أي حكومة تجاهل إلحاحها وبينها بالتأكيد أسئلة المساحة الخاصة بتطبيق مبدأ تعارفت عليه كل الدول بالعادة وليس الدول الديمقراطية فقط بعنوان المسؤولية الأدبية.
طبقت المسؤولية الأدبية على وزراء في ماضي الحكومة الحالية، حصلت مشكلات أدت إلى وفيات بدون أن يكون هؤلاء جزءا من تحقيق قانوني أو قضائي بمعنى تطبيق معيار المسؤولية الأدبية.
وعمليا نجحت الحكومة في وجبة الإجراءات المتأخرة قليلا في ملف وفيات الحج، لكن الناصحين بتطبيق معيار المسؤولية الأدبية الآن يسعون للحفاظ على التوازنات، لأن مبدأ الولاية العامة لا يسمح باتهامات جزافية للمسؤولين والموظفين لكنه يعطي رئاسة الوزراء صلاحيات تطبيق المعيار الأدبي والمسؤولية الأخلاقية كما حصل في الماضي مع عشرات المسؤولين الكبار في عدة حالات.
تقلص الجدل بمسألة وفيات الحجاج الأردنيين بعد دخول تحقيقات القضاء على خط الاشتباك.
والتقدير الشعبي العام بأن جزءا من المسؤولية يتحمله بالتأكيد من جازف بأداء فريضة الحج بدون تنسيق مع سلطة ولاية وزارة الأوقاف، لكن إكمال عملية وضع النقاط فوق العديد من الحروف قد يتطلب احتواء صفحة هذه الفاجعة الصعبة المعقدة تماما بخطوات سياسية.
إداريا من حق المواطن الأردني ان يفهم أولا لماذا حصل ما حصل وهو سؤال بكل حال تجيب عليه أذرع العدالة والقانون، وإداريا أيضا ينبغي ان لا يلام المواطن الأردني لأنه يبحث عن صيغة لا تؤدي إلى تكرار ما حصل.
سياسيا تدير الحكومة الملف بخبرة وعمق لكن ينبغي أن تفعل ذلك بدون انفعال وغضب، وأغلب التقدير أن السطر الناقص في الرواية الحكومية هنا يفترض أن يكتبه مجلس الوزراء وبعنوان تفعيل مبدأ المسؤولية الأدبية إداريا، لكن يفهم أن ذلك ممكن بعد اكتمال التحقيقات.
لذلك قد يبقى ملف وفيات الحجاج مفتوحا خصوصا إذا ما خطت الحكومة الحالية لإدارة الانتخابات النيابية المقبلة بأدنى حد ممكن من الجدل والإثارة.