الخرطوم ـ «القدس العربي»: انتظم عدد من الوقفات الاحتجاجية، أمس الأربعاء، في مدن السودان المختلفة، للتضامن مع أعضاء لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو/ حزيران 1989 واسترداد الأموال العامة (إزالة التمكين)، المعتقلين في سجون السلطات العسكرية في السودان.
ونفذ المحتجون في ولايات الجزيرة والشمالية والنيل الأبيض والنيل الأزرق وسنار وشمال كردفان، وقفات متعددة، مطالبين بإطلاق سراح أعضاء لجنة إزالة التمكين وإسقاط الانقلاب العسكري.
ورفعوا شعارات مؤيدة للجنة ومهام تفكيك النظام السابق واسترداد الأموال العامة التي قامت بها أثناء الفترة الانتقالية. وفي وقت اتهم القيادي في المجلس المركزي للحرية والتغيير، عادل خلف الله، السلطات العسكرية باستخدام الإجراءات القضائية لإطالة فترة اعتقال أعضاء لجنة إزالة التمكين لأطول فترة ممكنة، طالب بإطلاق سراحهم فوراً ودون أي شروط.
وقال خلف الله لـ”القدس العربي”: وعود القائد العام للجيش عبد الفتاح البرهان بالإفراج عن المعتقلين، وعود لا يمكن تصديقها، قائلا: نظراً لتجربتنا مع البرهان طوال السنوات الثلاث الماضية، وبعد انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، فإن وعوده لا قيمة لها ولا يمكن تصديقها.
وأضاف: “هي وعود بسبب ارتفاع ضغط الشارع ضد الانقلاب والإفراج عن قيادات النظام السابق وأموال وممتلكات الموالين لهم.”
وأكد أن العسكر ظلوا يعادون لجنة التمكين ويستهدفونها قبل الانقلاب وبعد الانقلاب، مشيراً إلى أن اللجنة هددت مصالح نافذين في السلطة ومصالح المؤسسة العسكرية وحلفائها من الإسلاميين، الأمر الذي أدى في النهاية للانقلاب العسكري.
وبين خلف الله، أن اللجنة قبل الانقلاب بفترة وجيزة اكتشفت عمليات لتهريب الذهب، يقوم بها نافذون في السلطة عبر خط جوي (الخرطوم-اللاذقية-موسكو)، بالإضافة إلى حصائل الصادر التي لا تدخل خزائن الدولة والمؤسسات والشركات والحسابات المصرفية الضخمة الخاصة بحلفائهم التقليديين (الإسلاميين).
ولفت إلى إطلاق سراح قيادات النظام السابق والإفراج عن حساباتهم المالية الضخمة بالنقد المحلي والأجنبي، رغم القضايا والبلاغات المفتوحة ضدهم بالإرهاب وغسيل الأموال.
إلى ذلك، اتهمت هيئة الدفاع عن أعضاء لجنة إزالة التمكين المعتقلين، النيابة بالتغول على سلطات المحكمة وعدم الحياد بخصوص المتحفظ عليهم، مطالبة المحكمة باتخاذ الإجراءات اللازمة.
واستنكرت المتحدثة باسم هيئة الدفاع عن المعتقلين إقبال أحمد، ما وصفته بالانتهاك الصريح لحقوق المعتقلين، قبل المحاكمة وتجديد حبس من قبل النيابة، مؤكدة أن ذلك اعتقال سياسي غير مشروع.
وقالت إقبال في بيان أمس: “إن النيابة العامة رفضت أمر القاضي بإحضار ملف البلاغ في قضية أعضاء لجنة إزالة التمكين، والنظر في طلب هيئة الدفاع بعد تجديد حبسهم لمدة أخرى لعدم وجود بينة مبدئية في مواجهتهم تقتضي بقاءهم في الحبس.”
وأضافت: “في عملية غير مسبوقة رفض وكيل نيابة لجنة مراجعة قرارات لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، أحمد أمين، المشرف على البلاغ رقم 2021/17490 برفقة المتحري، الرائد سيد أحمد، المتهم فيها أعضاء لجنة إزالة التمكين، عضو المجلس السيادي السابق محمد الفكي سليمان ووزير شؤون مجلس الوزراء السابق خالد عمر يوسف وآخرون، تنفيذ أمر قاضي محكمة جنايات الخرطوم شمال المشرف علي تجديد حبس المحتجزين، طيب الأسماء عبد المطلب، بإحضار ملف البلاغ امامه و المصرح من عدالته وإيداعه محضر البلاغ للنظر والفصل في الطلب المقدم الثلاثاء الماضي من هيئة الدفاع بعدم تجديد حبس المتحفظ عليهم.
وتابعت: “رفض وكيل النيابة عرض أوراق البلاغ الجنائي أمام القاضي بإيداع طلب عدم تجديد حبس المحتجزين بالمحضر، وفقا للتوجيهات القضائية ورفض التعليق على الطلب، مشيرة إلى قول وكيل النيابة إن القاضي لا سلطة له لطلب الأوراق وإنه لن يقوم بتسليمها، الأمر الذي يعني أن النيابة أصبحت جهة غير محايدة في هذه الإجراءات وتعتقد أن لها سلطة أعلى من سلطة القاضي مؤكدة على ضرورة اتخاذ السلطة القضائية الإجراءات المناسبة لاحترام قراراتها.
وأكملت: “هذا يوضح جليا أزمة العدالة الجنائية في السودان وقيام النيابة بهدم أهم أركان وأسس المحاكمة العادلة”، مشددة على أنها تضع العدالة على المحك.
وأنشئت لجنة إزالة التمكين، في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2019، بقرار من رئيس المجلس السيادي وقتها، عبد الفتاح البرهان، إنفاذاً لقانون أقره مجلس الوزراء، لتفكيك نظام عمر البشير وحظر نشاط قياداته ومصادرة أموالهم.
