وقائع حكاية الملك الجائر حدثت قبل الميلاد .. حسب فيلم كرتون!
الطاهر الطويلوقائع حكاية الملك الجائر حدثت قبل الميلاد .. حسب فيلم كرتون!سمعت مؤخرا أن من بين أسباب قيام قناة الجزيرة بفصل مذيعة مغربية جديدة عن العمل، كونها استعملت كلمات غير متداولة في القاموس الإعلامي المشرقي، إذ قالت الوقاية المدنية ، عوض الدفاع المدني . هذا هو كل جُرمها الذي استحقت عليه الطرد إلي غير رجعة!هكذا نحن العرب، غير متفقين حتي في القاموس التلفزيوني؛ فما أكثر التعبيرات التي نرددها بالمغرب وتكون غير مفهومة بالشرق، والعكس صحيح. إذ نقول ـ نحن العربَ الفرنكُفونيين ـ الرسوم المتحركة ، بينما تسمونها ـ أنتم الأنجلُفونيين ـ أفلام الكرتون ، ونقول انتخابات المأجورين وأنتم تقولون الأجراء ، ونقول: حصص في التكوين، وتقولون في التدريب ، بينما يستعمل إخواننا التونسيون كلمة الرَّسْكلة . ونقول العمالة للدلالة علي كلمة المحافَـظة عندكم، فأنتم تستعملون كلمة العمالة كمقابل لليد العاملة عندنا. أما إذا نظرنا إلي الشهور الميلادية، فهي نموذج صارخ لعدم اتفاقنا: كانون الثاني ـ يناير، شباط: فبراير وهلم جرا. وإخواننا الليبيون، من شدة ولعهم بالتميز، اختاروا أسماء للشهور يتحدثون بها دون غيرهم من العالمين: شهر الطير، شهر النار، شهر الماء… .ولذا، يناشد محدثكم ـ هذا العبد الضعيف ـ المعاهد الإعلامية العربية بتخصيص دروس لتوحيد المفردات المتداولة علي الألسن وفي الكتابات، من أجل أن تكون لجميع الصحافيين العرب لغة تواصل مشتركة، يفهمها متلقّي لغة الضاد حيثما وجد، حتي نفوّت الفرصة علي كل الذين يسخرون من قوميتنا، ويقترحون بدائل لها من منطلقات قطرية أو لغوية محلية أو مستوردة. أتيت بهذا الاستطراد، درءا لكل لبس إذا استعملت كلمة الرسوم المتحركة مرادفا لـ أفلام كرتون ، فهكذا تعودت أذني علي سماعها وعيني علي مشاهدتها منذ نعومة أظافري. فأنا ـ وأعوذ بالله من قول أنا ـ من هواة تتبع قصص الرسوم المتحركة. ربما، لكوني لم أشبع نهمي منها خلال مرحلة الطفولة، نظرا لقلّـتها آنذاك ولعدم امتلاء الفضاء بالقنوات العديدة كما هو حاصل الآن، أو لأنني كنت أشاهد تلك القصص بالأبيض والأسود. إذ أن التلفزيون الملوَّن اعتُبر، لوقت طويل، بمثابة امتياز لدي فئة محدودة في المجتمع المغربي، هي فئة المحظوظين.ها أنتم ترونني أحاول تدارك ما فات، وأظل متسمرا أمام التلفاز صباحات العطل، أستمتع بحكايات الرسوم المتحركة وبجماليات إنجازها (علما أن جلها مصنوع في الغرب). وقبل نحو أسبوع، شدّني فيلم كرتون ابتداء من عنوانه المَلك . ولكن ما أثار انتباهي أكثر، هو السطر المكتوب تحت العنوان وقعت أحداث هذه القصة قبل الميلاد . لماذا هذا التنصيص بالضبط؟ سوف نفهم جميعا بعد قليل. الفيلم يحكي قصة ملك مهووس بالسلطة، قام باحتضان فتي ذكي وشجاع. ولكن إعجابه بهذا الأخير سرعان ما تحول إلي خوف منه، إذ سيطر علي الملك وهم جارف أوحي له بأن الفتي المحتَضن يسعي إلي الانقضاض علي الحكم. ومن ثم، لم يكتف الملك بنكث الوعد الذي قطعه علي نفسه، أي تزويج الفتي من ابنته الأميرة بعدما خلص البلاد من عدو قوي، بل أمر أيضا بقتله. وبذلك، توالت محن الفتي النبيل الذي لم يشأ الانقلاب علي الحاكم وليّ نعمته رغم كون أبناء قريته وضعوا مئات الجنود رهن إشارته، كما لم يتردد في الدفاع عن بلده بعد غزوها من لدن جيوش أجنبية. ولم ينل الحكم سوي بعد موت الملك الشيخ. فكان له الحسنيين: تتويج مشرِّف وزواج سعيد بالأميرة.قصة عادية، ولكنها صيغت بطريقة شائقة ومحفزة علي التتبع. بيد أن ما هو غير عادي يتجلي في السطر المكتوب في شارة البداية: وقعت أحداث هذه القصة قبل الميلاد . أولا، الأرجح أن هذه العبارة كُتبت من لدن الشركة التي تولت دبلجة هذا الفيلم الكرتوني الملك بالعربية (وهي مؤسسة إنتاج أردنية)، ولا يمكن أن تكون في النسخة الأصلية للفيلم الأجنبي. فماذا قصدت المؤسسة المذكورة بـ قبل الميلاد ، ميلاد من: ميلاد المسيح؟ أم الرسول محمد؟ أم الحكام العرب الحاليين؟ أم ميلاد المؤسسة نفسها؟إنه مجرد أسلوب للتقية، اعتُمد إما استجابة لرقيب معيّن، أو خوفا من كل تأويل مُغرض، يفسّر أن الفيلم المذكور يشير بالغمز واللمز علي حاكم عربي معين، يسكنه هوس العظمة ويحكم بالظلم ويخشي الانقلاب. لقد أرادت المؤسسة الأردنية أن تقول إن قصة الفيلم قديمة قدم التاريخ، ولا علاقة لها بالواقع الحالي. لكن هذه التبرير سرعان ما يصير باطلا، خاصة حين يستمع المشاهد إلي لغة الحوارات، فمترجم النص ضمنه تعبيرات دينية إسلامية، وبالتالي صارت الشخصيات الخيّرة تتكلم لغة إسلامية محضة، بل وانتهي الفيلم بتلاوة آية من القرآن الكريم، مع أن الفيلم في نسخته الأصلية غربي The King . ومن ثم، يتبين ألا جدوي من الإشارة إلي أن قصة الملك (الجائر) حدثت قبل الميلاد، باعتبار أن مثل هذه القصص يمكن أن تقع في كل زمان ومكان، وليس فقط هنا والآن.ما تبقي من العيد الكبير خلال الأيام القليلة الماضية، حفَـل التلفزيون بصور مختلفة عن احتفال المغاربة بـ العيد الكبير ، أي عيد الأضحي. وعكست الريبورتاجات التلفزيونية بعض العادات المرتبطة بهذه المناسبة الدينية لدي العديد من المواطنين، وهنا نماذج منها:ـ العيد الكبير ، بالنسبة للكثير من الناس، مناسبة للتفاخر والمباهاة والتبجح، تقرير إخباري قدم مثالا علي ذلك: بائع أكباش يبيع الأضاحي بأثمان خيالية جدا: عشرة آلاف درهم وأكثر للأضحية الواحدة (أزيد من ألف دولار)، حوله بعض المشترين، سأل الصحافي أحدهم عن سبب الإقبال علي تلك الأكباش رغم غلاء ثمنها، فأجاب بما معناه: كلُّ وذوقه. ولماذا لا أشتري كبشا بهذا الثمن إذا استطعت إلي ذلك سبيلا؟ . أما رجل الدين فكان له رأي مغاير: عيد الأضحي مناسبة للتفكير في أوضاع المحتاجين والإحسان إليهم . للتأمل: كبش واحد بعشرة آلاف درهم يساوي خمسة أكباش سمينة بأحجام جيدة جدا!ـ و العيد الكبير لدي الكثيرين، فرصة تتاح سنويا لصلة الرحم وإقامة الولائم بين العائلة. ولذا، تمتلئ مختلف وسائل النقل العمومية بالأسر التي تتجه من المدن الكبري نحو الأقاليم. إذ تشهد القطارات والحافلات اكتظاظا لافتا استثنائيا ولافتا للانتباه، ما يتسبب في أتعاب بالغة للركاب، وصلت ـ هذه السنة ـ إلي حد الفاجعة، حيث أدي اصطدام حافلتين لإزهاق أرواح أزيد من عشرين راكبا.ـ كما أن العيد الكبير مناسبة لمؤسسات الاقتراض قصد إغراق الموظف البسيط بالمزيد من القروض، ولشركات الهاتف المحمول قصد إغراء زبائنها باستهلاك منتجاتها بكثرة.اجزم تسلم أثرتُ، الأسبوع الماضي، حكاية بعض المذيعين المغاربة مع اللغة، ولفتَ أحد الزملاء انتباهي إلي طريقة أخري في الإلقاء لدي العديد منهم، تختصر في العبارة الشهيرة اجزم تسلم . فللتخلص من علامات الرفع والنصب والجر في كل كلمة، يلجأون إلي تسكين أواخر الكلمات، إذ يقولون علي سبيل المثال: آخرْ خبرْ: الفريقْ المغربي في كرةْ القدمْ ينتصرْ بإصابتينْ لصفر . وهكذا تتساوي الأفعال والكلمات والجار والمجرور والفاعل والمفعول به في حركة واحدة: السكون. وبما أننا في مجال اللغة، فيبدو أن استسهال اللغة العربية بلغ درجة قصوي لدي بعض المذيعين ممن عُرف عنهم أنهم يتحدثون أصلا باللغة الفرنسية أو الإسبانية، فما إن ينتدبهم التلفزيون لمهمة خارج الرباط أو بإحدي البلدان الأجنبية، حتي نجدهم يجرؤون علي تقديم مراسلات بالعربية، ضاربين عرض الحائط بخصوصية هذه اللغة، علي المستويات التعبيرية والنحوية والإعرابية والصوتية وغيرها. كاتب صحافي من المغرب[email protected]