ووفق القرار، تم تعيين العضو العسكري في مجلس السيادة ياسر العطا، رئيسا للجنة ازالة التمكين، والعضو المدني في المجلس محمد الفكي نائبا له، ووزير شؤون مجلس الوزراء عمر مانيس مقرراً، والذي حل محله الوزير الذي أعقبه خالد عمر، بالإضافة إلى أعضاء من وزارات الدفاع، الداخلية والعدل، المالية، الحكم الاتحادي البنك المركزي وديوان المراجع القومي والمخابرات العامة، والدعم السريع، وقوى الحرية والتغيير.
لاحقاً، نالت لجنة التمكين شعبية واسعة، باعتبار مهامها المتعلقة بتفكيك نفوذ نظام الإنقاذ (النظام السابق)، وقامت بكشف ومصادرة اموال وشركات وأصول ضخمة للنظام السابق والموالين له.
إلا أن الخلافات بدأت تتسع بين اللجنة والمكون العسكري، قبيل الانقلاب العسكري، في وقت أشارت إلى تورط نافذين في السلطة في جرائم فساد وضرورة أيلولة شركات الجيش للخزينة العامة للدولة.
وبعد انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول على الشراكة الانتقالية، أعلن البرهان تجميد عمل لجنة إزالة التمكين وأصدر لاحقاً قراراً بتكوين لجنة لمراجعة واستلام الأموال المستردة من لجنة إزالة التمكين.
واعتقلت الأجهزة الأمنية لاحقاً معظم أعضاء اللجنة من المدنيين ومن قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين، وقيدت ضدهم بلاغات جنائية وتهم بخيانة الأمانة، الأمر الذي اعتبره المجلس المركزي للحرية والتغيير اعتقالا سياسيا غير مشروع، مؤكدا أن التهم الموجهة ضدهم سياسية ولا أساس قانونيا لها.
وبعد الانقلاب العسكري، شرعت السلطات في إعادة كوادر نظام عمر البشير لمؤسسات الدولة، وإعادة أموال النظام السابق والموالين لهم، ومؤخرا أطلقت سراح رئيس الحزب إبراهيم غندور وعدد من قيادات النظام السابق، ونقل الرئيس المعزول عمر البشير من السجن إلى مستشفى علياء التابع للجيش.
وفي ظل تواصل التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري، وتدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية في البلاد، وعدم قدرة العسكريين على تشكيل حكومة واختيار رئيس وزراء، وعد البرهان الأسبوع الماضي، بالشروع في إجراءات إطلاق سراح المعتقلين السياسيين خلال يومين لتهيئة المناخ للحوار، إلا أن ذلك لم يحدث حتى الآن.
إلى ذلك، شدد المجلس المركزي للحرية والتغيير، على أنه لن ينخرط في عملية سياسية، إلا بعد إلغاء حالة الطوارئ والتزام سلطات بوقف العنف ضد التظاهرات الرافضة للانقلاب العسكري وإطلاق سراح كافة المعتقلين السياسيين من قوى الثورة وعلى رأسهم لجان المقاومة وقادة الحرية والتغيير ولجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو واسترداد الأموال العامة.فيما طالب الحزب الشيوعي السوداني بإطلاق سراح كل المعتقلين السياسيين او تقديمهم لمحاكمات عادلة، بغض النظر عن اتجاهاتهم السياسية، او الفكرية او الجهوية او الدينية.
وأكد في بيان، موقفه المبدئي ضد الاعتقال السياسي وإلغاء الاعتقال التحفظي، مطالبا بتكوين لجنة تحقيق مستقلة لمعرفة مصير الأموال والأصول المصادرة بواسطة لجنة إزالة التمكين، والمحاسبة والمحاكمة للمسؤولين عن الجرائم ضد الإنسانية والمجازر في القيادة العامة وما بعد انقلاب 25 أكتوبر/ تشرين الأول وجرائم الإبادة الجماعية في دارفور وجنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق، مشددا على ضرورة تسليم عمر البشير والمطلوبين الآخرين للمحكمة الجنائية الدولية.
وفي السياق، قال الصحافي والمحلل السياسي، ماجد محمد علي، لـ”القدس العربي” إن “عمل لجنة إزالة التمكين من الأسباب الرئيسية للانقلاب”، مشيراً إلى أنه ربما يكون أهمها، لجهة تهديد اللجنة لمراكز نفوذ وتمكين نظام الإنقاذ-النظام السابق- في مفاصل الدولة والاقتصاد وكذلك الجيش والأجهزة الأمنية، الأمر الذي جعلها تتعرض للهجوم المستمر وتهديدات بالتصفية.
ولفت إلى أن الشاهد على خطورة مهمة اللجنة على النظام السابق، استهدافها فور وقوع الانقلاب واعتقال قياداتها ومحاولة تشويه صورتهم أمام الرأي العام، ثم إعادة كل أعضاء النظام السابق إلى مواقعهم في جهاز الدولة واعادة الأموال والأصول التي استردتها لجنة التفكيك لصالح الخزينة العامة.
وكل ذلك، حسب “علي” يعتبر مؤشرا لنشوء تحالف بين البرهان وحزب المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم السابق)، الذي تم حله بعد إطاحة الثورة الشعبية بنظام الإنقاذ، مبينا أن هذا التحالف جاء على أساس تصفية الثورة وبرنامجها وقواها، ودعم رئاسة البرهان لإعادة تجربة البشير مرة أخرى.
ولفت إلى أن ما يشهده جهاز الدولة والمؤسسات المالية، منذ انقلاب 25 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، تجسيد حي لذلك.